تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بين‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأزمات‭ ‬النقدية

SS.33

خلال‭ ‬القرنين‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬والثامن‭ ‬عشر،‭ ‬ساد‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بين‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬بأن‭ ‬الثروة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للدول‭ ‬تقاس‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬الذهب‭ ‬والفضة،‭ ‬وأن‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الازدهار‭ ‬يمر‭ ‬عبر‭ ‬تحقيق‭ ‬فائض‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬زيادة‭ ‬الصادرات‭ ‬وتقليص‭ ‬الواردات‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬القيود‭ ‬الجمركية‭. ‬وقد‭ ‬عُرف‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬المذهب‭ ‬التجاري‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬رأى‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬أداة‭ ‬مباشرة‭ ‬لتكديس‭ ‬الثروات‭ ‬النقدية‭ ‬وتعزيز‭ ‬قوة‭ ‬الدولة‭ ‬الاقتصادية‭.‬
ومع‭ ‬تطور‭ ‬الفكر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لاحقاً،‭ ‬بدأت‭ ‬الدعوات‭ ‬تتجه‭ ‬نحو‭ ‬تحرير‭ ‬التجارة‭ ‬وإزالة‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬عليها،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬الأسواق‭ ‬يشكل‭ ‬محركاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬للنمو‭ ‬والتقدم‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ارتبط‭ ‬أنصار‭ ‬الرأسمالية‭ ‬بمبدأ‭ ‬‮«‬حرية‭ ‬التجارة‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬وجد‭ ‬دعماً‭ ‬نظرياً‭ ‬لدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الإنجليزي‭ ‬ديفيد‭ ‬ريكاردو،‭ ‬عندما‭ ‬طرح‭ ‬مفهوم‭ ‬‮«‬الميزة‭ ‬النسبية‮»‬،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬الدول‭ ‬تستطيع‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬من‭ ‬شركائها‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مجالات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬لأن‭ ‬جوهر‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬المزايا‭ ‬النسبية‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬لجميع‭ ‬الأطراف‭ ‬الاستفادة‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مستويات‭ ‬الكفاءة‭.‬
ومع‭ ‬حلول‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬اتسعت‭ ‬رقعة‭ ‬الاستعمار‭ ‬الأوروبي‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا،‭ ‬مستفيدة‭ ‬من‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬وظهور‭ ‬مراكز‭ ‬مالية‭ ‬متقدمة،‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬مدينة‭ ‬لندن‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬القلب‭ ‬المالي‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭. ‬وأسهمت‭ ‬هذه‭ ‬التحولات‭ ‬في‭ ‬بروز‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬جديدة‭ ‬لتجميع‭ ‬الثروات‭ ‬وتمويل‭ ‬الأنشطة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬مثل‭ ‬الشركات‭ ‬المساهمة‭ ‬وأدوات‭ ‬الاقتراض‭ ‬والإقراض،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬قاد‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الثورة‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬عززت‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭.‬

