النفط فوق 100 دولار.. هرمز يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة الاختناق المكلف
تراجعت أسعار النفط العالمية بعد موجة ارتفاعات قوية استمرت ثلاثة أيام متتالية، إلا أن هذا التراجع لم يكن كافياً لتبديد المخاوف المتزايدة في الأسواق العالمية، في ظل استمرار أزمة مضيق هرمز وتفاقم الاضطرابات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. فالنفط الذي صعد بنحو 8% خلال الجلسات الأخيرة ما زال يتحرك عند مستويات مرتفعة تاريخياً فوق حاجز 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من دخول الاقتصاد العالمي مرحلة جديدة من التضخم واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والإنتاج.
ورغم التراجع المحدود في الأسعار، فإن المتعاملين في الأسواق ينظرون إلى ما يحدث باعتباره أزمة ممتدة وليست مجرد موجة توتر مؤقتة. إذ إن استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز، وتوقف صادرات رئيسية من جزيرة خرج الإيرانية، كلها عوامل تدفع الأسواق إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية بصورة أوسع وأكثر حدة.
وتراجع سعر خام برنت إلى حدود 106 دولارات للبرميل، فيما انخفض خام غرب تكساس الوسيط إلى قرب 101 دولار، لكن هذه المستويات لا تزال مرتفعة بصورة تعكس حجم القلق السائد في الأسواق العالمية بشأن مستقبل الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع استمرار الحرب لأكثر من عشرة أسابيع دون أي مؤشرات حقيقية على انفراج قريب.
اختناق الإمدادات
أكبر مصدر قلق في الأسواق حالياً لا يتمثل فقط في ارتفاع الأسعار، بل في طبيعة الاضطراب القائم داخل الإمدادات العالمية للطاقة. فصور الأقمار الاصطناعية أظهرت خلال الأيام الماضية غياب أي ناقلات نفط عملاقة عن جزيرة خرج الإيرانية، في أول توقف ممتد للصادرات من هذا المركز الحيوي منذ بداية الحرب.
وتعد جزيرة خرج الشريان الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية، وبالتالي فإن توقف الحركة فيها يحمل دلالات خطيرة للأسواق العالمية، لأنه يعني عملياً خروج كميات إضافية من الخام من الأسواق الدولية في وقت تعاني فيه السوق أصلاً من اختناقات حادة في النقل والشحن والطاقة الإنتاجية الاحتياطية.
هذا التطور رفع المخاوف من أن العالم قد يواجه نقصاً فعلياً في الإمدادات خلال الفترة المقبلة، خاصة إذا استمر إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول. فالمضيق الذي يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط والغاز العالمية أصبح شبه مغلق فعلياً منذ بداية الحرب، بعدما شددت الولايات المتحدة حصارها البحري على الموانئ الإيرانية في منتصف أبريل.
وأدى ذلك إلى اختناق واسع في تدفقات النفط الخام والغاز الطبيعي والوقود المكرر، ما انعكس سريعاً على أسعار الطاقة والنقل البحري والتأمين والشحن، وأعاد إلى الواجهة مخاوف الركود التضخمي التي كانت الأسواق العالمية تحاول تجاوزها خلال العامين الماضيين.
الأسواق تحت الضغط
التقلبات الحالية في أسواق النفط لا ترتبط فقط بحجم الإمدادات الفعلية، بل أيضاً بحالة القلق وعدم اليقين التي تسيطر على المستثمرين والمتعاملين. فالسوق أصبحت تتحرك بصورة حادة مع كل تطور سياسي أو عسكري مرتبط بالمضيق أو بالحرب في الشرق الأوسط.
ويرى محللون أن الأزمة الحالية تختلف عن كثير من الأزمات السابقة، لأن الأسواق لا تواجه فقط نقصاً في الإمدادات، بل تواجه أيضاً أزمة ثقة مرتبطة بتوقيت عودة التدفقات النفطية إلى طبيعتها. فحتى لو جرى الإعلان عن إعادة فتح المضيق، فإن استعادة التوازن الفعلي داخل السوق قد تحتاج إلى أسابيع أو حتى أشهر.
هذا الفارق الزمني بين التحسن السياسي والتعافي الفعلي للإمدادات يمثل أحد أكبر مصادر القلق حالياً. فالأسعار قد تتراجع سريعاً مع أي أخبار إيجابية، لكن الأسواق الفعلية ستظل تعاني من نقص المعروض وارتفاع تكاليف النقل والتأمين لفترة أطول.
كما أن تراجع أحجام التداول في العقود النفطية خلال الأيام الأخيرة يعكس حالة الحذر المسيطرة على المستثمرين. فبعد تداولات ضخمة في وقت سابق من الشهر، بدأت السيولة تنخفض تدريجياً مع تزايد المخاوف من تقلبات مفاجئة قد تدفع الأسعار إلى مستويات أكثر حدة.
