تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحوكمة‭ ‬ركيزة‭ ‬استقرار‭ ‬المؤسسات

LL.35

ترتبط‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسة‭ ‬بعلاقات‭ ‬تعاقدية‭ ‬مباشرة‭ ‬مع‭ ‬العملاء‭ ‬والموردين،‭ ‬باعتبارهم‭ ‬من‭ ‬العناصر‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬النشاط‭ ‬التشغيلي‭ ‬والإنتاجي‭. ‬
وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬قدرة‭ ‬الإدارة‭ ‬على‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعقود‭ ‬والتوريدات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضمان‭ ‬احترام‭ ‬حقوق‭ ‬العملاء‭ ‬والمحافظة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬المؤسسة،‭ ‬وعندما‭ ‬تتهاون‭ ‬المؤسسة‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬التزاماتها،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬صورتها‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬ويؤثر‭ ‬في‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬واستمرار‭ ‬نموها‭.‬
‭ ‬
تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬
تسعى‭ ‬الإدارات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المؤسسات‭ ‬إلى‭ ‬توفير‭ ‬الموارد‭ ‬المالية‭ ‬اللازمة‭ ‬لتشغيل‭ ‬الأعمال،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬القروض‭ ‬المصرفية‭ ‬أو‭ ‬السندات‭ ‬أو‭ ‬عقود‭ ‬التأجير‭ ‬أو‭ ‬إصدار‭ ‬الأسهم‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الأرباح‭ ‬المحتجزة‭. ‬
وتُعد‭ ‬قرارات‭ ‬التمويل‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬القضايا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بحوكمة‭ ‬المؤسسات،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬يترتب‭ ‬عليها‭ ‬من‭ ‬تحديد‭ ‬لحقوق‭ ‬السيطرة‭ ‬والإدارة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عند‭ ‬تعثر‭ ‬الشركاء‭ ‬أو‭ ‬الإخفاق‭ ‬في‭ ‬الوفاء‭ ‬بالالتزامات‭ ‬المالية‭.‬
وفي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان،‭ ‬تبرز‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬والمساهمين‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬والدائنين‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬إذ‭ ‬يركز‭ ‬المساهمون‭ ‬والإدارة‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬مكاسبهم‭ ‬الخاصة،‭ ‬بينما‭ ‬يسعى‭ ‬الدائنون‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬حقوقهم‭ ‬وضمان‭ ‬استرداد‭ ‬أموالهم،‭ ‬لذلك‭ ‬يحرص‭ ‬الممولون‭ ‬على‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬العقود‭ ‬التمويلية‭ ‬ووضع‭ ‬الضمانات‭ ‬التي‭ ‬تكفل‭ ‬حماية‭ ‬مصالحهم‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬إخلال‭ ‬المؤسسة‭ ‬بالتزاماتها‭ ‬تجاه‭ ‬الدائنين‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬الثقة‭ ‬بها‭ ‬داخل‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬قدرتها‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬اللازم‭ ‬لاستمرار‭ ‬أعمالها‭ ‬وتحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬المستقبلية‭.‬
ولمعالجة‭ ‬هذه‭ ‬الإشكاليات،‭ ‬يجب‭ ‬مراعاة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الضوابط،‭ ‬أبرزها‭ ‬منح‭ ‬الدائنين‭ ‬عوائد‭ ‬إضافية‭ ‬عند‭ ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬مشروعات‭ ‬مرتفعة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وتحقيق‭ ‬توازن‭ ‬عادل‭ ‬بين‭ ‬حقوق‭ ‬الدائنين‭ ‬والمساهمين‭ ‬دون‭ ‬تمييز،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قيود‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬تصرفات‭ ‬الإدارة‭ ‬وحملة‭ ‬الأسهم‭ ‬بما‭ ‬يمنع‭ ‬الإضرار‭ ‬بحقوق‭ ‬أصحاب‭ ‬السندات‭ ‬والدائنين،‭ ‬مع‭ ‬ضرورة‭ ‬مراعاة‭ ‬مصالحهم‭ ‬عند‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬الديون‭ ‬أو‭ ‬استبدال‭ ‬الأصول‭.‬
‭ ‬
فجوة‭ ‬المعلومات‭ ‬
تتمتع‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬عادة‭ ‬بإمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومات‭ ‬التشغيلية‭ ‬اليومية‭ ‬بصورة‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬المساهمين،‭ ‬بحكم‭ ‬إشرافها‭ ‬المباشر‭ ‬على‭ ‬نشاط‭ ‬المؤسسة‭ ‬وتفاصيل‭ ‬أعمالها‭. ‬وهذه‭ ‬الفجوة‭ ‬في‭ ‬المعلومات‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬المجال‭ ‬أمام‭ ‬بعض‭ ‬الإدارات‭ ‬لاستغلال‭ ‬البيانات‭ ‬المتاحة‭ ‬لديها‭ ‬لتحقيق‭ ‬مصالح‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬والمستثمرين‭.‬
وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬تمتلك‭ ‬الإدارة‭ ‬معلومات‭ ‬دقيقة‭ ‬تتعلق‭ ‬بمستقبل‭ ‬المؤسسة‭ ‬أو‭ ‬بخططها‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬قبل‭ ‬وصولها‭ ‬إلى‭ ‬المحللين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬مثل‭ ‬قرارات‭ ‬الاندماج‭ ‬أو‭ ‬توزيع‭ ‬الأرباح‭ ‬أو‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الأسواق،‭ ‬وهي‭ ‬أمور‭ ‬تؤثر‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬أسعار‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭. ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تحقيق‭ ‬مكاسب‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل‭ ‬لبعض‭ ‬المديرين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الإفصاح‭ ‬الانتقائي‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬أو‭ ‬إخفاء‭ ‬جزء‭ ‬منها‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬مصالح‭ ‬معينة‭.‬
ومن‭ ‬أجل‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالية،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬قواعد‭ ‬واضحة‭ ‬للإفصاح‭ ‬والشفافية،‭ ‬بحيث‭ ‬تلتزم‭ ‬المؤسسة‭ ‬بتقديم‭ ‬المعلومات‭ ‬ذاتها‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬والجمهور‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬مع‭ ‬اعتماد‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬للمحاسبة‭ ‬وإعداد‭ ‬تقارير‭ ‬مالية‭ ‬دقيقة‭ ‬تعكس‭ ‬الواقع‭ ‬الحقيقي‭ ‬للمؤسسة‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬التضليل‭ ‬أو‭ ‬الانتقائية‭.‬
‭ ‬
التحديات‭ ‬المؤسسية
أصبحت‭ ‬حوكمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬الحديث،‭ ‬نتيجة‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأزمات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬العالم‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭. ‬وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭ ‬في‭ ‬تصاعد‭ ‬الاهتمام‭ ‬بتطبيق‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬وتعزيزها‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭.‬
ومن‭ ‬أبرز‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية‭ ‬عام‭ ‬1997،‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬ممارسات‭ ‬غير‭ ‬منضبطة‭ ‬داخل‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الاقتراض‭ ‬قصير‭ ‬الأجل‭ ‬وغياب‭ ‬الرقابة‭ ‬الفعالة‭. ‬كما‭ ‬أدى‭ ‬تصاعد‭ ‬قضايا‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬كبرى‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬المطالبة‭ ‬بتطبيق‭ ‬قواعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬لضمان‭ ‬النزاهة‭ ‬والشفافية‭.‬
كذلك‭ ‬فرضت‭ ‬موجات‭ ‬الخصخصة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬أساليب‭ ‬الإدارة‭ ‬والرقابة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تزايد‭ ‬دور‭ ‬صناديق‭ ‬التقاعد‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬تمارس‭ ‬رقابة‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية‭ ‬لحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭. ‬وأسهم‭ ‬انتشار‭ ‬الممارسات‭ ‬غير‭ ‬المهنية‭ ‬وضعف‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬توسع‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭ ‬وعمليات‭ ‬الاندماج‭ ‬والاستحواذ،‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬أهمية‭ ‬الحوكمة‭ ‬كوسيلة‭ ‬لضبط‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬المصالح‭.‬
‭ ‬
الأثر‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للحوكمة
من‭ ‬الناحية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬تسهم‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬المالي‭ ‬للمؤسسة‭ ‬وتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬مواردها،‭ ‬كما‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬هياكل‭ ‬إدارية‭ ‬واضحة‭ ‬تسمح‭ ‬بمحاسبة‭ ‬الإدارة‭ ‬أمام‭ ‬المساهمين‭. ‬وتدعم‭ ‬الحوكمة‭ ‬كذلك‭ ‬استقلالية‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المديرين‭ ‬والمحاسبين،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬إعداد‭ ‬قوائم‭ ‬مالية‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬وشفافية‭ ‬عالية‭.‬