صعود‭ ‬لندن‭ ‬والنظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي

وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬برز‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬كعملة‭ ‬رئيسية‭ ‬للتعاملات‭ ‬الدولية،‭ ‬بينما‭ ‬أصبحت‭ ‬سوق‭ ‬لندن‭ ‬المالية‭ ‬محوراً‭ ‬لإدارة‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬التجارية‭ ‬العالمية‭. ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬للأسواق‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬تتوسع‭ ‬وتزدهر‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬عالمي‭ ‬ينظم‭ ‬عمليات‭ ‬الدفع‭ ‬والتسوية‭ ‬بين‭ ‬الدول،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬تجسد‭ ‬فيما‭ ‬عرف‭ ‬بـ«قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬تحولت‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬قوة‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬ودور‭ ‬بريطانيا‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
ولم‭ ‬تنشأ‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬نتيجة‭ ‬تخطيط‭ ‬اقتصادي‭ ‬مسبق‭ ‬أو‭ ‬نظرية‭ ‬متكاملة،‭ ‬بل‭ ‬جاءت‭ ‬استجابة‭ ‬طبيعية‭ ‬لحاجات‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري‭ ‬وتطور‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭. ‬فمنذ‭ ‬فترات‭ ‬مبكرة‭ ‬استخدمت‭ ‬المجتمعات‭ ‬النقود‭ ‬لتسهيل‭ ‬المبادلات،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يفرض‭ ‬الذهب‭ ‬والفضة‭ ‬نفسيهما‭ ‬كأساس‭ ‬للتعامل‭ ‬النقدي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬ازدياد‭ ‬إنتاجهما‭ ‬عقب‭ ‬اكتشاف‭ ‬القارة‭ ‬الأميركية‭. ‬ومع‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬بات‭ ‬الذهب‭ ‬يحتل‭ ‬موقع‭ ‬الصدارة‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬الدولية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬الدول‭ ‬تحدد‭ ‬قيمة‭ ‬عملاتها‭ ‬وفق‭ ‬وزن‭ ‬ثابت‭ ‬منه،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬مهّد‭ ‬لظهور‭ ‬نظام‭ ‬نقدي‭ ‬دولي‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭.‬
كما‭ ‬ساعدت‭ ‬نهاية‭ ‬الحروب‭ ‬النابليونية‭ ‬واتجاه‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬نحو‭ ‬تحرير‭ ‬التجارة‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التزام‭ ‬الحكومات‭ ‬بتحويل‭ ‬العملات‭ ‬الورقية‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬وفق‭ ‬أسعار‭ ‬ثابتة،‭ ‬وحرية‭ ‬انتقال‭ ‬الذهب‭ ‬بين‭ ‬الدول‭. ‬وهكذا‭ ‬ارتكز‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬عناصر‭ ‬أساسية‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬حرية‭ ‬التجارة،‭ ‬وإمكانية‭ ‬تحويل‭ ‬العملات‭ ‬الورقية‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬بأسعار‭ ‬ثابتة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬حرية‭ ‬دخول‭ ‬وخروج‭ ‬الذهب‭ ‬عبر‭ ‬الحدود،‭ ‬وهي‭ ‬الأسس‭ ‬التي‭ ‬دعمت‭ ‬توسع‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرأسمالي‭ ‬العالمي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭.‬

