تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد

QSH…110

في‭ ‬خضم‭ ‬الأزمة‭ ‬الآسيوية،‭ ‬بدأ‭ ‬المستثمرون‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬العوائد‭ ‬المتوقعة‭ ‬من‭ ‬استثماراتهم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬صاحبت‭ ‬اندماج‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬بصورة‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أخذت‭ ‬الأسواق‭ ‬تضع‭ ‬في‭ ‬حساباتها‭ ‬التأثير‭ ‬المحتمل‭ ‬لانفتاح‭ ‬الصين‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الخارج،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تداعيات‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الآسيوي‭.‬
وقبل‭ ‬الأزمة‭ ‬بخمس‭ ‬إلى‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬ورجال‭ ‬الأعمال‭ ‬الأجانب‭ ‬يتجهون‭ ‬بأموالهم‭ ‬إلى‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬وتايلاند‭ ‬وماليزيا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية،‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬استثمارية‭ ‬تتيح‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭. ‬وكانت‭ ‬ماليزيا،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المراكز‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬محركات‭ ‬الأقراص‭ ‬الصلبة‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬بدأ‭ ‬يتغير‭ ‬تدريجياً‭ ‬مع‭ ‬دخول‭ ‬الصين‭ ‬بقوة‭ ‬أكبر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الصناعات‭. ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة،‭ ‬تحولت‭ ‬شنتشن‭ ‬ودونغغوان‭ ‬إلى‭ ‬مركزين‭ ‬مهمين‭ ‬لتصنيع‭ ‬محركات‭ ‬الأقراص‭ ‬الصلبة،‭ ‬مع‭ ‬مساهمتهما‭ ‬بنحو‭ ‬30‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمي،‭ ‬وفق‭ ‬المعطيات‭ ‬المتداولة‭ ‬آنذاك‭.‬
ومع‭ ‬انخفاض‭ ‬تكاليف‭ ‬عوامل‭ ‬الإنتاج،‭ ‬امتلكت‭ ‬الصين‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬مهمة،‭ ‬ومع‭ ‬تدفق‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬وتراجع‭ ‬تكاليف‭ ‬إتمام‭ ‬الصفقات،‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬منافسة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأخرى‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬التصنيع‭.‬
ولم‭ ‬تكن‭ ‬هذه‭ ‬المنافسة‭ ‬بلا‭ ‬أثر‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الآسيوية‭ ‬الأخرى‭. ‬ويمكن‭ ‬توضيح‭ ‬ذلك‭ ‬بافتراض‭ ‬أن‭ ‬مستثمراً‭ ‬ضخ‭ ‬أمواله‭ ‬في‭ ‬ماليزيا‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬توقع‭ ‬تحقيق‭ ‬عائد‭ ‬يبلغ‭ ‬50‭%. ‬فإذا‭ ‬بدأ‭ ‬المنتجون‭ ‬الصينيون‭ ‬تصنيع‭ ‬المنتجات‭ ‬نفسها‭ ‬بتكاليف‭ ‬أقل،‭ ‬ودفع‭ ‬ذلك‭ ‬أسعارها‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬الانخفاض،‭ ‬فلن‭ ‬يكون‭ ‬الاستثمار‭ ‬الماليزي‭ ‬قادراً‭ ‬بالضرورة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬العائد‭ ‬الذي‭ ‬بُني‭ ‬عليه‭ ‬القرار‭ ‬الاستثماري‭.‬
وقد‭ ‬يتراجع‭ ‬العائد‭ ‬المتوقع‭ ‬من‭ ‬50‭% ‬إلى‭ ‬5‭%‬،‭ ‬أو‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬خسارة‭ ‬بنسبة‭ ‬5%،‭ ‬تبعاً‭ ‬لتطورات‭ ‬السوق‭. ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬عائد‭ ‬متوقع‭ ‬يبلغ‭ ‬50‭% ‬إلى‭ ‬5‭% ‬يعني‭ ‬انخفاضاً‭ ‬قدره‭ ‬45‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬مقارنة‭ ‬بالتوقعات‭ ‬الأصلية،‭ ‬وهي‭ ‬فجوة‭ ‬يتحمل‭ ‬المستثمرون‭ ‬المعنيون‭ ‬آثارها‭.‬
وتكشف‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬إحدى‭ ‬السمات‭ ‬الأساسية‭ ‬لاقتصاد‭ ‬السوق؛‭ ‬فتغير‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وقواعد‭ ‬المنافسة‭ ‬يعيدان‭ ‬توزيع‭ ‬العوائد‭ ‬والمخاطر‭ ‬بين‭ ‬المشاركين،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬العوائد‭ ‬التي‭ ‬تبدو‭ ‬مرتفعة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ ‬عندما‭ ‬تتغير‭ ‬موازين‭ ‬الإنتاج‭ ‬والتكلفة‭ ‬والمنافسة‭.‬

