تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬بين‭ ‬فائض‭ ‬الإنتاج‭ ‬ومخاطر‭ ‬الأزمات

QSD…1334

تتشابه‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬جوانبها‭ ‬مع‭ ‬المرحلة‭ ‬المبكرة‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية؛‭ ‬إذ‭ ‬أسهم‭ ‬التوسع‭ ‬العالمي‭ ‬المدعوم‭ ‬بالمؤسسات‭ ‬المتقدمة‭ ‬تقنياً،‭ ‬والحوسبة،‭ ‬وشبكات‭ ‬الاتصالات‭ ‬الفضائية،‭ ‬في‭ ‬تسريع‭ ‬وتيرة‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وأتاح‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬خفض‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬بصورة‭ ‬متواصلة،‭ ‬بما‭ ‬مكّن‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬الاستجابة‭ ‬للطلب‭ ‬المتنامي‭ ‬والمتنوع‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فرض‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬العولمة‭ ‬تحدياً‭ ‬موازياً‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬والمجتمعات‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬المتسارعة‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬
وتبرز‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬التداعيات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تترتب‭ ‬على‭ ‬التحولات‭ ‬الكبيرة‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭. ‬فقد‭ ‬ارتبط‭ ‬أحد‭ ‬أسبابها‭ ‬الرئيسية‭ ‬بالانخفاض‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬المصنعة‭ ‬عالمياً،‭ ‬نتيجة‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الذي‭ ‬رافق‭ ‬توسع‭ ‬العولمة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬وأدى‭ ‬هذا‭ ‬التحسن‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬ملموس‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬النسبية‭ ‬للسلع،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬المنتجات‭ ‬الصناعية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬انعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أرباح‭ ‬الشركات‭ ‬والعوائد‭ ‬المحققة‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭.‬
ومع‭ ‬تراجع‭ ‬العوائد،‭ ‬اتسعت‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬التوقعات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬والنتائج‭ ‬الفعلية‭. ‬فمشروعات‭ ‬صناعية‭ ‬كانت‭ ‬تراهن‭ ‬على‭ ‬عائد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬25‭ %‬،‭ ‬باتت‭ ‬تحقق‭ ‬نحو‭ ‬5‭ % ‬فقط،‭ ‬فيما‭ ‬تعرضت‭ ‬مشروعات‭ ‬أخرى‭ ‬لخسائر‭ ‬مباشرة‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬الضغوط،‭ ‬تزايدت‭ ‬مخاوف‭ ‬المستثمرين‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬العقارات‭ ‬والأسهم‭ ‬الآسيوية‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬القطاعات،‭ ‬ما‭ ‬دفعهم‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬كميات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والتخلص‭ ‬من‭ ‬الأصول‭ ‬والسلع‭ ‬بأسعار‭ ‬منخفضة‭ ‬وفي‭ ‬وقت‭ ‬قصير،‭ ‬فتحولت‭ ‬الضغوط‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬امتدت‭ ‬تداعياتها‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬أوسع‭.‬
وتتقاطع‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬السمات‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬‮«‬الكساد‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭. ‬فقد‭ ‬رفعت‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬خلال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬القدرة‭ ‬الإنتاجية‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬ومع‭ ‬حلول‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬كانت‭ ‬آثارها‭ ‬قد‭ ‬ترسخت‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الغربية‭ ‬الكبرى،‭ ‬وانعكست‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬والقطاعات‭ ‬الصناعية‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬وأدى‭ ‬اتساع‭ ‬الإنتاج‭ ‬إلى‭ ‬تراكم‭ ‬فوائض‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الصناعية،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬جودتها،‭ ‬إذ‭ ‬أصبح‭ ‬المعروض‭ ‬يفوق‭ ‬الطلب‭ ‬بفارق‭ ‬واسع،‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مألوفة‭ ‬خلال‭ ‬القرنين‭ ‬السابقين‭ ‬من‭ ‬مسيرة‭ ‬التطور‭ ‬الرأسمالي‭ ‬الغربي‭.‬
الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي

وزادت‭ ‬صعوبة‭ ‬الوضع‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬تحرك‭ ‬مجلس‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الفيدرالي‭ ‬الأميركي‭ ‬والمصارف‭ ‬الأوروبية‭ ‬الرئيسية‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الملائم‭ ‬لإجراء‭ ‬التعديلات‭ ‬اللازمة‭ ‬ودعم‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭. ‬وأسهم‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاختلالات‭ ‬القائمة‭ ‬في‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬الأزمة،‭ ‬التي‭ ‬تجاوزت‭ ‬حدود‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتضررة‭ ‬وانتقلت‭ ‬آثارها‭ ‬إلى‭ ‬أجزاء‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬

هل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتكرر‭ ‬‮«‬الكساد‭ ‬الكبير»؟

تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تكرار‭ ‬‮«‬الكساد‭ ‬الكبير‮»‬‭ ‬بالمستوى‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬يبدو‭ ‬احتمالاً‭ ‬بعيداً‭ ‬للغاية،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تغيرات‭ ‬جوهرية‭ ‬طرأت‭ ‬على‭ ‬آليات‭ ‬الرقابة‭ ‬المالية،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمات‭ ‬قبل‭ ‬اتساع‭ ‬نطاقها‭.‬
وتأتي‭ ‬قوة‭ ‬الأطر‭ ‬الرقابية‭ ‬والخبرة‭ ‬المتراكمة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تقلل‭ ‬احتمالات‭ ‬تكرار‭ ‬ذلك‭ ‬السيناريو‭. ‬فقد‭ ‬أصبحت‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأفراد‭ ‬أكثر‭ ‬إدراكاً‭ ‬لطبيعة‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬وآليات‭ ‬انتقالها،‭ ‬فيما‭ ‬تطورت‭ ‬أدوات‭ ‬الإشراف‭ ‬والرقابة‭ ‬على‭ ‬المصارف‭ ‬والأسواق‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬
ويؤدي‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬وظيفتين‭ ‬رئيسيتين‭ ‬تتمثلان‭ ‬في‭ ‬استقبال‭ ‬المدخرات‭ ‬وتوفير‭ ‬التمويل‭ ‬للمشروعات‭. ‬وبينما‭ ‬يمكن‭ ‬للمودعين‭ ‬المطالبة‭ ‬بأموالهم‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬مختلفة،‭ ‬تحتاج‭ ‬المشروعات‭ ‬إلى‭ ‬التمويل‭ ‬والوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬وفق‭ ‬جداول‭ ‬زمنية‭ ‬محددة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتمثل‭ ‬مهمة‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬هذا‭ ‬الاختلاف‭ ‬بين‭ ‬آجال‭ ‬الودائع‭ ‬والتمويل،‭ ‬وتوجيه‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬القطاعات‭ ‬والمناطق‭ ‬والمشروعات‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬التوقيت‭ ‬المناسب‭.‬
ولا‭ ‬يخلو‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬بطبيعة‭ ‬الحال‭ ‬من‭ ‬الأخطاء‭ ‬أو‭ ‬التعثرات،‭ ‬وقد‭ ‬يواجه‭ ‬مصرف‭ ‬منفرد‭ ‬أزمة‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الدولية‭ ‬للبلدان‭ ‬الغربية‭ ‬جعل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬بحيث‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬اضطراب‭ ‬مالي‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المناطق‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬أثره‭ ‬إلى‭ ‬اقتصادات‭ ‬أخرى،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭. ‬ولذلك‭ ‬أصبحت‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تصيب‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬المخاطر‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬يتعين‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭.‬

