التوتر يشعل الخام لأعلى مستوى بخمسة أسابيع
عادت المخاطر الجيوسياسية لتفرض إيقاعها بقوة على أسواق الطاقة العالمية، بعدما اقتربت الأسعار من أعلى مستويات إغلاقها في خمسة أسابيع، وسط تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وتصاعد المخاوف بشأن أمن الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
واستقر مزيج برنت دون مستوى 95 دولاراً للبرميل، بعدما قفز 4.6 % في جلسة الثلاثاء، بينما تحرك خام غرب تكساس الوسيط قرب 90 دولاراً، في مؤشر على عودة علاوة المخاطر إلى السوق بعد أسابيع من الهدوء النسبي.
وتعكس التحركات السريعة حساسية المتعاملين تجاه أي تطور يمس صادرات الشرق الأوسط، إذ لم تعد الأسعار تتحرك فقط وفق معادلات العرض والطلب، بل أصبحت مرتبطة أيضاً باحتمالات تعطل الملاحة وطول مدة الاضطرابات وحجم الكميات التي قد تتأخر عن الوصول إلى الأسواق.
تصعيد متجدد
اكتسب التوتر زخماً جديداً بعد شن الولايات المتحدة هجمات على إيران لليوم الثاني، بالتزامن مع تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من العمليات في حال ردت طهران. وبعد ساعات، ردت إيران باستهداف الأردن والبحرين والكويت، وهي دول تستضيف قوات أميركية، ما وسع جغرافياً دائرة المخاطر في منطقة تعد مركزاً أساسياً لإنتاج وتصدير الطاقة.
وفي تطور أضاف بعداً بحرياً للمواجهة، أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة ضربت سفينتين تابعتين للحكومة الإيرانية، ضمن توجه يستهدف ردع طهران عن مهاجمة السفن العابرة للممرات البحرية في المنطقة.
وتضع هذه التطورات حركة الناقلات في قلب الأزمة، خصوصاً أن الخطر الأكبر لا يتمثل فقط في انقطاع كامل وفوري للإمدادات، وإنما في تزايد احتمالات تعرض السفن أو المنشآت أو طرق الشحن لتهديدات متكررة.
وفي مثل هذه الظروف، ترتفع تكاليف التأمين والنقل، وتعيد شركات الشحن تقييم مساراتها، بينما يصبح المشترون أكثر استعداداً لدفع أسعار أعلى لضمان وصول احتياجاتهم دون تأخير.
ملاحة حساسة
رغم استمرار خروج الشحنات من منطقة الخليج، فإن حركة الناقلات لا تعني زوال المخاطر. فبعض عمليات التصدير تجري في ظروف تشغيلية أكثر تعقيداً، فيما تلجأ بعض السفن إلى إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال لتقليل إمكانية رصدها.
وهذا الواقع يضع السوق أمام معادلة دقيقة؛ فالكميات ما زالت تصل إلى المشترين، لكن المخاطر المحيطة بوصولها ارتفعت بوضوح. ولا يحتاج السعر إلى اختفاء ملايين البراميل فعلياً حتى يصعد، إذ يكفي ارتفاع احتمال التعطل كي تبدأ الأسواق في احتساب علاوة إضافية.
ويرى نوربرت ريويكر، رئيس قسم الاقتصاد لدى «جوليوس باير غروب»، أن الصراع على السيطرة على الطريق البحري وتجدد الهجمات يدعمان علاوة المخاطر التي تدخل في تسعير الخام.
وقد يبقى هذا العامل مؤثراً طالما ظلت المواجهة غير محسومة، حتى إذا حافظت التدفقات الفعلية على مستويات مرتفعة نسبياً.
قفزة قوية
كانت الأسعار قد حققت مكسباً محدوداً خلال الشهر الماضي، لكنها ما زالت أعلى بأكثر من 30 % مقارنة بمستوياتها عند بداية الحرب في أواخر فبراير، ما يعكس التحول الكبير الذي شهدته السوق خلال فترة زمنية قصيرة.
وفي أحدث التعاملات، ارتفعت العقود الآجلة لمزيج برنت تسليم نوفمبر 0.2 % إلى 94.80 دولار للبرميل بحلول الساعة 9:12 صباحاً في لندن، بعدما أغلقت الثلاثاء عند 94.65 دولار، وهو أعلى مستوى تسوية منذ يوليو 2024.
أما العقود المستقبلية لخام غرب تكساس الوسيط تسليم أكتوبر، فتراجعت بصورة طفيفة إلـى 90.08 دولار، بعدمـا صعدت 5.2 % في الجلسة السابقة، مسجلة أكبر مكسب يومي في خمسة أسابيع.
وتظهر هذه التحركات أن السوق لا تتحرك في اتجاه واحد، بل تشهد عمليات إعادة تسعير سريعة مع كل تطور عسكري أو سياسي جديد.