الصناعة

لم‭ ‬يكن‭ ‬تغير‭ ‬موازين‭ ‬المنافسة‭ ‬منفصلاً‭ ‬عن‭ ‬مسار‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الصناعية،‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬يمثل‭ ‬أحد‭ ‬الملفات‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وعكست‭ ‬السياسات‭ ‬الحكومية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬توجهاً‭ ‬نحو‭ ‬إعادة‭ ‬تحديد‭ ‬أدوار‭ ‬تلك‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وفتح‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬أمام‭ ‬أشكال‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬الملكية‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وتجلّى‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬المؤتمر‭ ‬الوطني‭ ‬الخامس‭ ‬عشر‭ ‬للحزب‭ ‬الشيوعي‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬1999‭ ‬بشأن‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة،‭ ‬والذي‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬احتفاظ‭ ‬الدولة‭ ‬بحصة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬لا‭ ‬يستلزم‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬تتجاوز‭ ‬هذه‭ ‬الحصة‭ ‬نسبة‭ ‬30‭%‬،‭ ‬كما‭ ‬أكد‭ ‬إخضاع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخاصة‭ ‬للشروط‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬
وكان‭ ‬جوهر‭ ‬التوجه‭ ‬الحكومي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬المؤسسات‭ ‬ذات‭ ‬الأهمية،‭ ‬مقابل‭ ‬منح‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأقل‭ ‬أهمية‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬لتدبر‭ ‬شؤونها‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬أثار‭ ‬تساؤلات‭ ‬أوسع‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬تحديد‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬للدولة‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بنفوذها‭ ‬فيها،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬تصنيف‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬رابحة‭ ‬ومتعثرة‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬ثابتاً‭ ‬مع‭ ‬تغير‭ ‬ظروف‭ ‬السوق‭.‬
فالمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬تحقق‭ ‬أرباحاً‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬معينة‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬خاسرة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬لاحقة،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تظهر‭ ‬مؤسسات‭ ‬جديدة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متوقعة‭ ‬عند‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬تحديد‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تستحق‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالسيطرة‭ ‬عليها‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬نتائجها‭ ‬الحالية‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬بالضرورة‭ ‬وضعها‭ ‬المستقبلي‭.‬
وتزداد‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية‭ ‬وضوحاً‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬عالية‭ ‬التقنية،‭ ‬حيث‭ ‬تتغير‭ ‬المنتجات‭ ‬والتقنيات‭ ‬بسرعة،‭ ‬وقد‭ ‬تفقد‭ ‬مؤسسة‭ ‬ما‭ ‬ميزتها‭ ‬التنافسية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭. ‬ولذلك،‭ ‬تصبح‭ ‬محاولة‭ ‬تحديد‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬للدولة‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭ ‬بصورة‭ ‬دائمة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬كلما‭ ‬تسارعت‭ ‬وتيرة‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬والتكنولوجيا‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬برز‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭ ‬يتعلق‭ ‬بتوقيت‭ ‬تحرير‭ ‬المؤسسات‭ ‬وطرح‭ ‬حصص‭ ‬منها‭ ‬أمام‭ ‬المستثمرين‭. ‬ويمكن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تشبيهها‭ ‬بالاستثمار‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم؛‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬تحقيق‭ ‬أفضل‭ ‬قيمة‭ ‬ممكنة‭ ‬عند‭ ‬البيع،‭ ‬فإن‭ ‬توقيت‭ ‬عملية‭ ‬البيع‭ ‬يصبح‭ ‬عاملاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تحقيقها‭.‬
وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الحكومة،‭ ‬فإن‭ ‬تأجيل‭ ‬بيع‭ ‬حصصها‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬تتمتع‭ ‬بمراكز‭ ‬قوية‭ ‬وأوضاع‭ ‬مالية‭ ‬جيدة‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬تفويت‭ ‬فرصة‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬أعلى،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى،‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬تشاينا‭ ‬تيليكوم‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تحت‭ ‬ملكية‭ ‬الدولة‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬الانتظار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬وأسعار‭ ‬أسهمها‭ ‬قد‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬العائد‭ ‬المتحقق‭ ‬من‭ ‬عملية‭ ‬البيع‭.‬
وبذلك،‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬قضية‭ ‬إصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬على‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬البيع‭ ‬والاحتفاظ‭ ‬بالملكية،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬التوقيت‭ ‬والمعايير‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬هذا‭ ‬القرار،‭ ‬بما‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬كفاءة‭ ‬المؤسسات‭ ‬وقيمة‭ ‬الأصول‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬والمصلحة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العامة‭.‬