ادارة‭ ‬الرقابة‭ ‬والمخاطر

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تطورت‭ ‬أدوات‭ ‬الرقابة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بشكل‭ ‬واضح،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحكومات‭ ‬والجهات‭ ‬النقدية‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬تنتظر‭ ‬وصول‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬إلى‭ ‬حافة‭ ‬الأزمة‭ ‬قبل‭ ‬التدخل،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬المتابعة‭ ‬أكثر‭ ‬استمرارية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إخضاع‭ ‬المصارف‭ ‬لمجموعة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الضوابط‭ ‬والإجراءات‭ ‬الاحترازية‭. ‬كما‭ ‬ساعدت‭ ‬الخبرة‭ ‬المتراكمة‭ ‬لدى‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬منفردة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬واسعة،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الاختلالات‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬ويحد‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬احتمال‭ ‬انتقال‭ ‬المشكلات‭ ‬الفردية‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬منهجية‭.‬
ويبرز‭ ‬تغير‭ ‬هيكل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬كعامل‭ ‬آخر‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬تكرار‭ ‬سيناريو‭ ‬الثلاثينيات‭. ‬فقد‭ ‬انتقل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬الأميركية‭ ‬إلى‭ ‬خارج‭ ‬البلاد،‭ ‬بينما‭ ‬أصبح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬المتقدمة،‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والخدمات‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬المرتفعة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬قطاعات‭ ‬صناعية‭ ‬متخصصة‭ ‬ومرتفعة‭ ‬الربحية،‭ ‬مثل‭ ‬صناعة‭ ‬الطائرات‭ ‬والأسلحة‭.‬
وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬التراجع‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬النسبية‭ ‬للسلع‭ ‬الصناعية‭ ‬عالمياً‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يحمل‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬التأثير‭ ‬نفسه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحدثه‭ ‬في‭ ‬اقتصاد‭ ‬يعتمد‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التصنيع‭ ‬التقليدي‭. ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬تعرض‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬لتقلبات‭ ‬حادة،‭ ‬فإن‭ ‬ضخامة‭ ‬السوق‭ ‬الأميركية‭ ‬وعمقها‭ ‬يقللان‭ ‬من‭ ‬تأثير‭ ‬تحركات‭ ‬الأسهم‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬للشركات‭.‬
ويقدم‭ ‬انهيار‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم‭ ‬الأميركية‭ ‬عام‭ ‬1987‭ ‬مثالاً‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬صدمة‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬شامل‭. ‬فقد‭ ‬أظهر‭ ‬تطور‭ ‬الشركات‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الأميركي‭ ‬بعد‭ ‬تلك‭ ‬الأزمة‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬توزيع‭ ‬المخاطر‭ ‬والخسائر‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬بيئة‭ ‬تمويل‭ ‬تساعد‭ ‬الشركات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬نشاطها‭.‬
أما‭ ‬أوروبا،‭ ‬فتختلف‭ ‬طبيعتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬الدولة‭ ‬الموحدة؛‭ ‬فهي‭ ‬تضم‭ ‬دولاً‭ ‬مستقلة‭ ‬ذات‭ ‬أنظمة‭ ‬وسياسات‭ ‬اقتصادية‭ ‬متباينة،‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬العملة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الموحدة‭. ‬وقد‭ ‬أدى‭ ‬إطلاق‭ ‬اليورو‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬مخاطر‭ ‬تقلبات‭ ‬أسعار‭ ‬الصرف‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المشاركة،‭ ‬لكنه‭ ‬جعل‭ ‬تنسيق‭ ‬السياسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً،‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬اختلاف‭ ‬الظروف‭ ‬الاقتصادية‭ ‬لكل‭ ‬دولة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬طول‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬إطلاق‭ ‬العملة‭ ‬الأوروبية‭ ‬أتاح‭ ‬للدول‭ ‬والأسواق‭ ‬وقتاً‭ ‬أطول‭ ‬للاستعداد‭ ‬والتكيف‭ ‬مع‭ ‬التغيير،‭ ‬ما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬المحتملة‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬أسوأ‭ ‬السيناريوهات،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتركز‭ ‬المشكلات‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬محدود‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬انتقالها‭ ‬بالضرورة‭ ‬إلى‭ ‬القارة‭ ‬بأكملها‭.‬
ويعود‭ ‬ذلك‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬التباين‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬النماذج‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأوروبية؛‭ ‬فهناك‭ ‬اقتصادات‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬تحرير‭ ‬الأسواق‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر،‭ ‬وأخرى‭ ‬تمنح‭ ‬الحكومة‭ ‬دوراً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فيما‭ ‬تتبنى‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬نموذجاً‭ ‬محافظاً‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬اختلاف‭ ‬الهياكل‭ ‬والسياسات‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬افتراض‭ ‬تعرض‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأوروبية‭ ‬كافة‭ ‬للمشكلة‭ ‬نفسها‭ ‬وفي‭ ‬التوقيت‭ ‬ذاته،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬احتمالات‭ ‬تحول‭ ‬أزمة‭ ‬محدودة‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬شامل‭ ‬على‭ ‬غرار‭ ‬‮«‬الكساد‭ ‬الكبير‮»‬‭.‬