أزمة تضخم جديدة
انعكاسات أزمة هرمز لم تعد محصورة داخل أسواق الطاقة فقط، بل بدأت تمتد إلى الاقتصاد العالمي بصورة أوسع، خصوصاً في الولايات المتحدة، حيث عادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة بقوة مع ارتفاع أسعار البنزين والطاقة.
فأسعار البنزين الأميركية قفزت إلى أعلى مستوياتها منذ عام 2022، في تطور يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية حساسة قبل انتخابات التجديد النصفي المرتقبة في نوفمبر. ويمثل ارتفاع الوقود تحدياً مباشراً للإدارة الأميركية، لأنه ينعكس بسرعة على تكلفة النقل والسلع والخدمات ويؤثر بشكل مباشر على المستهلك الأميركي.
وتشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى أن الحرب الحالية بدأت بالفعل تعيد إشعال التضخم داخل الاقتصاد الأميركي، بعدما كانت الأسواق تأمل في استمرار مسار التراجع التدريجي للأسعار. ومع بقاء النفط فوق 100 دولار، يخشى اقتصاديون من انتقال موجة التضخم إلى قطاعات أوسع تشمل الغذاء والصناعة والخدمات.
كما أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يضع البنوك المركزية أمام خيارات معقدة، إذ ستجد نفسها مضطرة للإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، ما قد يزيد الضغوط على النمو الاقتصادي والاستثمارات والأسواق المالية العالمية.
آسيا تبحث عن بدائل
الدول الآسيوية تعد من أكثر الأطراف تضرراً من أزمة هرمز الحالية، نظراً لاعتمادها الكبير على نفط الشرق الأوسط. فاليابان على سبيل المثال تعتمد تقليدياً على المنطقة لتوفير نحو 90% من احتياجاتها النفطية، ما يجعل أي اضطراب في المضيق تهديداً مباشراً لأمنها الطاقي.
ومع استمرار الأزمة، بدأت المصافي الآسيوية سباقاً محموماً للبحث عن بدائل جديدة للخام الخليجي، حتى وإن كانت أكثر تكلفة أو أبعد جغرافياً. وشهدت الأسواق خلال الأسابيع الأخيرة عمليات شراء آسيوية متزايدة لخامات من أميركا اللاتينية وأفريقيا وأميركا الشمالية.
وفي مؤشر واضح على حجم الارتباك، اتجهت اليابان إلى شراء النفط المكسيكي للمرة الأولى منذ سنوات، في محاولة لتقليل الاعتماد على الإمدادات القادمة عبر الخليج العربي. كما بدأت شركات تكرير أخرى إعادة ترتيب عقودها طويلة الأجل وتوسيع خياراتها الجغرافية تحسباً لاستمرار الأزمة.
لكن هذه البدائل ليست سهلة أو رخيصة، إذ إن نقل النفط من مناطق بعيدة يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على الأسعار النهائية للوقود والمنتجات الصناعية. كما أن بعض المصافي الآسيوية صُممت أساساً لمعالجة خامات الشرق الأوسط، ما يجعل التحول إلى خامات أخرى أكثر تعقيداً من الناحية الفنية.
ضغوط على البيت الأبيض
سياسياً، بدأت الأزمة تفرض ضغوطاً متزايدة على الإدارة الأميركية، خاصة مع ارتفاع أسعار البنزين وتزايد القلق الشعبي من عودة التضخم. فالرئيس الأميركي دونالد ترمب يحاول التركيز على الملفات التجارية والعلاقات مع الصين، لكنه يواجه في الوقت نفسه ضغوطاً داخلية متصاعدة مرتبطة بالحرب وتداعياتها الاقتصادية.
ورغم تأكيد ترمب أن إيران “تحت السيطرة إلى حد كبير”، فإن الأسواق تبدو أقل اطمئناناً، خصوصاً مع استمرار إغلاق المضيق وغياب أي اختراق دبلوماسي واضح حتى الآن.
كما أن استمرار الأزمة قد ينعكس على شعبية الإدارة الأميركية مع اقتراب الانتخابات النصفية، لأن ارتفاع الوقود يعد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة للناخب الأميركي، الذي يتأثر مباشرة بأسعار البنزين والطاقة وتكاليف المعيشة اليومية.
مرحلة جديدة للطاقة
ما يحدث حالياً في أسواق النفط قد يمثل بداية مرحلة مختلفة بالكامل بالنسبة لقطاع الطاقة العالمي. فالأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالحرب أو الأسعار، بل تكشف هشاشة النظام النفطي العالمي واعتماده الكبير على ممرات بحرية محدودة ومناطق جيوسياسية شديدة الحساسية.
كما أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة طويلة قد يدفع الاقتصادات الكبرى إلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على النفط التقليدي، إلى جانب زيادة الاستثمارات في الطاقة المتجددة والغاز الطبيعي ومشاريع التخزين الاستراتيجي.