النفط فوق 107 دولارات وصدمة الإمدادات تتسع
ارتفعت أسعار النفط مجدداً، لتدخل السوق العالمية مرحلة أكثر حساسية، مع تزايد المخاوف من أن تتحول الاضطرابات التي أصابت البنية التحتية ومسارات التصدير في الشرق الأوسط من صدمة مؤقتة إلى أزمة إمدادات ممتدة، في وقت لا تزال فيه الأسواق تفتقر إلى رؤية واضحة بشأن موعد استعادة التدفقات الطبيعية.
وتجاوز خام «برنت» مستوى 107 دولارات للبرميل، مقترباً من المستويات المرتفعة التي سجلها خلال الجلسات الأخيرة، بعدما لامس أقل بقليل من 110 دولارات، وهو أعلى مستوى منذ مايو، بينما اقترب خام «غرب تكساس الوسيط» الأميركي من 103 دولارات للبرميل. وأظهرت تعاملات الثلاثاء صعود «برنت» بأكثر من 1 % إلى نحو 107.35 دولارات، مع استمرار المستثمرين في إضافة علاوة مخاطر جيوسياسية إلى الأسعار.
شريان استراتيجي
ويتركز القلق هذه المرة حول خط أنابيب «شرق – غرب» السعودي، أحد أهم شرايين نقل الخام في المنطقة، بعدما تعرض لهجمات في منطقتي الرياض والمدينة المنورة في 10 سبتمبر، ما دفع السلطات السعودية إلى إيقافه احترازياً، بينما باشرت الفرق الفنية المتخصصة تأمين المنشآت وتقييم سلامة الخط والأضرار التي لحقت به. وأكدت وزارة الطاقة السعودية أن أي تطورات جديدة ستعلن فور توافرها.
ولا تكمن أهمية الخط في حجمه فقط، وإنما في وظيفته الاستراتيجية، إذ يمتد لمسافة تقارب 1200 كيلومتر عبر السعودية، ويربط مناطق إنتاج النفط في شرق المملكة بميناء ينبع على البحر الأحمر، ما يسمح بتصدير الخام بعيداً عن مضيق هرمز.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن الخط كان ينقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، وهي كميات توازي ما يصل إلى نحو 4 % من إمدادات النفط العالمية، ما يفسر سرعة استجابة الأسعار لأي أنباء تتعلق بموعد عودته.
بديل هرمز
المفارقة التي تزيد حساسية السوق أن «شرق – غرب» تحول خلال الأزمة إلى أحد أهم البدائل السعودية لمضيق هرمز، بعدما تباطأت حركة ناقلات النفط عبر الممر البحري الحيوي بصورة حادة.
وكانت المملكة قد رفعت الاعتماد على المسار المتجه إلى البحر الأحمر، ووصلت صادرات الخام عبره في مراحل سابقة إلى أكثر من 5 ملايين برميل يومياً، وفق بيانات نقلتها وكالة «أسوشيتد برس» عن وكالة الطاقة الدولية. ولذلك فإن توقف الخط يعيد جزءاً من الضغوط مباشرة إلى هرمز في توقيت لا تزال فيه حركة الملاحة عبر المضيق بعيدة عن مستوياتها الطبيعية.
وتحاول الرياض زيادة الشحنات عبر الممر المائي للتعويض عن تعطل المسار البري، إلا أن قدرة هذه الخطوة على تعويض الكميات بالكامل تبقى مرتبطة بسلامة حركة الناقلات والتطورات العسكرية والأمنية في المنطقة.
عودة قريبة
ورغم المخاوف، قدمت واشنطن إشارة أكثر تفاؤلاً بشأن مدة التعطل، إذ توقع وزير الطاقة الأميركي كريس رايت عودة خط الأنابيب إلى العمل «قريباً»، مشيراً إلى إجراء تقييم دقيق للأضرار وللأعمال المطلوبة لاستعادة التشغيل.
لكن الأسواق لا تزال تتعامل بحذر مع التوقعات، خصوصاً أن السعودية لم تعلن حتى الآن جدولاً زمنياً رسمياً لاستئناف التشغيل الكامل.
ويعني ذلك أن كل يوم إضافي من التوقف قد يزيد أهمية المخزونات المتاحة في ينبع ويضغط على مرونة منظومة التصدير، في وقت تشير تقديرات إلى أن المملكة كانت تمرر عبر الخط ملايين البراميل يومياً بعد تصاعد الاضطرابات في هرمز. ولهذا لم تعد المسألة مرتبطة فقط بكمية النفط المنتجة، بل بقدرة المنتجين على إيصال الخام فعلياً إلى المشترين.
شح فعلي
وتظهر إشارات الشح بوضوح في منحنى العقود الآجلة. فقد اتسع الفارق بين أقرب عقدين لخام «برنت» إلى نحو 5.11 دولارات للبرميل في حالة «باكورديشن»، بعدما كان أقل من دولارين قبل نحو شهر.
