الأسواق العالمية بين فائض الإنتاج ومخاطر الأزمات
تتشابه العولمة الاقتصادية في كثير من جوانبها مع المرحلة المبكرة من الثورة الصناعية؛ إذ أسهم التوسع العالمي المدعوم بالمؤسسات المتقدمة تقنياً، والحوسبة، وشبكات الاتصالات الفضائية، في تسريع وتيرة التطور الاقتصادي. وأتاح هذا التقدم خفض تكاليف الإنتاج بصورة متواصلة، بما مكّن الأسواق من الاستجابة للطلب المتنامي والمتنوع. وفي المقابل، فرض اتساع نطاق العولمة تحدياً موازياً يتمثل في قدرة الاقتصادات والمجتمعات على استيعاب التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي امتدت آثارها إلى مختلف أنحاء العالم.
وتبرز الأزمة المالية الآسيوية عام 1998 مثالاً على التداعيات التي يمكن أن تترتب على التحولات الكبيرة في هيكل الاقتصاد العالمي. فقد ارتبط أحد أسبابها الرئيسية بالانخفاض السريع في أسعار السلع المصنعة عالمياً، نتيجة الارتفاع الكبير في الطاقة الإنتاجية الذي رافق توسع العولمة الاقتصادية. وأدى هذا التحسن الحاد في القدرات الإنتاجية إلى تراجع ملموس في الأسعار النسبية للسلع، ولا سيما المنتجات الصناعية، الأمر الذي انعكس مباشرة على أرباح الشركات والعوائد المحققة من الاستثمارات في القطاع الصناعي.
ومع تراجع العوائد، اتسعت الفجوة بين التوقعات الاستثمارية والنتائج الفعلية. فمشروعات صناعية كانت تراهن على عائد يصل إلى 25 %، باتت تحقق نحو 5 % فقط، فيما تعرضت مشروعات أخرى لخسائر مباشرة. ومع تصاعد الضغوط، تزايدت مخاوف المستثمرين في أسواق العقارات والأسهم الآسيوية وغيرها من القطاعات، ما دفعهم إلى سحب كميات ضخمة من رؤوس الأموال والتخلص من الأصول والسلع بأسعار منخفضة وفي وقت قصير، فتحولت الضغوط في عدد من الأسواق إلى أزمة امتدت تداعياتها إلى مناطق أوسع.
وتتقاطع هذه التطورات مع عدد من السمات التي طبعت «الكساد الكبير» في ثلاثينيات القرن الماضي. فقد رفعت الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر القدرة الإنتاجية إلى مستويات غير مسبوقة، ومع حلول ثلاثينيات القرن العشرين كانت آثارها قد ترسخت في الاقتصادات الرأسمالية الغربية الكبرى، وانعكست على الأسر والقطاعات الصناعية على حد سواء. وأدى اتساع الإنتاج إلى تراكم فوائض كبيرة من السلع الصناعية، حتى مع ارتفاع مستويات جودتها، إذ أصبح المعروض يفوق الطلب بفارق واسع، في ظاهرة لم تكن مألوفة خلال القرنين السابقين من مسيرة التطور الرأسمالي الغربي.
الاحتياطي الفيدرالي
وزادت صعوبة الوضع مع عدم تحرك مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي والمصارف الأوروبية الرئيسية في الوقت الملائم لإجراء التعديلات اللازمة ودعم النشاط الاقتصادي. وأسهم التأخر في التعامل مع الاختلالات القائمة في اتساع نطاق الأزمة، التي تجاوزت حدود الاقتصادات المتضررة وانتقلت آثارها إلى أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.
هل يمكن أن يتكرر «الكساد الكبير»؟
تشير المعطيات الحالية إلى أن تكرار «الكساد الكبير» بالمستوى الذي شهده العالم في ثلاثينيات القرن العشرين يبدو احتمالاً بعيداً للغاية، في ظل تغيرات جوهرية طرأت على آليات الرقابة المالية، وطبيعة الاقتصادات الكبرى، وقدرتها على احتواء الأزمات قبل اتساع نطاقها.
وتأتي قوة الأطر الرقابية والخبرة المتراكمة في التعامل مع الأزمات المالية في مقدمة العوامل التي تقلل احتمالات تكرار ذلك السيناريو. فقد أصبحت المؤسسات والأفراد أكثر إدراكاً لطبيعة المخاطر المالية وآليات انتقالها، فيما تطورت أدوات الإشراف والرقابة على المصارف والأسواق بصورة كبيرة مقارنة بما كانت عليه في الماضي.