كما‭ ‬تعزز‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬نزاهة‭ ‬عمليات‭ ‬التصويت‭ ‬والإفصاح‭ ‬عن‭ ‬المعلومات،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬إيجاباً‭ ‬على‭ ‬المركز‭ ‬التنافسي‭ ‬للمؤسسة‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمتعاملين‭ ‬في‭ ‬السوق‭. ‬وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك،‭ ‬تساعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬على‭ ‬تجنب‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬والمحاسبية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تهدد‭ ‬استقرار‭ ‬المؤسسة‭ ‬واستمرارية‭ ‬نشاطها‭.‬
‭ ‬
البعد‭ ‬القانوني‭ ‬

تحظى‭ ‬حوكمة‭ ‬المؤسسات‭ ‬بأهمية‭ ‬قانونية‭ ‬كبيرة،‭ ‬لكونها‭ ‬ترتبط‭ ‬بحماية‭ ‬حقوق‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭ ‬وتنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهم‭ ‬بصورة‭ ‬دقيقة‭ ‬وواضحة‭. ‬فالقوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحوكمة‭ ‬تسهم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الإدارة‭ ‬والمساهمين‭ ‬والدائنين،‭ ‬وتوفر‭ ‬إطاراً‭ ‬قانونياً‭ ‬يضمن‭ ‬سلامة‭ ‬القرارات‭ ‬والإجراءات‭ ‬المتخذة‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬
كما‭ ‬تتقاطع‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التشريعات،‭ ‬مثل‭ ‬قوانين‭ ‬الشركات‭ ‬والضرائب‭ ‬والعقود،‭ ‬بما‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انتهاك‭ ‬العقود‭ ‬أو‭ ‬مخالفة‭ ‬الأنظمة‭ ‬الأساسية‭ ‬للمؤسسة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬أهمية‭ ‬الحوكمة‭ ‬كوسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الالتزام‭ ‬القانوني‭ ‬وترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬العدالة‭ ‬والشفافية‭ ‬داخل‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭.‬
‭ ‬
البعد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬
لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثير‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬مختلف‭ ‬الجوانب‭ ‬الاجتماعية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بحياة‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬تؤديه‭ ‬من‭ ‬دور‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الوظائف‭ ‬وتحسين‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬ودعم‭ ‬الاستقرار‭ ‬المعيشي‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الحوكمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أداة‭ ‬تضمن‭ ‬حسن‭ ‬إدارة‭ ‬المؤسسات‭ ‬وفق‭ ‬أسس‭ ‬سليمة‭ ‬تكفل‭ ‬حماية‭ ‬أموال‭ ‬المساهمين،‭ ‬وتوفير‭ ‬معلومات‭ ‬دقيقة‭ ‬وشفافة‭ ‬لجميع‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬مبدأ‭ ‬العدالة‭ ‬وتكافؤ‭ ‬الفرص‭.‬
كما‭ ‬تسهم‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية،‭ ‬ووضع‭ ‬إطار‭ ‬إداري‭ ‬وتنظيمي‭ ‬يساعد‭ ‬على‭ ‬تحديد‭ ‬الأهداف‭ ‬وآليات‭ ‬تحقيقها‭ ‬بصورة‭ ‬واضحة‭ ‬ومنضبطة‭. ‬وتنعكس‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬العملاء،‭ ‬إذ‭ ‬تمكن‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬تقديم‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬ذات‭ ‬جودة‭ ‬مناسبة‭ ‬وأسعار‭ ‬عادلة،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬ثابت‭ ‬من‭ ‬رضا‭ ‬العملاء‭ ‬والثقة‭ ‬المتبادلة‭.‬
‭ ‬
القطاعين‭ ‬العام‭ ‬والخاص‭ ‬
يُعد‭ ‬تطبيق‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الحكومي‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالقطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬وذلك‭ ‬بسبب‭ ‬الطبيعة‭ ‬الخدمية‭ ‬للمؤسسات‭ ‬الحكومية‭ ‬مقابل‭ ‬الطابع‭ ‬الربحي‭ ‬للشركات‭ ‬الخاصة،‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬معايير‭ ‬الأداء‭ ‬والرقابة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬وسهولة‭ ‬في‭ ‬القياس‭.‬
وتتطلب‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬تطوير‭ ‬أجهزة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬وتعزيز‭ ‬آليات‭ ‬المتابعة‭ ‬والمساءلة،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬العامة‭. ‬وقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬بعض‭ ‬النماذج‭ ‬الحديثة‭ ‬للحوكمة‭ ‬على‭ ‬تقسيم‭ ‬الأدوار‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬متعددة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬وضع‭ ‬آليات‭ ‬واضحة‭ ‬للتصعيد‭ ‬وحل‭ ‬الإشكالات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تعيق‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطط‭ ‬والمشروعات‭.‬