الهيمنة‭ ‬البريطانية‭ ‬وتوسع‭ ‬الإسترليني‭ ‬عالمياً

بعد‭ ‬انتصارها‭ ‬على‭ ‬نابليون‭ ‬بونابرت،‭ ‬برزت‭ ‬إنجلترا‭ ‬كأقوى‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬وبحرية‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬مستندة‭ ‬إلى‭ ‬أسطول‭ ‬بحري‭ ‬ضخم‭ ‬منحها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وجعلها‭ ‬توصف‭ ‬بـ‮«‬سيدة‭ ‬البحار‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذا‭ ‬التفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعسكري،‭ ‬تبنت‭ ‬بريطانيا‭ ‬مبدأ‭ ‬حرية‭ ‬التجارة‭ ‬متأثرة‭ ‬بأفكار‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬الداعين‭ ‬إلى‭ ‬إزالة‭ ‬القيود‭ ‬التجارية‭ ‬وفتح‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬السلع‭ ‬ورؤوس‭ ‬الأموال‭.‬
ومع‭ ‬تنامي‭ ‬النشاط‭ ‬التجاري‭ ‬العالمي،‭ ‬تحولت‭ ‬لندن‭ ‬إلى‭ ‬أكبر‭ ‬مركز‭ ‬مالي‭ ‬ونقدي‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬يقتصر‭ ‬دورها‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬التجارة‭ ‬البريطانية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تمول‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬بريطانيا‭ ‬طرفاً‭ ‬مباشراً‭ ‬فيها‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬فرض‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬نفسه‭ ‬كعملة‭ ‬رئيسية‭ ‬للتعاملات‭ ‬الدولية،‭ ‬وأصبحت‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬العالمية‭ ‬تقوَّم‭ ‬به،‭ ‬فيما‭ ‬جرى‭ ‬تسوية‭ ‬جانب‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المعاملات‭ ‬عبر‭ ‬البنوك‭ ‬البريطانية‭ ‬وبيوت‭ ‬التجارة‭ ‬والتمويل‭ ‬المنتشرة‭ ‬في‭ ‬لندن‭.‬
وساعد‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬مكانة‭ ‬الإسترليني‭ ‬التزام‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬بتحويله‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭ ‬وفق‭ ‬سعر‭ ‬ثابت‭ ‬عند‭ ‬الطلب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬منح‭ ‬العملة‭ ‬البريطانية‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬والاستقرار‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬عمليات‭ ‬بيع‭ ‬وشراء‭ ‬فورية،‭ ‬بل‭ ‬احتاجت‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أنظمة‭ ‬تمويل‭ ‬وائتمان‭ ‬تسمح‭ ‬بتأجيل‭ ‬السداد‭ ‬وتوفير‭ ‬السيولة‭ ‬اللازمة‭ ‬للتجار‭ ‬والمستوردين‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬برز‭ ‬الدور‭ ‬الحيوي‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬لندن،‭ ‬التي‭ ‬قدمت‭ ‬خدمات‭ ‬واسعة‭ ‬شملت‭ ‬إصدار‭ ‬الأوراق‭ ‬التجارية،‭ ‬وتمويل‭ ‬الصفقات،‭ ‬وخصم‭ ‬الكمبيالات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬خدمات‭ ‬التأمين‭ ‬والشحن‭ ‬والنقل‭ ‬البحري‭.‬
لندن‭ ‬مركز‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ومنطقة‭ ‬الإسترليني

