التضخم الأمريكي والتوتر الجيوسياسي يحددان بوصلة الذهب عند مستويات قياسية
انخفضت أسعار الذهب قليلاً خلال تعاملات الثلاثاء، متراجعة من أعلى مستوى سجلته منذ أكثر من شهرين، في وقت يترقب فيه المستثمرون بحذر صدور بيانات تضخم رئيسية في الولايات المتحدة للبحث عن إشارات حاسمة حول المسار المستقبلي لأسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الاتحادي. وترافق هذا التراجع المحدود مع عمليات جني أرباح هادئة بعد مكاسب ملحوظة حققها المعدن النفيس في بداية الجلسة.
وتراجع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.3% ليصل إلى 4374.82 دولار للأوقية (الأونصة)، بعدما كان قد سجل في وقت سابق من الجلسة أعلى مستوياته منذ الخامس من يونيو حزيران عند 4434.84 دولار. وفي المقابل، ارتفعت العقود الأمريكية الآجلة للذهـب بنسبـة 0.4 % لتسجل 4435 دولارا، ما يعكس حالة التباين والحذر التي تسيطر على المتعاملين في الأسواق العالمية.
تتجه أنظار الأسواق المالية كلياً نحو البيانات الاقتصادية الأمريكية المقرر صدورها هذا الأسبوع، حيث ينتظر المستثمرون تقرير مؤشر أسعار المستهلكين الحاسم، يعقبه صدور بيانات أسعار المنتجين. وتكتسب هذه الأرقام أهمية مضاعفة كونها توفر رؤية أوضح حول مدى تراجع الضغوط التضخمية وقدرة الاقتصاد على التكيف.
وتأتي هذه التطورات في أعقاب بيانات الوظائف الأمريكية الضعيفة لشهر يوليو تموز، والتي دفعت المتعاملين إلى إعادة تقييم توقعاتهم بشأن السياسة النقدية. وأدت تلك البيانات إلى تقليص الرهانات على استمرار المركزي الأمريكي في رفع أسعار الفائدة، مما أعاد زخماً إيجابياً للأسواق المالية ولدعم الأصول التي لا تدر عائداً مثل الذهب. وكان الاحتياطي الاتحادي قد قرر في اجتماعه الأخير الإبقاء على الفائدة دون تغيير…
رغم وجود معارضة من بعض المسؤولين الداعين إلى الاستمرار في التشديد. وفي هذا السياق، يرى محللون أن استمرار البيانات الإيجابية حول تباطؤ التضخم من شأنه أن يضغط على الدولار الأمريكي ويدعم مكاسب الذهب على المدى المتوسط…
ويرى خبراء تحليلات الأسواق أن صدور أرقام تضخم أقل من المتوقع سيمنح البنك المركزي مساحة أكبر للتريث، مما يدعم تسعير الأسواق لبيئة فائدة منخفضة، وهو المشهد الذي يمثل عادة بيئة مثالية لارتفاع أسعار المعادن النفيسة وتقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازتها.
التصعيد الجيوسياسي ومضيق هرمز
على الصعيد الجيوسياسي، توفر التوترات المتصاعدة خلفية داعمة لأسعار الذهب باعتباره الملاذ الآمن الأول وقت الأزمات. وتزايدت المخاوف في الأسواق عقب تجدد التصعيد الكلامي بين واشنطن وطهران، بعد مطالبة الإدارة الأمريكية بطلب تعويضات مالية، مما أضاف تعقيدات جديدة أمام المساعي الدبلوماسية.
وأدى هذا التوتر إلى تقليص الآمال بشان التوصل إلى حل سريع وأكيد لإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة وشحن النفط بصورة طبيعية، مما أبقى المخاطر قائمة في أروقة الأسواق المالية وزاد من استعانة المستثمرين بالذهب للتحوط ضد أي اضطرابات مفاجئة في سلاسل الإمداد العالمية.
ويتوقع المحللون أن تظل القضايا الجيوسياسية المشتعلة خط الدفاع الأساسي لأسعار الذهب ضد أي هبوط حاد. فاستمرار حالة عدم اليقين في خطوط التجارة الحيوية يمنح الأسواق دافعاً مستمراً للاحتفاظ بالسيولة في أصول آمنة تحسباً لأي تطورات قد تؤثر على النمو العالمي.
ويؤدي التداخل بين مخاطر الطاقة والملف الجيوسياسي إلى تعزيز حالة التقلب، حيث تجد الأسواق نفسها في مواجهة معادلة معقدة تضم التضخم، والنمو الاقتصادي، واستقرار حركة الملاحة البحرية الدولية.
معنويات الأسواق والتدفقات
أكد خبراء الأبحاث في شركات الاستثمار أن اختراق الذهب لمستوى 4400 دولار في بداية الجلسة كان مدفوعاً بشكل أساسي بتجدد التدفقات المالية وتغير ملموس في اتجاهات المستثمرين نحو تقليل التعرض للمخاطر العالية في قطاعات الأسهم والتوجّه نحو الأصول الأكثر استقراراً.
وأشار التحليل الفني للسوق إلى أن قدرة الذهب على التماسك بالقرب من هذه المستويات القياسية يعتمد بشكل مباشر على استمرار تلك التدفقات، حيث إن المحافظة على التداول فوق مناطق الدعم الرئيسية تفتح الباب أمام محاولات جديدة للتعافي واختبار مستويات قياسية أعلى خلال الجلسات القادمة.
وتعكس هذه التطورات حالة التذبذب التي تسيطر على خيارات المستثمرين بين الاستفادة من التقييمات المرتفعة عبر عمليات جني الأرباح، وبين الرغبة في التحوط ضد أي مفاجآت قد تحملها بيانات التضخم الأمريكية المرتقبة.
ويظل بناء المراكز الاستثمارية رصيناً وحذراً، حيث يفَضّل المتعاملون الانتظار لتأكيد الاتجاه العام للسياسة النقدية قبل اتخاذ قرارات شراء أو بيع واسعة النطاق على الأجل الطويل.
تراجع حركة المعادن الأخرى
تأثرت باقي المعادن النفيسة بحالة الحذر العام وجني الأرباح التي شهدتها الأسواق، حيث سجلت انخفاضات متفاوته بقيادة الفضة التي هبطت في المعاملات الفورية بنسبة 1.7 % لتصل إلى 64.64 دولار للأوقية. ولم يكن البلاتين بمعزل عن هذه الضغوط، إذ فقد نحو 0.4 % من قيمته ليتراجع إلى 1745.68 دولار، بينما هبط البلاديوم بنسبة 0.8 % مسجلاً 1372.44 دولار للأوقية، ليظهر الأداء الجماعي للمعادن توجهاً عاماً نحو التريث وتقليص المخاطرة.
ويرتبط أداء المعادن الصناعية مثل البلاتين والبلاديوم بشكل وثيق بالتوقعات الخاصة بالنمو الاقتصادي والنشاط الصناعي العالمي، مما يجعلها أكثر عرضة للتقلبات في حال تباطؤ الاقتصاد أو ارتفاع تكاليف التشغيل والتصنيع.
وفي النهاية، تترقب الأسواق نتائج البيانات الاقتصادية لتحديد الت اتجاه القادم للمعادن، حيث إن أي إشارات جديدة بشأن التضخم أو الفائدة ستنعكس مباشرة على بوصلة الأسعار والتدفقات الاستثمارية في المرحلة المقبلة.