ويؤدي النظام المالي وظيفتين رئيسيتين تتمثلان في استقبال المدخرات وتوفير التمويل للمشروعات. وبينما يمكن للمودعين المطالبة بأموالهم في أوقات مختلفة، تحتاج المشروعات إلى التمويل والوفاء بالتزاماتها وفق جداول زمنية محددة. ومن هنا تتمثل مهمة النظام المالي في إدارة هذا الاختلاف بين آجال الودائع والتمويل، وتوجيه الأموال إلى القطاعات والمناطق والمشروعات التي تحتاج إليها في التوقيت المناسب.
ولا يخلو هذا النظام بطبيعة الحال من الأخطاء أو التعثرات، وقد يواجه مصرف منفرد أزمة في مرحلة ما. إلا أن اتساع الاستثمارات الدولية للبلدان الغربية جعل الاقتصادات الكبرى أكثر ارتباطاً بما يحدث في الأسواق الخارجية، بحيث يمكن لأي اضطراب مالي في إحدى المناطق أن يمتد أثره إلى اقتصادات أخرى، وفي مقدمتها الاقتصاد الأميركي. ولذلك أصبحت الأزمات التي تصيب المؤسسات والأسواق المالية جزءاً من منظومة المخاطر الاقتصادية التي يتعين التعامل معها بصورة مستمرة.
ادارة الرقابة والمخاطر
وفي المقابل، تطورت أدوات الرقابة وإدارة المخاطر بشكل واضح، إذ لم تعد الحكومات والجهات النقدية والمؤسسات الدولية تنتظر وصول النظام المالي إلى حافة الأزمة قبل التدخل، بل أصبحت المتابعة أكثر استمرارية، إلى جانب إخضاع المصارف لمجموعة واسعة من الضوابط والإجراءات الاحترازية. كما ساعدت الخبرة المتراكمة لدى الاقتصادات الغربية في التعامل مع المشكلات التي تواجه المؤسسات المالية منفردة قبل أن تتحول إلى أزمات واسعة، ما يقلل الحاجة إلى مواجهة عدد كبير من الاختلالات في الوقت نفسه ويحد بدرجة كبيرة من احتمال انتقال المشكلات الفردية إلى أزمة منهجية.
ويبرز تغير هيكل الاقتصاد الأميركي كعامل آخر يقلل من فرص تكرار سيناريو الثلاثينيات. فقد انتقل جزء من الصناعات التحويلية الأميركية إلى خارج البلاد، بينما أصبح الاقتصاد يعتمد بدرجة أكبر على الصناعات المتقدمة، والبنية التحتية، والخدمات ذات القيمة المضافة المرتفعة، إلى جانب قطاعات صناعية متخصصة ومرتفعة الربحية، مثل صناعة الطائرات والأسلحة.
وبالتالي، فإن التراجع في الأسعار النسبية للسلع الصناعية عالمياً لم يعد يحمل للاقتصاد الأميركي التأثير نفسه الذي كان يمكن أن يحدثه في اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التصنيع التقليدي. وحتى مع تعرض الأسواق المالية لتقلبات حادة، فإن ضخامة السوق الأميركية وعمقها يقللان من تأثير تحركات الأسهم على الاقتصاد ككل، ولا سيما على المسار طويل الأجل للشركات.
ويقدم انهيار سوق الأسهم الأميركية عام 1987 مثالاً على قدرة الاقتصاد على تجاوز صدمة مالية كبيرة دون أن تتحول إلى انهيار اقتصادي شامل. فقد أظهر تطور الشركات والاقتصاد الأميركي بعد تلك الأزمة أن النظام المالي الأكثر نضجاً قادر على توزيع المخاطر والخسائر بسرعة أكبر، مع الحفاظ في الوقت نفسه على بيئة تمويل تساعد الشركات القادرة على مواصلة نشاطها.
أما أوروبا، فتختلف طبيعتها الاقتصادية والسياسية عن نموذج الدولة الموحدة؛ فهي تضم دولاً مستقلة ذات أنظمة وسياسات اقتصادية متباينة، رغم وجود العملة الأوروبية الموحدة. وقد أدى إطلاق اليورو إلى تقليص مخاطر تقلبات أسعار الصرف بين الدول المشاركة، لكنه جعل تنسيق السياسات الاقتصادية أكثر تعقيداً، نظراً إلى اختلاف الظروف الاقتصادية لكل دولة.
كما أن طول الفترة التي سبقت إطلاق العملة الأوروبية أتاح للدول والأسواق وقتاً أطول للاستعداد والتكيف مع التغيير، ما ساعد على الحد من الاضطرابات المحتملة. وحتى في أسوأ السيناريوهات، يمكن أن تتركز المشكلات في عدد محدود من الدول بدلاً من انتقالها بالضرورة إلى القارة بأكملها.