وبفضل‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬المالي‭ ‬والتجاري،‭ ‬أصبحت‭ ‬لندن‭ ‬مركزاً‭ ‬عالمياً‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬عمليات‭ ‬الدفع‭ ‬بالإسترليني،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬مختلف‭ ‬الخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬من‭ ‬التأمين‭ ‬على‭ ‬البضائع‭ ‬إلى‭ ‬تمويل‭ ‬عمليات‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬موقع‭ ‬بريطانيا‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬توسعها‭ ‬الاستعماري‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬أميركا‭ ‬وآسيا،‭ ‬ثم‭ ‬امتداد‭ ‬نفوذها‭ ‬إلى‭ ‬إفريقيا‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬ما‭ ‬أتاح‭ ‬لها‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬مصادر‭ ‬المواد‭ ‬الأولية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للتجارة‭ ‬العالمية‭ ‬آنذاك‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تشكل‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الدولي‭ ‬نظرياً‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬قام‭ ‬عملياً‭ ‬على‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الإسترليني‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المعاملات‭ ‬الدولية‭ ‬تُجرى‭ ‬بالعملة‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بقبول‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬حتى‭ ‬بات‭ ‬بالإمكان‭ ‬شراء‭ ‬معظم‭ ‬سلع‭ ‬العالم‭ ‬باستخدام‭ ‬الإسترليني‭ ‬دون‭ ‬الحاجة‭ ‬الفعلية‭ ‬إلى‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬ذهب‭. ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت،‭ ‬فضّلت‭ ‬دول‭ ‬عديدة‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬باحتياطياتها‭ ‬الذهبية‭ ‬داخل‭ ‬خزائن‭ ‬بنك‭ ‬إنجلترا‭ ‬لتقليل‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل‭ ‬والتأمين،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬من‭ ‬مركزية‭ ‬لندن‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
ولم‭ ‬تعد‭ ‬العاصمة‭ ‬البريطانية‭ ‬مجرد‭ ‬مركز‭ ‬مالي،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬رئيسي‭ ‬للتجارة‭ ‬الدولية‭ ‬بكامل‭ ‬خدماتها،‭ ‬حيث‭ ‬تركزت‭ ‬فيها‭ ‬عمليات‭ ‬التمويل‭ ‬والتأمين‭ ‬والشحن،‭ ‬وافتتحت‭ ‬فيها‭ ‬كبرى‭ ‬بيوت‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬مكاتبها‭ ‬لإدارة‭ ‬أعمالها‭ ‬الدولية‭. ‬وأصبح‭ ‬بإمكان‭ ‬التجار‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬لندن‭ ‬لإتمام‭ ‬صفقات‭ ‬تخص‭ ‬بضائع‭ ‬قادمة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬منطقة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬مستفيدين‭ ‬من‭ ‬البنية‭ ‬المالية‭ ‬والتجارية‭ ‬المتطورة‭ ‬التي‭ ‬وفرتها‭ ‬المدينة‭.‬
هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الواسع‭ ‬دفع‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬ربط‭ ‬عملاتها‭ ‬المحلية‭ ‬بالجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬وفق‭ ‬أسعار‭ ‬ثابتة،‭ ‬مع‭ ‬تعهد‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬الإسترليني‭ ‬عند‭ ‬الطلب،‭ ‬وهو‭ ‬النظام‭ ‬الذي‭ ‬عرف‭ ‬لاحقاً‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬منطقة‭ ‬الإسترليني‮»‬،‭ ‬ليصبح‭ ‬الجنيه‭ ‬البريطاني‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬حجر‭ ‬الأساس‭ ‬للنظام‭ ‬النقدي‭ ‬والتجاري‭ ‬العالمي‭.‬

