الاندماجات تعيد رسم خريطة الجامعات الأمريكية
تدخل الجامعات الأمريكية مرحلة إعادة تشكيل واسعة، بعدما تحولت عمليات الاندماج والاستحواذ من ظاهرة محدودة إلى اتجاه متصاعد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية والديموغرافية التي يتعرض لها قطاع التعليم العالي. ورغم أن التعليم الجامعي لا يزال يمثل أحد أكبر صادرات الولايات المتحدة، فإن عدد المؤسسات يتجه إلى التراجع، في ظل تقلص أعداد الطلاب وارتفاع التكاليف والديون وتغير نظرة الأسر إلى جدوى الشهادات الجامعية.
وتسعى الإدارة الأمريكية إلى تسريع هذا التحول عبر قواعد جديدة تستهدف تسهيل اندماج مؤسسات التعليم العالي، بعدما أصبح واضحاً أن جزءاً من الجامعات لن يستطيع الحفاظ على نموذجه المالي التقليدي. وتضع هذه التطورات القطاع أمام مرحلة قد تشهد اختفاء مؤسسات أو اندماجها في كيانات أكبر وأكثر قدرة على مواجهة المنافسة والتغير التكنولوجي.
ضغط متزايد
قال وكيل وزارة التعليم الأمريكية نيكولاس كنت إن الولايات المتحدة تضم نحو 6 آلاف مؤسسة للتعليم العالي، لكنه استبعد قدرة جميعها على الصمود خلال العقد المقبل، مشيراً إلى أن المؤسسات التي ستبقى ستكون أكثر مرونة وقدرة على التكيف.
وبالفعل، بدأت مؤسسات في ولايات عدة إعلان صفقات اندماج واستحواذ جديدة، في مؤشر إلى أن موجة إعادة الهيكلة لم تعد احتمالاً بعيداً، وإنما مساراً فعلياً. وكان هذا الاتجاه قد بدأ قبل الإجراءات الحكومية الجديدة، لكنه اكتسب زخماً إضافياً مع تزايد الضغوط المالية وتراجع الإيرادات في كثير من الجامعات.
ويعود ذلك إلى مجموعة مترابطة من العوامل، تشمل تقلص قاعدة الطلاب المحتملين، وارتفاع تكلفة تشغيل الحرم الجامعي، وزيادة أعباء الاقتراض، وتراجع الثقة في بعض المؤسسات، إلى جانب ارتفاع التساؤلات بشأن القيمة الاقتصادية للشهادة الجامعية مقارنة بتكلفتها.
موجة اندماجات
بين عامي 2000 و2025، تضاعف عدد عمليات الاندماج والاستحواذ في قطاع التعليم العالي ثلاث مرات، مدفوعاً في جزء كبير منه بعمليات توحيد المؤسسات التعليمية الهادفة للربح.
وكان كثير من هذه المؤسسات قد توسع مستفيداً من نظام اتحادي سخي للقروض، لكنه تعرض لاحقاً لانتقادات بسبب ضعف النتائج وارتفاع تكاليف الدراسة وتراجع معدلات التخرج. وفي بعض الحالات، غادر الطلاب الجامعة دون شهادة، بينما ظلوا مطالبين بسداد قروض كبيرة.
ومع الوقت، انتقلت الضغوط إلى الجامعات الخاصة غير الهادفة للربح، خصوصاً تلك التي تفرض رسوماً مرتفعة ولا تمتلك علامة أكاديمية قوية أو تخصصات تمنحها ميزة واضحة في السوق. وأصبح هذا النوع من المؤسسات الأكثر عرضة لفقدان الطلاب لصالح الجامعات الحكومية أو البرامج الأقل تكلفة.
تكلفة مرتفعة
تواجه الجامعات الخاصة متوسطة الحجم معضلة مالية متزايدة، إذ تصل تكلفة الدراسة والإقامة في بعضها إلى عشرات الآلاف من الدولارات سنوياً، وتتجاوز 100 ألف دولار في حالات محدودة، بينما يجد كثير من الطلاب وأسرهم صعوبة متزايدة في تبرير هذه التكلفة.
وخلال العقدين الماضيين، اقترضت جامعات عديدة مبالغ ضخمة لتوظيف إداريين وبناء منشآت حديثة وفاخرة بهدف جذب الطلاب القادرين على دفع الرسوم كاملة، بمن فيهم الطلاب الأجانب. غير أن هذه الاستراتيجية أصبحت أكثر خطورة بعد ارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف التشغيل.
وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة بعض المؤسسات على الاعتماد على الطلاب الدوليين، مع تغير البيئة السياسية المتعلقة بالهجرة وإعادة كثير من الأسر الأجنبية تقييم الولايات المتحدة كوجهة للدراسة، ما أفقد بعض الجامعات مصدراً مهماً للإيرادات.
