تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحوكمة‭ ‬الصورية‭.. ‬نصوص‭ ‬تُلزم‭ ‬وإدارات‭ ‬تُعطل‭!‬

TFC33

تُعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المرتكزات‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬عليها‭ ‬النظم‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬الإرشادية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬إطارًا‭ ‬قانونيًا‭ ‬وإداريًا‭ ‬ملزمًا‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬ضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬أطراف‭ ‬المؤسسة‭ ‬المختلفة،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬المساهمون‭ ‬ومجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح‭. ‬ويستند‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬ترمي‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الشفافية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة،‭ ‬وضمان‭ ‬الإدارة‭ ‬الرشيدة‭ ‬للموارد‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬وتزايد‭ ‬تعقيد‭ ‬العلاقات‭ ‬المؤسسية،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تفعيل‭ ‬الحوكمة‭ ‬بوصفها‭ ‬أداة‭ ‬قانونية‭ ‬فعالة‭ ‬للحد‭ ‬من‭ ‬تعارض‭ ‬المصالح،‭ ‬وتقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬الانحراف‭ ‬الإداري،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬دراسة‭ ‬الحوكمة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬بعدها‭ ‬النظري،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬تحليل‭ ‬مدى‭ ‬فاعليتها‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي،‭ ‬والوقوف‭ ‬على‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬إنفاذها‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬المؤسسية‭ ‬مجرد‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬يُستحسن‭ ‬تبنّيه‭ ‬ضمن‭ ‬سياسات‭ ‬الإدارة‭ ‬الحديثة،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬التزام‭ ‬قانوني‭ ‬متكامل‭ ‬تتداخل‭ ‬فيه‭ ‬الأبعاد‭ ‬التشريعية‭ ‬والرقابية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬بحيث‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬الإخلال‭ ‬به‭ ‬آثار‭ ‬مباشرة‭ ‬تمس‭ ‬استقرار‭ ‬المؤسسة‭ ‬وحقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وثقة‭ ‬الأسواق‭. ‬وفي‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة،‭ ‬يبرز‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بوصفه‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأصلية‭ ‬عن‭ ‬تفعيل‭ ‬الحوكمة،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬الإقرار‭ ‬الشكلي‭ ‬لمبادئها،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬ضمان‭ ‬نفاذها‭ ‬العملي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬الممارسة‭ ‬تكشف‭ ‬عن‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬المنظمة‭ ‬للحوكمة‭ ‬وبين‭ ‬التطبيق‭ ‬الفعلي‭ ‬لها‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭. ‬فكثير‭ ‬من‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارات‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الحوكمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬التزامًا‭ ‬شكليًا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬لوائح‭ ‬داخلية‭ ‬أو‭ ‬تشكيل‭ ‬لجان،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمتد‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭. ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬الإشكالية‭ ‬الحقيقية،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬الحوكمة،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬ليست‭ ‬نصوصًا‭ ‬تُقرّ،‭ ‬بل‭ ‬نظامًا‭ ‬يُمارس‭.‬

الطابع‭ ‬الإلزامي
ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬فإن‭ ‬مسؤولية‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬السياسات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬اعتماد‭ ‬الخطط‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬ضمان‭ ‬اتساق‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬مع‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة،‭ ‬والتأكد‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تنفيذها‭ ‬يتم‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬منضبط‭ ‬قانونًا‭. ‬فالمجلس،‭ ‬عند‭ ‬وضع‭ ‬أهداف‭ ‬المؤسسة،‭ ‬ملزم‭ ‬بمراعاة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬تعظيم‭ ‬العائد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬وهو‭ ‬توازن‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قرارات‭ ‬واعية‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬اختصاص‭ ‬المجلس‭ ‬بتعيين‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬سلطة‭ ‬تقديرية‭ ‬مطلقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬التزام‭ ‬يقتضي‭ ‬اختيار‭ ‬الكفاءات‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬ومتابعة‭ ‬أدائها‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭. ‬فالإخفاق‭ ‬في‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬أو‭ ‬التغاضي‭ ‬عن‭ ‬انحرافاتها،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬ضعف‭ ‬إداري،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يرتب‭ ‬مسؤولية‭ ‬قانونية‭ ‬متى‭ ‬ترتب‭ ‬عليه‭ ‬ضرر‭ ‬بالمؤسسة‭ ‬أو‭ ‬المساهمين‭.‬

‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة
ويمتد‭ ‬هذا‭ ‬الالتزام‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬إقرار‭ ‬نظام‭ ‬حوكمة‭ ‬داخلي‭ ‬متكامل،‭ ‬يتضمن‭ ‬تحديدًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬للاختصاصات،‭ ‬وآليات‭ ‬واضحة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬القرار،‭ ‬وقواعد‭ ‬ملزمة‭ ‬للإفصاح‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬وجوده،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬الالتزام‭ ‬بتطبيقه‭. ‬فكم‭ ‬من‭ ‬مؤسسة‭ ‬تمتلك‭ ‬لوائح‭ ‬حوكمة‭ ‬متقدمة،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تظل‭ ‬معطّلة‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬العملي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفرغ‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭ ‬ويحولها‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬واجهة‭ ‬تنظيمية‭.‬
وفي‭ ‬الإطار‭ ‬الرقابي،‭ ‬يُفترض‭ ‬أن‭ ‬يضطلع‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بدور‭ ‬فاعل‭ ‬في‭ ‬إرساء‭ ‬أنظمة‭ ‬رقابة‭ ‬داخلية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬الكشف‭ ‬المبكر‭ ‬عن‭ ‬المخاطر،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬مالية‭ ‬أو‭ ‬تشغيلية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭. ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬هذه‭ ‬الأنظمة،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬فعاليتها‭ ‬بشكل‭ ‬دوري،‭ ‬وربطها‭ ‬بآليات‭ ‬المساءلة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تقييم‭ ‬استقلالية‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬يمثل‭ ‬عنصرًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬استقلال‭ ‬القرار‭ ‬يُعد‭ ‬ضمانة‭ ‬جوهرية‭ ‬لنزاهة‭ ‬الإدارة‭.‬
استقلالية‭ ‬الرقابة

ومن‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬مدى‭ ‬جدية‭ ‬تطبيق‭ ‬الحوكمة،‭ ‬مسألة‭ ‬تعارض‭ ‬المصالح‭. ‬فغياب‭ ‬الضوابط‭ ‬الواضحة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تغليب‭ ‬المصالح‭ ‬الشخصية‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬مظاهر‭ ‬الإخلال‭ ‬بالحوكمة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬وضع‭ ‬أطر‭ ‬تنظيمية‭ ‬صارمة‭ ‬لإدارة‭ ‬هذا‭ ‬التعارض،‭ ‬وتفعيلها‭ ‬فعليًا،‭ ‬يُعد‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬مسؤوليات‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.‬
ولا‭ ‬يمكن‭ ‬إغفال‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬لسياسات‭ ‬الإفصاح،‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الحوكمة‭. ‬فالإفصاح‭ ‬لا‭ ‬يُقصد‭ ‬به‭ ‬مجرد‭ ‬نشر‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬ضمان‭ ‬وصول‭ ‬معلومات‭ ‬دقيقة‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭ ‬إلى‭ ‬المساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬بما‭ ‬يمكنهم‭ ‬من‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬سليمة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬قصور‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭.‬

