130 مليون دينار تختبر تماسك بورصة الكويت
أنهت بورصة الكويت تعاملات جلسة أمس الثلاثاء على تباين في أداء مؤشراتها الرئيسية، إذ تراجع المؤشر العام والسوق الأول تحت وطأة عمليات جني أرباح محدودة طالت عدداً من الأسهم القيادية، في مقابل استمرار الزخم الشرائي على شريحة واسعة من الأسهم الصغيرة والمتوسطة، ما دفع مؤشري السوق الرئيسي و«رئيسي 50» إلى الإغلاق في المنطقة الخضراء.
وجاء التراجع المحدود للمؤشر العام بعد المكاسب التي حققها السوق في الجلسة السابقة، ليعكس ميلاً طبيعياً لدى بعض المستثمرين إلى تأمين الأرباح وإعادة ترتيب المراكز، من دون أن تظهر مؤشرات على موجة خروج واسعة من السوق، خصوصاً أن قيمة التداولات ارتفعت إلى 130.4 مليون دينار، مقارنة بنحو 121.8 مليوناً في جلسة الاثنين، بزيادة تقارب 7 %.
وانخفض المؤشر العام 16.25 نقطة، بما يعادل 0.18 %، ليغلق عند مستوى 8945.99 نقطة، وسط تداول 495.8 مليون سهم، عبر تنفيذ 31.914 ألف صفقة نقدية. ويكشف اقتراب كميات التداول من نصف مليار سهم، بالتزامن مع تجاوز السيولة مستوى 130 مليون دينار، عن بقاء شهية التداول عند مستويات مرتفعة، رغم ضغوط البيع التي تعرضت لها بعض الأسهم الكبيرة.
وجاء الضغط الرئيسي من مكونات السوق الأول، الذي انخفض 21.95 نقطة، أو 0.24 %، ليصل إلى 9295.95 نقطة، بعد تداول 149.1 مليون سهم، عبر 9071 صفقة بقيمة 55.3 مليون دينار. وفي المقابل، ارتفع مؤشر السوق الرئيسي 6.60 نقاط، أو 0.07 %، مسجلاً 9483.23 نقطة، من خلال تداول 346.7 مليون سهم بقيمة 75.1 مليون دينار.
كما واصل مؤشر «رئيسي 50» تفوقه، مرتفعاً 65.39 نقطة، بنسبة 0.58 %، ليغلق عند 11413.64 نقطة، بعد تداول 244.9 مليون سهم عبر 15.011 ألف صفقة، بقيمة بلغت 55 مليون دينار.
سيولة نشطة
وبالنظر إلى تفاصيل التداول، استحوذ السوق الرئيسي على نحو 57.6 % من إجمالي سيولة البورصة، مقابل 42.4 % للسوق الأول، وهي نسبة تؤكد استمرار تحول جزء مهم من السيولة نحو الأسهم المتوسطة والصغيرة، التي باتت تستقطب اهتمام المتداولين الباحثين عن فرص سعرية أسرع.
كما استحوذت أسهم السوق الرئيسي على نحو 70 % من إجمالي كميات الأسهم المتداولة، ما يفسر قدرة مؤشره على البقاء في المنطقة الخضراء رغم انخفاض المؤشر العام. ولم يعد النشاط محصوراً في عدد محدود من الأسهم القيادية، بل امتد إلى نطاق أوسع من الأسهم التي تشهد عمليات إعادة تقييم أو مضاربات مرتبطة بإعلانات الشركات وتغيرات الملكيات والتوقعات الخاصة بنتائج الربع الثالث.
وتصدرت أسهم «فيوتشر كيد» و«مشاعر» و«الساحل» و«ع عقارية» قائمة الشركات الأكثر ارتفاعاً، في إشارة إلى استمرار الحركة الانتقائية على الأسهم غير القيادية. وهذه الحركة لا تعني بالضرورة اتجاهاً صعودياً شاملاً، لكنها تؤكد أن السيولة ما زالت حاضرة وتتنقل بسرعة بين القطاعات والأسهم وفقاً للمحفزات الخاصة بكل شركة.