ضغط المنتجات
التداعيات لا تتوقف عند الخام، إذ سجلت المنتجات المكررة، وعلى رأسها الديزل، ارتفاعات أشد في ظل تداخل تأثير المواجهة في الشرق الأوسط مع تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وتكتسب هذه النقطة أهمية اقتصادية لأن ارتفاع أسعار المنتجات ينتقل بصورة أكثر مباشرة إلى الشركات والمستهلكين عبر تكاليف النقل والشحن والصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية.
وإذا استمرت مستويات الطاقة المرتفعة لفترة طويلة، فقد تعود الضغوط التضخمية إلى الواجهة في الاقتصادات المستوردة، ما يعقد حسابات البنوك المركزية التي تحاول الموازنة بين دعم النمو والسيطرة على الأسعار.
مخزون هابط
في المقابل، قدمت بيانات المخزونات الأميركية عاملاً إضافياً داعماً للسوق، إذ أفاد معهد البترول الأميركي بأن مخزونات الخام في الولايات المتحدة انخفضت 2.6 مليون برميل خلال الأسبوع الماضي.
وإذا أكدت البيانات الرسمية هذا التراجع، فسيكون أول انخفاض في خمسة أسابيع، ما قد يقدم إشارة إلى قوة الطلب أو تراجع حجم المعروض المتاح داخل أكبر اقتصاد عالمي.
وتزداد أهمية هذه الأرقام في ظل وجود مخاطر جيوسياسية على جانب العرض. وإذا تزامن استمرار سحب المخزون مع اضطرابات أوسع في الشرق الأوسط، فقد تتزايد الضغوط الصعودية بصورة أكبر.
ضغوط متبادلة
على الجانب السياسي، تسعى الإدارة الأميركية إلى إظهار أن الضغوط على إيران تتجاوز العمل العسكري إلى الجانب الاقتصادي. وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن ما وصفه بإفلاس إيران دخل «مرحلة التسارع».
في المقابل، أكد الحرس الثوري الإيراني أن تجدد القتال أدى إلى زيادة القيود على حركة العبور، ما يعكس التناقض الحاد بين الروايتين الأميركية والإيرانية بشأن السيطرة الفعلية على المنطقة.
وبالنسبة إلى المستثمرين، يبقى العنصر الأكثر أهمية هو حجم التأثير الفعلي على حركة السفن، وليس مجرد التصريحات السياسية. فاستمرار عبور ملايين البراميل يومياً قد يحد من الارتفاعات الحادة، بينما يؤدي أي تعطيل ملموس وطويل إلى مرحلة جديدة من إعادة التسعير.
سيناريوهات محتملة
يتوقف المسار المقبل للأسعار بدرجة كبيرة على مدة التصعيد ونطاقه. السيناريو الأقل خطورة يتمثل في استمرار المواجهة بصورة محدودة مع بقاء معظم الشحنات قادرة على الوصول إلى الأسواق، وهو ما قد يبقي علاوة المخاطر مرتفعة دون قفزات استثنائية.
أما السيناريو الأكثر تأثيراً فيتمثل في تراجع واضح ومستمر لحركة الناقلات أو تعرض منشآت إنتاج وتصدير لأضرار، ما سيدفع المشترين إلى البحث سريعاً عن مصادر بديلة ويرفع المنافسة على الإمدادات المتاحة خارج المنطقة.
وفي الاتجاه المقابل، فإن أي تهدئة سياسية أو انخفاض في وتيرة الهجمات قد يسحب جزءاً من علاوة المخاطر التي تراكمت خلال الأيام الأخيرة، خصوصاً إذا بقيت التدفقات الفعلية مستقرة.
الممر يحدد مسار الأسعار
تقف سوق الطاقة أمام مرحلة شديدة الحساسية، إذ أصبح اتجاه الأسعار مرتبطاً ليس فقط بحجم الإنتاج العالمي، وإنما أيضاً بقدرة أحد أهم طرق التجارة البحرية على العمل بصورة منتظمة وسط مواجهة عسكرية متجددة.
وعبور 17 مليون برميل في يوم واحد يقدم إشارة إلى استمرار التدفقات، لكن بقاء الهجمات والتهديدات يجعل احتمالات التعطل حاضرة بقوة في حسابات المستثمرين.
ومع تداول برنت قرب 95 دولاراً، وبقاء الخام الأميركي حول 90 دولاراً، وانخفاض المخزونات في الولايات المتحدة 2.6 مليون برميل، تجتمع عدة عوامل داعمة في وقت واحد، ما يجعل تطورات الملاحة والأمن الإقليمي العامل الأكثر تأثيراً في مسار الأسعار خلال المرحلة المقبلة.