تعارض‭ ‬المصالح
وعند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭ ‬بالحوكمة،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬نجاحها‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬المساهمين،‭ ‬الذين‭ ‬يسعون‭ ‬إلى‭ ‬تعظيم‭ ‬العائد،‭ ‬ومجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬الذي‭ ‬يتولى‭ ‬الرقابة،‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬التي‭ ‬تدير‭ ‬العمليات‭ ‬اليومية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬الذين‭ ‬تتأثر‭ ‬مصالحهم‭ ‬بنشاط‭ ‬المؤسسة‭. ‬ويُعد‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬التوازن‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الحوكمة،‭ ‬إذ‭ ‬يتطلب‭ ‬وجود‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬وآليات‭ ‬فعالة‭ ‬لضبط‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأطراف‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬الحوكمة‭ ‬لا‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬فراغ،‭ ‬بل‭ ‬تتأثر‭ ‬بالمحددات‭ ‬الخارجية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬البيئة‭ ‬التشريعية‭ ‬والتنظيمية،‭ ‬وكفاءة‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية،‭ ‬ومستوى‭ ‬تطور‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭. ‬فوجود‭ ‬قوانين‭ ‬فعالة‭ ‬وهيئات‭ ‬رقابية‭ ‬مستقلة‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الحوكمة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يعفي‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬الداخلية،‭ ‬بل‭ ‬يفرض‭ ‬عليها‭ ‬مستوى‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬الامتثال‭.‬

توازن‭ ‬الأطراف‭ ‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬مؤشرات‭ ‬الحوكمة‭ ‬التي‭ ‬طورها‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬والتي‭ ‬تشمل‭ ‬مكافحة‭ ‬الفساد،‭ ‬والاستقرار‭ ‬السياسي،‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬بوصفها‭ ‬أدوات‭ ‬قياس‭ ‬لمدى‭ ‬نضج‭ ‬البيئة‭ ‬المؤسسية‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬بعدها‭ ‬النظري،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬عكس‭ ‬الواقع‭ ‬العملي،‭ ‬ومدى‭ ‬التزام‭ ‬المؤسسات‭ ‬بتطبيقها‭.‬
وتتجلى‭ ‬أهمية‭ ‬الحوكمة‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬تأثيرها‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬البيئة‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬حيث‭ ‬أصبحت‭ ‬معيارًا‭ ‬رئيسيًا‭ ‬يعتمد‭ ‬عليه‭ ‬المستثمرون‭ ‬في‭ ‬تقييم‭ ‬المؤسسات‭. ‬فالمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬تلتزم‭ ‬بالحوكمة‭ ‬تتمتع‭ ‬بقدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال،‭ ‬وتعزيز‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬استدامة‭ ‬في‭ ‬الأداء‭.‬

مؤشرات‭ ‬الحوكمة‭ ‬
وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬القانوني،‭ ‬تمثل‭ ‬الحوكمة‭ ‬إطارًا‭ ‬لضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المختلفة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قواعد‭ ‬تضمن‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬إساءة‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الإخلال‭ ‬بهذه‭ ‬القواعد‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الإداري،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يرتب‭ ‬مسؤوليات‭ ‬قانونية،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬أو‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬الحوكمة‭ ‬الجيدة‭ ‬لا‭ ‬تتحقق‭ ‬بمجرد‭ ‬وجود‭ ‬هياكل‭ ‬تنظيمية‭ ‬أو‭ ‬نصوص‭ ‬قانونية،‭ ‬بل‭ ‬تتطلب‭ ‬التزامًا‭ ‬فعليًا‭ ‬بتطبيقها،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬حقيقي‭ ‬بأهميتها،‭ ‬وإدراك‭ ‬لآثارها‭. ‬فهي‭ ‬منظومة‭ ‬متكاملة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬الكفاءة‭ ‬والعدالة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة،‭ ‬وضمان‭ ‬استدامة‭ ‬المؤسسات‭.‬

ضرورة‭ ‬قانونية
وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬خيارًا‭ ‬تنظيميًا،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬ضرورة‭ ‬قانونية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تفرضها‭ ‬طبيعة‭ ‬الأسواق‭ ‬الحديثة‭. ‬ويبقى‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬المسؤول‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬نجاحها‭ ‬أو‭ ‬إخفاقها،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬التنصل‭ ‬منها،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬القانوني‭ ‬أو‭ ‬المؤسسي‭.‬

رجوع لأعلى