المصارف‭ ‬وأسواق‭ ‬المال

يبدو‭ ‬إصلاح‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬من‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬ملكية‭ ‬المؤسسات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬جوهره‭ ‬يرتبط‭ ‬بخفض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاملات‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وتقليص‭ ‬المخاطر‭ ‬الإجمالية‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإصلاح‭ ‬والانفتاح‭.‬
ولا‭ ‬تعني‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬بالضرورة‭ ‬تعرض‭ ‬النظام‭ ‬بأكمله‭ ‬للاضطراب‭ ‬نتيجة‭ ‬تعثر‭ ‬فرد‭ ‬أو‭ ‬أسرة‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة‭ ‬أو‭ ‬مصرف‭. ‬ففي‭ ‬اقتصادات‭ ‬السوق،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬حالات‭ ‬الإفلاس‭ ‬والتعثر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الدورة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬يمتلك‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬تسمح‭ ‬باستيعاب‭ ‬الخسائر‭ ‬وتوزيعها‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭.‬
وعندما‭ ‬تتراجع‭ ‬أسواق‭ ‬الأسهم‭ ‬بصورة‭ ‬حادة‭ ‬أو‭ ‬يتعرض‭ ‬أحد‭ ‬المصارف‭ ‬للإفلاس،‭ ‬تظهر‭ ‬الخسائر‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة،‭ ‬ويتحدد‭ ‬من‭ ‬يتحملها‭ ‬وحجمها‭. ‬وهذه‭ ‬إحدى‭ ‬آليات‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق؛‭ ‬إذ‭ ‬تتوزع‭ ‬المخاطر‭ ‬بين‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمؤسسات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬انتقالها‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬واحدة‭.‬
وقد‭ ‬تدفع‭ ‬انخفاضات‭ ‬أسعار‭ ‬الأسهم‭ ‬بعض‭ ‬المستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬استثماراتهم،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬توقعات‭ ‬بعودة‭ ‬الأسعار‭ ‬إلى‭ ‬الارتفاع‭ ‬مستقبلاً‭. ‬وبهذه‭ ‬الآلية‭ ‬تنتقل‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والثروة‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬بين‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬السوق،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بإعادة‭ ‬توجيه‭ ‬الموارد‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬القائمة‭ ‬إلى‭ ‬فرص‭ ‬جديدة،‭ ‬وإفساح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬أنشطة‭ ‬جديدة‭ ‬لتحل‭ ‬محل‭ ‬أخرى‭ ‬فقدت‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬
وفي‭ ‬الحالة‭ ‬الصينية‭ ‬آنذاك،‭ ‬كان‭ ‬إصلاح‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬يطرح‭ ‬أولوية‭ ‬مختلفة،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬فتح‭ ‬مجال‭ ‬الإقراض‭ ‬أمام‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬المنافسة،‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬جانب‭ ‬الودائع‭. ‬فإدارة‭ ‬الودائع‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬المصارف‭ ‬المملوكة‭ ‬للدولة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تمثل‭ ‬المشكلة‭ ‬الرئيسية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المنافسة‭ ‬القائمة‭ ‬بينها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الودائع،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬توفر‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الكفاءة‭.‬
أما‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬فكان‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬القروض،‭ ‬باعتبارها‭ ‬النشاط‭ ‬الذي‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المصارف‭ ‬الحكومية‭ ‬إدارته‭ ‬بكفاءة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬القائم‭. ‬وكان‭ ‬فتح‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬المصارف‭ ‬الأجنبية‭ ‬والمصارف‭ ‬الخاصة‭ ‬ومصارف‭ ‬المشاريع‭ ‬المشتركة‭ ‬أحد‭ ‬الخيارات‭ ‬المطروحة‭ ‬لرفع‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الائتمان‭.‬