ويسهم‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬توزيع‭ ‬المسؤوليات‭ ‬وآليات‭ ‬المتابعة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬وضع‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬وتنفيذها‭ ‬والرقابة‭ ‬على‭ ‬نتائجها،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬الانسجام‭ ‬بين‭ ‬الجهات‭ ‬التنفيذية‭ ‬والرقابية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬ويضمن‭ ‬مرونة‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي‭ ‬واستمراريته‭ ‬بكفاءة‭ ‬أكبر‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يتحقق‭ ‬من‭ ‬إنجازات‭ ‬إدارية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬يرتبط‭ ‬بصورة‭ ‬مباشرة‭ ‬بفاعلية‭ ‬الحوكمة‭ ‬والإدارة‭ ‬الرشيدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الالتزام‭ ‬المستمر‭ ‬بمعايير‭ ‬الحوكمة‭ ‬ضرورة‭ ‬أساسية‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬النجاح‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأهداف‭ ‬المستقبلية‭.‬
‭ ‬
نموذج‭ ‬شركة‭ ‬Microsoft‭ ‬
برزت‭ ‬شركة‭ ‬Microsoft‭ ‬كنموذج‭ ‬عالمي‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬والاستدامة،‭ ‬حيث‭ ‬تمكنت‭ ‬عام‭ ‬2012‭ ‬من‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬مؤشر‭ ‬“داوجونز‭ ‬للاستدامة”،‭ ‬تقديراً‭ ‬لجهودها‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الأداء‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمعايير‭ ‬البيئية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬التزامها‭ ‬بمستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬من‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭.‬
كما‭ ‬حققت‭ ‬الشركة‭ ‬مراكز‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬الإفصاح‭ ‬البيئي‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمشروع‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الانبعاثات‭ ‬الكربونية،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬اهتمامها‭ ‬بتعزيز‭ ‬الاستدامة‭ ‬والالتزام‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬البيئية‭ ‬ضمن‭ ‬سياساتها‭ ‬التشغيلية‭.‬
وفي‭ ‬الجانب‭ ‬القانوني،‭ ‬تؤكد‭ ‬Microsoft‭ ‬التزامها‭ ‬الكامل‭ ‬بالقوانين‭ ‬المنظمة‭ ‬لأعمالها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبني‭ ‬سياسات‭ ‬داخلية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬منع‭ ‬أي‭ ‬ممارسات‭ ‬مخالفة،‭ ‬مع‭ ‬توفير‭ ‬آليات‭ ‬للإبلاغ‭ ‬والمتابعة‭ ‬تشمل‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬والموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والإدارة‭ ‬القانونية‭ ‬ووحدات‭ ‬الامتثال‭ ‬المهني‭.‬
أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأنشطة‭ ‬السياسية،‭ ‬فتتبع‭ ‬الشركة‭ ‬سياسة‭ ‬تتيح‭ ‬ممارسة‭ ‬أنشطة‭ ‬الضغط‭ ‬والتواصل‭ ‬المؤسسي‭ ‬ضمن‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬المعتمدة،‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الأنشطة‭ ‬الشخصية‭ ‬للموظفين‭ ‬وأوقات‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬موارد‭ ‬الشركة‭.‬
وتصف‭ ‬الشركة‭ ‬نهجها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬التشريعية‭ ‬والحكومية‭ ‬بأنه‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬الوضوح‭ ‬والشفافية،‭ ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬الإفصاح‭ ‬الصريح‭ ‬والتعاون‭ ‬الكامل‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالملفات‭ ‬القانونية‭ ‬والتنظيمية،‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الثقة‭ ‬المؤسسية‭ ‬ويؤكد‭ ‬التزامها‭ ‬بمبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬الرشيدة‭.‬
وفي‭ ‬ظل‭ ‬التحديات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والإدارية‭ ‬المتسارعة،‭ ‬تظل‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬استقرار‭ ‬المؤسسات‭ ‬واستدامة‭ ‬نجاحها،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬وحماية‭ ‬الحقوق‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬مستوى‭ ‬الالتزام‭ ‬بمعايير‭ ‬الحوكمة،‭ ‬ازدادت‭ ‬قدرة‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬كسب‭ ‬الثقة‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭ ‬وتعزيز‭ ‬مكانتها‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تنافسية‭ ‬لا‭ ‬تعترف‭ ‬إلا‭ ‬بالإدارة‭ ‬الرشيدة‭ ‬والكفاءة‭ ‬المؤسسية‭.‬

رجوع لأعلى