ويحدث «الباكورديشن» عندما تكون أسعار التسليم القريب أعلى من العقود الأبعد أجلاً، وهو هيكل يعكس عادة استعداد المشترين لدفع علاوة للحصول على البراميل فوراً بدلاً من انتظار الإمدادات المستقبلية.
وهذه الإشارة مهمة لأنها تكشف أن القلق لم يعد جيوسياسياً مجرداً، بل بدأ ينعكس على التسعير الفعلي للبراميل المتاحة. وتؤكد ريبيكا بابين، كبيرة متداولي الطاقة لدى «CIBC Private Wealth Group»، أن السوق أصبحت عالقة بين واقع مادي يشير إلى فقدان الإمدادات وخطاب سياسي يترك الباب مفتوحاً أمام خفض التصعيد، لكن البراميل والبنية التحتية ستظل في النهاية صاحبة الوزن الأكبر في تحديد الأسعار.
علاوة الحرب
وتأتي أزمة خط الأنابيب بعد عام استثنائي للطاقة، إذ ارتفع «برنت» بنحو 76 % منذ بداية 2026، بالتزامن مع اتساع نطاق الحرب بين الولايات المتحدة وإيران واضطراب حركة الشحن في هرمز وإغلاق منشآت وحقول، لتتحول المخاطر الجيوسياسية إلى عنصر شبه دائم في تسعير الخام.
ويزيد الوضع في اليمن من تعقيد المشهد. فقد أطلق الحوثيون المدعومون من إيران صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه أهداف في السعودية، بينما أدت تطورات عسكرية أخرى قرب باب المندب إلى زيادة القلق بشأن أمن البحر الأحمر، بما يضع اثنين من أهم ممرات تجارة الطاقة العالمية، هرمز وباب المندب، في قلب التوتر في الوقت نفسه.
دبلوماسية متعثرة
وفي مقابل الضغوط الميدانية، لا تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة إلى اختراق دبلوماسي قادر على سحب علاوة الحرب سريعاً من الأسعار.
وقالت طهران إنه لن تكون هناك محادثات مع واشنطن قبل تلبية شروطها، بينما تحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إمكانية تحقيق تقدم، معتبراً أن إيران تريد الوصول إلى اتفاق سريع.
لكن التطورات الإقليمية الأخيرة أضعفت زخم التهدئة، إذ تأجلت محادثات خليجية – إيرانية كانت تستهدف مناقشة ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، بالتزامن مع تصاعد التوتر المرتبط باليمن والهجمات على البنية التحتية السعودية.
وبالنسبة إلى سوق النفط، فإن استمرار الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يعني بقاء الأسعار شديدة الحساسية للأخبار، بحيث تستطيع ضربة جديدة أو تعطل منشأة أو ناقلة تغيير اتجاه التداولات خلال ساعات.
اختبار 120 دولاراً
السؤال الذي ينتقل الآن إلى مقدمة حسابات المستثمرين ليس ما إذا كانت الأسعار ستظل فوق 100 دولار فقط، بل ما إذا كانت الأزمة قادرة على دفع «برنت» إلى مستويات أعلى بكثير.
ويرى محللون أن استمرار إغلاق «شرق – غرب» لأسابيع، بالتزامن مع ضعف حركة هرمز وعدم ظهور إمدادات بديلة كافية، قد يفتح الطريق أمام «برنت» لتجاوز 120 دولاراً وربما الاقتراب من 130 دولاراً إذا لم يقابل نقص المعروض بزيادة إنتاج أو تراجع في الطلب.
وفي المقابل، فإن عودة خط الأنابيب سريعاً، وتحسن الملاحة في هرمز، وتحقيق تقدم سياسي بين واشنطن وطهران، يمكن أن تسحب جزءاً كبيراً من علاوة المخاطر الحالية وتدفع الأسعار إلى التراجع.
البراميل تحسم اتجاه السوق
لهذا تبدو سوق النفط أمام اختبار يتجاوز متابعة التصريحات السياسية اليومية. فالأولوية بالنسبة إلى المتداولين باتت لمعرفة حجم البراميل التي تستطيع السعودية إيصالها إلى الأسواق، وموعد استعادة «شرق – غرب»، وقدرة الناقلات على عبور هرمز، وحجم المخزونات القادرة على امتصاص الصدمة.
ومع تجاوز «برنت» 107 دولارات واتساع «الباكورديشن»، فإن السوق ترسل إشارة واضحة إلى أن الإمدادات الفورية أصبحت أكثر قيمة. وإذا طال تعطل خطوط النقل واستمرت المخاطر حول الممرات البحرية، فقد يتحول الارتفاع الحالي من علاوة جيوسياسية مؤقتة إلى إعادة تسعير أوسع للطاقة العالمية، بما يضع التضخم والنمو والفائدة وأسواق المال جميعها تحت ضغط متجدد خلال الأشهر المقبلة.