وكان‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬دعم‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬السماح‭ ‬بتدفق‭ ‬الودائع‭ ‬بين‭ ‬المصارف‭ ‬عبر‭ ‬سوق‭ ‬الإقراض‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬وأسواق‭ ‬مالية‭ ‬أخرى،‭ ‬بحيث‭ ‬تستقطب‭ ‬المصارف‭ ‬الأجنبية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬السيولة‭ ‬المودعة‭ ‬لدى‭ ‬المصارف‭ ‬الحكومية،‭ ‬ثم‭ ‬تعيد‭ ‬توجيهها‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬قروض‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬والمشروعات‭. ‬ومن‭ ‬شأن‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬أن‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية،‭ ‬ويمنح‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬قنوات‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعاً‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭.‬
وتنبع‭ ‬أهمية‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬يقوم‭ ‬في‭ ‬جوهره‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬المعاملات‭ ‬وتوجيه‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬أطراف‭ ‬الاقتصاد‭. ‬وكلما‭ ‬تطورت‭ ‬الصناعة‭ ‬المالية‭ ‬وازدادت‭ ‬كفاءتها،‭ ‬أمكن‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬المعاملات‭ ‬أمام‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إصلاحها‭ ‬عاملاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬تطوير‭ ‬سوق‭ ‬المال‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬القواعد‭ ‬التنظيمية‭ ‬وحدها،‭ ‬إذ‭ ‬تبرز‭ ‬مشكلة‭ ‬أخرى‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬محدودية‭ ‬عدد‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬المستثمرين‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬فإذا‭ ‬لم‭ ‬يضم‭ ‬السوق‭ ‬عدداً‭ ‬كافياً‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬ذات‭ ‬الأداء‭ ‬الجيد‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬النمو،‭ ‬فإن‭ ‬تحسين‭ ‬بنيته‭ ‬التنظيمية‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬كافياً‭ ‬لبناء‭ ‬سوق‭ ‬مال‭ ‬فعال‭.‬
ويشبه‭ ‬ذلك‭ ‬أداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬التعليمية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬أهدافها‭ ‬بمجرد‭ ‬وجود‭ ‬المباني‭ ‬واللوائح،‭ ‬بل‭ ‬تحتاج‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أساتذة‭ ‬وطلاب‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬القيمة‭ ‬التي‭ ‬أُنشئت‭ ‬من‭ ‬أجلها‭. ‬وبالمثل،‭ ‬تحتاج‭ ‬سوق‭ ‬المال‭ ‬إلى‭ ‬شركات‭ ‬جيدة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬عملها‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يصبح‭ ‬جذب‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬توفير‭ ‬فرص‭ ‬استثمارية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬أحد‭ ‬المحاور‭ ‬المهمة‭ ‬لتطوير‭ ‬السوق‭. ‬وكان‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬المقترحات‭ ‬المطروحة‭ ‬آنذاك‭ ‬تشجيع‭ ‬المؤسسات‭ ‬ذات‭ ‬التمويل‭ ‬الأجنبي‭ ‬العاملة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬دخول‭ ‬سوق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬للسوق‭ ‬قاعدة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬ويعزز‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬تكشف‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬أن‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مرتبطة‭ ‬بإصلاح‭ ‬المؤسسات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬طريقة‭ ‬توزيع‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬وتحديد‭ ‬المخاطر‭ ‬والعوائد‭ ‬بين‭ ‬القطاعات‭ ‬والأسواق‭ ‬والمستثمرين‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬الانفتاح‭ ‬وتغير‭ ‬موازين‭ ‬المنافسة،‭ ‬أصبحت‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توجيه‭ ‬موارده‭ ‬عاملاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مواقع‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسواق‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الجديد‭.‬

رجوع لأعلى