ويمكن قراءة تراجع جلسة الثلاثاء باعتباره عملية جني أرباح طبيعية عقب المكاسب الجماعية التي سجلتها مؤشرات البورصة في جلسة الاثنين، عندما ارتفع المؤشر العام 18.07 نقطة إلى 8962.24 نقطة، وصعد السوق الأول إلى 9317.90 نقطة، فيما حقق السوق الرئيسي مكاسب بنسبة 0.52 % وارتفع «رئيسي 50» بنسبة 0.90 %. وبلغت سيولة تلك الجلسة 121.8 مليون دينار، وفق بيانات إغلاق الاثنين المنشورة آنذاك. تفاصيل جلسة الاثنين.
وبذلك يكون المؤشر العام قد تخلى خلال جلسة الثلاثاء عن معظم مكاسب الاثنين، لكنه ظل أعلى بصورة طفيفة من إغلاق الأحد. أما السوق الرئيسي، فتمكن من إضافة مكاسب جديدة إلى ارتفاعاته السابقة، ليربح خلال جلستي الاثنين والثلاثاء نحو 56 نقطة، بينما ارتفع «رئيسي 50» خلال الجلستين بنحو 166 نقطة.
هذا التباين يعكس وجود مسارين داخل السوق؛ الأول يميل إلى الهدوء وجني الأرباح في الأسهم القيادية بعد تحركاتها السابقة، والثاني أكثر نشاطاً في أسهم السوق الرئيسي، التي تستفيد من السيولة الفردية والمضاربية ومن البحث عن فرص لم تستنفد بعد كامل حركتها السعرية.
الأسهم القيادية
ولا يعكس انخفاض السوق الأول ضعفاً أساسياً في مكوناته، إذ تبقى الأسهم القيادية، وفي مقدمتها أسهم البنوك والاتصالات والخدمات، الأكثر قدرة على جذب السيولة الاستثمارية المؤسسية والمتوسطة والطويلة الأجل. لكن هذه الأسهم تتأثر بصورة أكبر بتحركات المحافظ والصناديق وبعمليات إعادة وزن المراكز، لذلك قد تتعرض لضغوط مرحلية حتى في ظل بقاء المؤشرات الاقتصادية العامة داعمة.
كما أن ارتفاع قيمة تداولات السوق الأول إلى 55.3 مليون دينار، رغم انخفاض كمية الأسهم المتداولة مقارنة بالجلسة السابقة، يشير إلى تنفيذ صفقات على أسهم مرتفعة القيمة السعرية، وليس إلى عزوف شامل عن الشراء.
ففي جلسة الاثنين بلغت تداولات السوق الأول 157.5 مليون سهم بقيمة 53.6 مليون دينار، بينما سجلت جلسة الثلاثاء 149.1 مليون سهم بقيمة 55.3 مليوناً. أي إن كمـية التداول انخفضت بنحــو 5.3 %، في حين ارتفعت القيمة بأكثر من 3 %، وهو ما يرجح وجود نشاط نوعي على بعض الأسهم القيادية بالتوازي مع عمليات جني الأرباح.
قفزة «رئيسي 50»
في المقابل، كان مؤشر «رئيسي 50» أبرز الرابحين خلال الجلسة، بعدما ارتفعت قيمة تداولاته إلى 55 مليون دينار، مقابل 44.1 مليوناً في جلسة الاثنين، بزيادة تقترب من 25 %. كما ارتفعت كمية الأسهم المتداولة ضمن المؤشر من 220.1 مليون إلى 244.9 مليون سهم.
ويعزز هذا النمو في القيمة والكميات من قوة المكاسب التي حققها المؤشر، إذ جاء الارتفاع مصحوباً بسيولة حقيقية، وليس نتيجة تحركات محدودة على أسهم ضعيفة التداول. ويشير ذلك إلى أن شريحة الأسهم الأكبر والأكثر نشاطاً داخل السوق الرئيسي أصبحت نقطة جذب مهمة للسيولة، خصوصاً مع اتساع الفارق بين أسعار بعض هذه الأسهم وقممها السابقة.
لكن استمرار هذا المسار يتطلب تماسك الأسهم الرابحة وعدم دخولها في موجات تصحيح حادة، إلى جانب انتقال السيولة بين أكثر من مجموعة استثمارية وقطاع، حتى لا يصبح النشاط مركزاً في عدد محدود من الأوراق المالية.