مزيد‭ ‬من‭ ‬الانفتاح‭ ‬لدعم
‭ ‬الاندماج‭ ‬الاقتصادي

تواجه‭ ‬الصين‭ ‬تحدياً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬اندماجها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬إذ‭ ‬يفرض‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭ ‬مستويات‭ ‬متزايدة‭ ‬من‭ ‬المنافسة،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬باتت‭ ‬فيه‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬مزايا‭ ‬الإنتاج‭ ‬والموارد‭ ‬المتاحة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭. ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬العمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬كافياً‭ ‬لبناء‭ ‬قدرة‭ ‬تنافسية‭ ‬مستدامة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الميزة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬السوق‭ ‬الصينية‭.‬
ومن‭ ‬ثم،‭ ‬تحتاج‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الانفتاح‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬وتوازناً،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬رفع‭ ‬قدرتها‭ ‬التنافسية‭ ‬عبر‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الإمكانات‭ ‬التي‭ ‬تمتلكها‭ ‬في‭ ‬سوقها‭ ‬المحلية‭ ‬وفي‭ ‬بنيتها‭ ‬الاقتصادية‭.‬
وتبرز‭ ‬ميزتان‭ ‬رئيسيتان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تشكلا‭ ‬قاعدة‭ ‬مهمة‭ ‬أمام‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭. ‬تتمثل‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬ضخامة‭ ‬قاعدة‭ ‬العمالة‭ ‬منخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬واتساع‭ ‬السوق‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬فاستمرار‭ ‬توافر‭ ‬العمالة‭ ‬بتكاليف‭ ‬تنافسية‭ ‬يمنح‭ ‬المنتجات‭ ‬المصنوعة‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية،‭ ‬بينما‭ ‬يمكن‭ ‬لتحسن‭ ‬دخول‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬أن‭ ‬يحول‭ ‬قاعدة‭ ‬العمالة‭ ‬نفسها‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬استهلاكية‭ ‬ضخمة‭.‬
ومع‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬تصبح‭ ‬السوق‭ ‬المحلية‭ ‬أكثر‭ ‬نضجاً‭ ‬واتساعاً،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬استيعاب‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المنتجات،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأعلى‭ ‬جودة‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬المنتجات‭ ‬الأقل‭ ‬تكلفة‭. ‬وتكمن‭ ‬المسألة‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الصين‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الإمكانات‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬اقتصادية‭ ‬فعلية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬المستهلكين‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬تنوع‭ ‬احتياجاتهم‭.‬
أما‭ ‬الميزة‭ ‬الثانية‭ ‬فتتمثل‭ ‬في‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬ضخها‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والتي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬عوائد‭ ‬مرتفعة‭ ‬إذا‭ ‬ارتبطت‭ ‬بتطور‭ ‬القطاعات‭ ‬المنتجة‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬العالية‭.‬
وعلى‭ ‬خلاف‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬ركزت‭ ‬بدرجة‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬الصناعي،‭ ‬تتميز‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬بامتداد‭ ‬عمرها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لفترات‭ ‬أطول،‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬توزيع‭ ‬عوائدها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬زمني‭ ‬أوسع‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يتسم‭ ‬التصنيع‭ ‬بمعدلات‭ ‬اهتلاك‭ ‬مرتفعة،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الصناعية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬العوائد‭ ‬المتوقعة‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬محددة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬قيمتها‭ ‬الاقتصادية‭.‬

البنى‭ ‬التحتية

وخلال‭ ‬نحو‭ ‬عقدين‭ ‬من‭ ‬الإصلاح،‭ ‬ركزت‭ ‬الصين‭ ‬بصورة‭ ‬واسعة‭ ‬على‭ ‬تطوير‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والاتصالات‭ ‬والبنية‭ ‬الأساسية‭. ‬وإذا‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬نحو‭ ‬دعم‭ ‬قطاعات‭ ‬التصنيع‭ ‬والخدمات‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الأنشطة‭ ‬ذات‭ ‬القيمة‭ ‬المضافة‭ ‬المرتفعة،‭ ‬فإن‭ ‬استثماراتها‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬عوائد‭ ‬قوية،‭ ‬لتتحول‭ ‬بذلك‭ ‬إلى‭ ‬ركيزة‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬اندماجها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هاتين‭ ‬الميزتين‭ ‬تتطلب‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬اقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة،‭ ‬تبدأ‭ ‬بتطوير‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬ومؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬بمستويات‭ ‬عالمية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬الأنظمة‭ ‬المصرفية،‭ ‬وأسواق‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬وأطر‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬باعتبارها‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬المجالات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬الاستفادة‭ ‬الكاملة‭ ‬من‭ ‬إمكاناته‭.‬
ومع‭ ‬استمرار‭ ‬التطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬واتساع‭ ‬ارتباط‭ ‬الصين‭ ‬بالأسواق‭ ‬الدولية،‭ ‬سيصبح‭ ‬الانفتاح‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجالات‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحاً،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لدعم‭ ‬تدفق‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬والتجارة،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬لرفع‭ ‬كفاءة‭ ‬تخصيص‭ ‬الموارد‭ ‬وتطوير‭ ‬قدرة‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الدولية‭.‬

رجوع لأعلى