ويعود ذلك أيضاً إلى التباين الكبير في النماذج الاقتصادية الأوروبية؛ فهناك اقتصادات تميل إلى تحرير الأسواق بدرجة أكبر، وأخرى تمنح الحكومة دوراً أوسع في النشاط الاقتصادي، فيما تتبنى دول أخرى نموذجاً محافظاً يقوم على شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن اختلاف الهياكل والسياسات يجعل من الصعب افتراض تعرض الاقتصادات الأوروبية كافة للمشكلة نفسها وفي التوقيت ذاته، وهو ما يقلل احتمالات تحول أزمة محدودة إلى انهيار شامل على غرار «الكساد الكبير».
مزيد من الانفتاح لدعم
الاندماج الاقتصادي
تواجه الصين تحدياً مهماً في مسار اندماجها في الاقتصاد العالمي، إذ يفرض الانفتاح على الأسواق الدولية مستويات متزايدة من المنافسة، في وقت باتت فيه الشركات متعددة الجنسيات قادرة على توظيف مزايا الإنتاج والموارد المتاحة في مختلف مناطق العالم ضمن منظومة واحدة. وفي ظل هذه البيئة، لم يعد الاعتماد على العمالة منخفضة التكلفة كافياً لبناء قدرة تنافسية مستدامة، كما أن هذه الميزة لم تعد حكراً على السوق الصينية.
ومن ثم، تحتاج الصين إلى توسيع نطاق الانفتاح بصورة أكثر شمولاً وتوازناً، بالتوازي مع رفع قدرتها التنافسية عبر مختلف القطاعات، والاستفادة من الإمكانات التي تمتلكها في سوقها المحلية وفي بنيتها الاقتصادية.
وتبرز ميزتان رئيسيتان يمكن أن تشكلا قاعدة مهمة أمام هذا المسار. تتمثل الأولى في ضخامة قاعدة العمالة منخفضة التكلفة واتساع السوق الاستهلاكية. فاستمرار توافر العمالة بتكاليف تنافسية يمنح المنتجات المصنوعة في الصين قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق الخارجية، بينما يمكن لتحسن دخول هذه الفئات أن يحول قاعدة العمالة نفسها إلى قوة استهلاكية ضخمة.
ومع ارتفاع مستويات الدخل، تصبح السوق المحلية أكثر نضجاً واتساعاً، بما يتيح استيعاب نطاق واسع من المنتجات، بدءاً من السلع الأعلى جودة وصولاً إلى المنتجات الأقل تكلفة. وتكمن المسألة الأساسية في قدرة الصين على تحويل هذه الإمكانات إلى قوة اقتصادية فعلية، من خلال توسيع قاعدة المستهلكين والاستفادة من تنوع احتياجاتهم.
أما الميزة الثانية فتتمثل في الاستثمارات الكبيرة التي جرى ضخها في البنية التحتية، والتي يمكن أن تحافظ على عوائد مرتفعة إذا ارتبطت بتطور القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة العالية.
وعلى خلاف الاقتصادات التي ركزت بدرجة كبيرة على الاستثمار الصناعي، تتميز البنية التحتية بامتداد عمرها الاقتصادي لفترات أطول، ما يتيح توزيع عوائدها على مدى زمني أوسع. وفي المقابل، يتسم التصنيع بمعدلات اهتلاك مرتفعة، ما يعني أن الاستثمارات الصناعية تحتاج إلى تحقيق العوائد المتوقعة خلال فترة محددة قبل أن تتراجع قيمتها الاقتصادية.
البنى التحتية
وخلال نحو عقدين من الإصلاح، ركزت الصين بصورة واسعة على تطوير شبكات النقل والاتصالات والبنية الأساسية. وإذا نجحت في توجيه هذه القاعدة نحو دعم قطاعات التصنيع والخدمات وغيرها من الأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة، فإن استثماراتها في البنية التحتية يمكن أن تستمر في تحقيق عوائد قوية، لتتحول بذلك إلى ركيزة إضافية في مسار اندماجها في الاقتصاد العالمي.
غير أن الاستفادة من هاتين الميزتين تتطلب بناء منظومة اقتصادية أكثر قدرة على المنافسة، تبدأ بتطوير منتجات وخدمات ومؤسسات مالية بمستويات عالمية. وفي هذا السياق، تبرز الأنظمة المصرفية، وأسواق رأس المال، وأطر التجارة الخارجية باعتبارها من أبرز المجالات التي يمكن أن تحد من قدرة الاقتصاد على الاستفادة الكاملة من إمكاناته.
ومع استمرار التطور الاقتصادي واتساع ارتباط الصين بالأسواق الدولية، سيصبح الانفتاح في هذه المجالات أكثر إلحاحاً، ليس فقط لدعم تدفق رؤوس الأموال والتجارة، وإنما أيضاً لرفع كفاءة تخصيص الموارد وتطوير قدرة الشركات والمؤسسات المالية على المنافسة في الأسواق الدولية.