نفط داعم وحذر جيوسياسي
وتزامنت جلسة البورصة مع ارتفاع سعر برميل النفط الكويتي 4.39 دولارات إلى 123.41 دولاراً، مقابل 119.02 دولاراً في تداولات الجمعة، فيما بلغ خام برنت 105.68 دولارات، وخام غرب تكساس الوسيط 101.39 دولار.
ويمثل صعود النفط عاملاً إيجابياً للاقتصاد الكويتي من حيث دعم الإيرادات العامة وتقليص الضغوط المرتبطة بالعجز المالي، كما يمنح المستثمرين قدراً أكبر من الثقة في قدرة الدولة على مواصلة الإنفاق على المشروعات التنموية والبنية التحتية.
ومع ذلك، فإن ارتفاع النفط الحالي يرتبط بدرجة كبيرة باتساع علاوة المخاطر الجيوسياسية واضطراب حركة الإمدادات والممرات البحرية، وليس فقط بنمو الطلب العالمي. ولذلك يتعامل المستثمرون مع هذه الأسعار بحذر؛ فالنفط المرتفع يدعم المالية العامة والشركات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي، لكن استمرار التوترات العسكرية قد يرفع تكاليف النقل والتأمين والاستيراد، ويضغط على الأسواق المالية الإقليمية.
ومن هنا، لم تتحول القفزة النفطية مباشرة إلى صعود جماعي للأسهم، بل قابلها المستثمرون بمزيج من الشراء الانتقائي والاحتفاظ بجزء من السيولة، تحسباً لأي تغير مفاجئ في المشهد السياسي أو أسعار الطاقة.
نتائج الشركات
وخلال المرحلة المقبلة، ستتحول أنظار المتعاملين تدريجياً إلى نتائج الشركات عن الربع الثالث والأشهر التسعة الأولى من العام، باعتبارها المحرك الأساسي التالي للأسعار. وستكون السوق أكثر حساسية لمعدلات نمو الأرباح، وجودة الإيرادات، والتوزيعات المتوقعة، وقدرة الشركات على المحافظة على هوامش الربحية في بيئة تتسم بارتفاع تكاليف التشغيل والتمويل.
ومن المتوقع أن تبقى أسهم البنوك في دائرة الاهتمام، نظراً إلى وزنها الكبير في المؤشر الأول وتأثير نتائجها في الاتجاه العام للسوق. كما قد تستمر التحركات النشطة على أسهم الخدمات المالية والعقار والصناعة والأسهم التشغيلية في السوق الرئيسي، خصوصاً الشركات التي تعلن عقوداً جديدة أو تخارجات أو تسويات تنعكس إيجاباً على بياناتها المالية.
لكن السوق قد يصبح أكثر انتقائية، بحيث لا تستفيد جميع الأسهم من ارتفاع السيولة بالدرجة نفسها. وسيكون التفريق ضرورياً بين الأسهم التي تستند إلى تحسن فعلي في الأرباح والتدفقات النقدية، وتلك التي ترتفع بفعل المضاربات قصيرة الأجل.
تماسك إيجابي
وبصورة عامة، لا يحمل انخفاض المؤشر العام بنسبة 0.18 % إشارة سلبية قوية، خصوصاً أنه جاء مصحوباً بارتفاع قيمة التداولات واستمرار صعود السوق الرئيسي و«رئيسي 50». والأقرب أن السوق يمر بمرحلة تدوير للسيولة بين الأسهم القيادية والمتوسطة، مع ميل المستثمرين إلى اقتناص الفرص وتأمين الأرباح سريعاً.
وتبقى التوقعات إيجابية بحذر، مدعومة بارتفاع أسعار النفط وقوة القطاع المصرفي واستمرار النشاط على الأسهم المتوسطة، في حين تتمثل أبرز عوامل المخاطرة في تطورات الأوضاع الجيوسياسية، وتقلب أسعار الطاقة، واتجاهات الأسواق العالمية.
وسيظل مستوى السيولة هو المؤشر الأهم خلال الجلسات المقبلة؛ فاستمرار التداولات فوق 100 مليون دينار يمنح السوق قدرة أكبر على امتصاص الضغوط البيعية، بينما يمثل تراجع السيولة بالتزامن مع انخفاض المؤشرات إشارة تستدعي قدراً أكبر من الحذر. وحتى الآن، تكشف جلسة الثلاثاء أن التراجع كان أقرب إلى التقاط الأنفاس منه إلى تغير جوهري في اتجاه السوق.