تراجع الطلاب
يشكل العامل الديموغرافي أحد أكبر التحديات بعيدة المدى للقطاع. فقد انخفض إجمالي أعداد الملتحقين بالكليات الأمريكية بنسبة 11% بين عامي 2010 و2021، ورغم حدوث تعافٍ محدود بعد ذلك، فإن التوقعات تشير إلى استمرار الضغوط خلال السنوات المقبلة.
وتشهد الولايات المتحدة حالياً تخرج نحو 3.9 ملايين طالب من المدارس الثانوية سنوياً، إلا أن هذا الرقم قد يكون بلغ ذروته بالفعل. وتتوقع دراسة حديثة انخفاض العدد إلى نحو 3.4 ملايين طالب بحلول عام 2041، ما يعني تراجعاً يقارب 13%.
ويمثل هذا الانخفاض تهديداً مباشراً للجامعات التي تعتمد بصورة رئيسية على الرسوم الدراسية، لأن تقلص عدد الطلاب يعني منافسة أكثر حدة على كل متقدم، وقد يدفع المؤسسات الأقل شهرة إلى تقديم مزيد من التخفيضات والمساعدات المالية.
خصومات واسعة
في محاولة للحفاظ على أعداد الملتحقين، لجأت الجامعات الخاصة غير الهادفة للربح إلى تقديم خصومات كبيرة على الرسوم الدراسية، بلغ متوسطها 57% خلال العام الدراسي 2025 – 2026.
ورغم أن هذه السياسة تساعد في جذب الطلاب، فإنها تقلص الإيرادات الفعلية التي تحصل عليها المؤسسة من كل طالب، ما يؤدي إلى ضغوط إضافية على الميزانية، خصوصاً عندما تكون الجامعة مثقلة بالديون أو لديها نفقات ثابتة مرتفعة.
وتزداد المشكلة مع تراجع التمويل الحكومي للتعليم، إذ خلص مسح لمسؤولي التعليم العالي في الولايات إلى أن القطاع لا يزال يواجه انخفاضاً في الدعم، إلى جانب حاجة متزايدة إلى تحقيق كفاءة تشغيلية أكبر، وهو ما يدفع المؤسسات نحو خفض التكاليف أو البحث عن شركاء للاندماج.
قرارات صعبة
تعكس الأرقام حجم التحول داخل القطاع، إذ تشير إحدى الدراسات إلى أن نحو 20% من رؤساء الكليات والجامعات دخلوا في مناقشات جادة بشأن الاندماج خلال عام 2025.
وكانت النسبة أعلى بكثير بين المؤسسات الخاصة غير الهادفة للربح، حيث بلغت 34%، مقابل 7% فقط لدى المؤسسات الحكومية. ويكشف هذا الفارق أن الجامعات الخاصة تواجه مستوى أكبر من المخاطر المالية، بسبب اعتمادها الكبير على الرسوم الدراسية وضعف الدعم الحكومي المباشر.
البحث عن الحجم
ليست جميع عمليات الاندماج نتيجة ضعف مالي، إذ تلجأ مؤسسات صاعدة أيضاً إلى الاستحواذ باعتباره أداة للنمو وبناء حضور عالمي. وفي سوق تتجه تدريجياً إلى مكافأة المؤسسات الأكبر والأكثر شهرة، يصبح الحجم وسيلة لتعزيز العلامة الأكاديمية وتوسيع قاعدة الطلاب.
وتعد جامعة نورث إيسترن نموذجاً بارزاً لهذا الاتجاه، بعدما تحولت من مؤسسة محلية في بوسطن إلى جامعة أكثر انتقائية وحضوراً، مستفيدة من نجاح برنامج «التعليم التعاوني» الذي يتيح للطلاب العمل في وظائف جيدة الأجر قبل التخرج.
ميزة تنافسية
يرى رئيس جامعة نورث إيسترن جوزيف عون أن المؤسسات التي تتمتع بتميز واضح في علامتها الأكاديمية تحقق أداء أفضل في البيئة الحالية، بينما تواجه المؤسسات التي تفتقر إلى هذه الميزة ضغوطاً متزايدة.
وتحاول الجامعة بناء نموذج يعتمد على الجمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة العملية، وهو ما يمنح الطلاب مهارات أكثر ارتباطاً بسوق العمل. ويكتسب هذا النهج أهمية متزايدة مع تصاعد التساؤلات بشأن قدرة الشهادة الجامعية وحدها على ضمان فرص مهنية جيدة.
كما أن إنشاء شبكة من الفروع في مدن ودول مختلفة يسمح للمؤسسة بجذب شرائح جديدة من الطلاب، والاستفادة من علامتها التجارية في أكثر من سوق، وتحقيق وفورات الحجم عبر مشاركة الموارد والبرامج والإدارة.