انهيار‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬
والتحولات‭ ‬الكبرى

لم‭ ‬يستمر‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والنقدي‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬تشكل‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬1815،‭ ‬عقب‭ ‬مؤتمر‭ ‬فيينا،‭ ‬على‭ ‬حاله‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭. ‬فمع‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬دخل‭ ‬العالم‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬ملامحها‭ ‬تخلي‭ ‬إنجلترا‭ ‬عن‭ ‬تحويل‭ ‬الجنيه‭ ‬الإسترليني‭ ‬إلى‭ ‬ذهب،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وإجراءات‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬ظروف‭ ‬الحرب‭.‬
وعقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬عام‭ ‬1918،‭ ‬سعت‭ ‬بريطانيا‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬موقعها‭ ‬المالي‭ ‬السابق‭ ‬وإحياء‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬قائماً‭ ‬قبل‭ ‬الحرب،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تكبدته‭ ‬من‭ ‬خسائر‭ ‬اقتصادية‭ ‬واستنزاف‭ ‬مالي‭ ‬كبير‭. ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬1925،‭ ‬تولى‭ ‬ونستون‭ ‬تشرشل‭ ‬منصب‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة،‭ ‬وواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬قوية‭ ‬داخل‭ ‬وزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬البريطانية‭ ‬لإعادة‭ ‬العمل‭ ‬بـ«قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬‭. ‬ورغم‭ ‬الجدل‭ ‬الواسع‭ ‬بشأن‭ ‬مدى‭ ‬ملاءمة‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬البريطاني‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬قرر‭ ‬تشرشل‭ ‬إعادة‭ ‬الإسترليني‭ ‬إلى‭ ‬قابلية‭ ‬التحويل‭ ‬إلى‭ ‬الذهب‭ ‬وفق‭ ‬السعر‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬سائداً‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭.‬
لكن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬اعتُبر‭ ‬لاحقاً‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬القرارات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬بريطانيا‭ ‬الحديث،‭ ‬إذ‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الصناعة‭ ‬البريطانية‭ ‬تعاني‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬وتراجع‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬نتيجة‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬الحرب‭. ‬وأدى‭ ‬تثبيت‭ ‬قيمة‭ ‬الإسترليني‭ ‬عند‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬البريطانية،‭ ‬ما‭ ‬أضعف‭ ‬قدرة‭ ‬الصناعات‭ ‬المحلية‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬المنافسة‭ ‬العالمية‭.‬
وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذا‭ ‬الجدل،‭ ‬شن‭ ‬الاقتصادي‭ ‬البريطاني‭ ‬جون‭ ‬ماينارد‭ ‬كينز‭ ‬هجوماً‭ ‬حاداً‭ ‬على‭ ‬القرار،‭ ‬عبر‭ ‬مقال‭ ‬شهير‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للسيد‭ ‬تشرشل‮»‬،‭ ‬في‭ ‬إشارة‭ ‬ساخرة‭ ‬إلى‭ ‬كتابه‭ ‬السابق‭ ‬‮«‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للسلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬انتقد‭ ‬فيه‭ ‬تداعيات‭ ‬معاهدة‭ ‬فرساي‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬ورأى‭ ‬كينز‭ ‬أن‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬قاعدة‭ ‬الذهب‭ ‬ستلحق‭ ‬أضراراً‭ ‬كبيرة‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬البريطاني‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬معاناة‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭.‬
ولم‭ ‬يطل‭ ‬الوقت‭ ‬حتى‭ ‬بدأت‭ ‬المؤشرات‭ ‬تؤكد‭ ‬عمق‭ ‬الأزمة‭ ‬العالمية‭. ‬ففي‭ ‬أواخر‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬شهدت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬ألمانيا،‭ ‬موجات‭ ‬تضخم‭ ‬جامح،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنفجر‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬1929‭ ‬بانهيار‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬بورصة‭ ‬نيويورك‭ ‬التي‭ ‬فقدت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬13‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬خلال‭ ‬يوم‭ ‬واحد‭ ‬عرف‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الاثنين‭ ‬الأسود‮»‬‭ ‬في‭ ‬28‭ ‬أكتوبر‭ ‬1929‭.‬
وسرعان‭ ‬ما‭ ‬امتدت‭ ‬موجة‭ ‬الانهيار‭ ‬إلى‭ ‬بقية‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ليدخل‭ ‬العالم‭ ‬مرحلة‭ ‬‮«‬الكساد‭ ‬العظيم‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أسوأ‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث،‭ ‬حيث‭ ‬تجاوزت‭ ‬معدلات‭ ‬البطالة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬20‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬قوة‭ ‬العمل،‭ ‬وتراجعت‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬بصورة‭ ‬حادة‭. ‬وأمام‭ ‬هذا‭ ‬الانهيار،‭ ‬اضطرت‭ ‬بريطانيا‭ ‬عام‭ ‬1931‭ ‬إلى‭ ‬التخلي‭ ‬مجدداً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬قاعدة‭ ‬الذهب‮»‬،‭ ‬بينما‭ ‬اتجهت‭ ‬الحكومات‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬وتبني‭ ‬سياسات‭ ‬حمائية‭ ‬لحماية‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬الوطنية‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الأوضاع‭ ‬المضطربة،‭ ‬شهدت‭ ‬أوروبا‭ ‬صعود‭ ‬الأنظمة‭ ‬الشمولية،‭ ‬فوصل‭ ‬النظام‭ ‬النازي‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬عام‭ ‬1934،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬بينيتو‭ ‬موسوليني‭ ‬قد‭ ‬رسخ‭ ‬النظام‭ ‬الفاشي‭ ‬في‭ ‬إيطاليا‭ ‬منذ‭ ‬عشرينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬وترافق‭ ‬ذلك‭ ‬مع‭ ‬تصاعد‭ ‬النزاعات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والحروب‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬التكتلات‭ ‬الدولية،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬المشهد‭ ‬بانفجار‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬عام‭ ‬1939،‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬النظامين‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬بأسره‭.‬

رجوع لأعلى