القطاع المالي وتحولات القوة الاقتصادية
فإن الدور الأساسي الذي يقوم به القطاع المالي، بوصفه وسيطاً بين جمهور المدخرين والمستثمرين، لا يقتصر على مجرد تحقيق التقارب بين هاتين الفئتين، بل يتجاوز ذلك إلى إحداث عملية تحويل جوهرية في طبيعة المديونيات الخاصة، بحيث يتم تحويلها إلى «أصول مالية» تتسم بدرجة عالية من السيولة، نظراً لما تتمتع به من سهولة التداول في الأسواق المالية وانتقالها من حامل الورقة إلى المشتري الجديد بسلاسة ويسر.
ويؤدي هذا التحويل للديون الخاصة إلى جعلها أقرب ما تكون إلى النقود، إذ يمكن تحويلها إلى نقد بسهولة ويسر، الأمر الذي يضع القطاع المالي في موقع يشبه إلى حد بعيد وظيفة السلطة النقدية، أي البنك المركزي، عندما يقوم بإصدار النقود الورقية.
فأوراق البنكنوت، في حقيقتها، ليست إلا مديونية على البنك المركزي، إلا أنها بحكم ما تحظى به من قبول عام وانتشار واسع في التداول، تتحول عملياً إلى ما يشبه الدين أو المطالبة على الاقتصاد الوطني بمجمله. وبالمثل، فإن من يملك أصولاً مالية، سواء كانت أسهماً أو سندات أو أوراقاً تجارية أو خيارات أو غير ذلك من صور الأدوات المالية، يستطيع أن يتصرف بها بالبيع في الأسواق المالية وتحويلها إلى سيولة نقدية تمكنه من الحصول على ما يشاء من سلع وخدمات. ومن هذا المنطلق، يبدو القطاع المالي وكأنه يؤدي دور سلطة نقدية عامة موازية.
وقد أسهمت هذه الوظيفة التي يقوم بها القطاع المالي في تنشيط الاقتصاد الوطني، من خلال فتح آفاق جديدة أمام كل من المدخرين والمستثمرين، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى رفع قدرة الاقتصاد على النمو والتوسع. فالمدخر أصبح قادراً على توظيف مدخراته في قنوات متعددة، مع تقليل مخاطر عدم الوفاء، لكونه يتعامل مع مؤسسات مالية كبيرة وذات مصداقية عالية.
وبذلك يقوم المدخر، عن اقتناع واختيار، بتوجيه مدخراته نحو ما تصدره المؤسسات المالية من أدوات وأصول مالية، مستنداً إلى ما تتمتع به هذه المؤسسات من موثوقية وقدرة على الالتزام بالوفاء.
وفي المقابل، يجد المستثمرون في الأسواق المالية مصدراً مهماً للتمويل بتكلفة أقل، بدلاً من اللجوء إلى البحث عن مدخرين متفرقين وموزعين، لكل منهم شروطه ومتطلباته الخاصة. وبهذا الشكل، يضطلع القطاع المالي بوظيفة محورية في تطوير النظام الاقتصادي، من خلال تسهيل تحويل مدخرات الأفراد إلى استثمارات إنتاجية، وبعوائد مقبولة ومستويات أمان أعلى لكلا الطرفين.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الدور الجوهري والحيوي للقطاع المالي، فإن القيام به يتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية والضبط. إذ إن المبالغة في إصدار الأصول المالية بما يتجاوز القدرة الحقيقية للاقتصاد الفعلي، يؤدي إلى إضفاء طابع من المصداقية الشكلية على «أصول مالية» لا تستند في واقع الأمر إلى أصول حقيقية، بل تكون في حقيقتها أصولاً وهمية عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها.
ومن ثم فإن توسع القطاع المالي في إصدار هذه الأدوات، أو مشاركته في إنشائها، أو الترويج لها، أو السماح بتداولها في البورصات، ينطوي على قدر من التضليل للجمهور، إذ يتم بيع ما يشبه السلع المزيفة التي لا تستند إلى أساس اقتصادي حقيقي.
ومن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن ينجرف الجمهور غير المتخصص إلى اقتناء هذه «الأصول المسمومة»، نتيجة لما تحظى به من قبول أو تزكية ضمنية من القطاع المالي، بما يضفي عليها قدراً من الثقة الظاهرية التي قد لا تعكس حقيقتها الاقتصادية الفعلية.
لماذا تُمنح الحماية لهذه الأصول؟
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا تقبل المؤسسات المالية أساساً بأن تمنح غطاءً لهذه «الأصول المسمومة»؟
إن الإجابة المباشرة تكمن في أن هذا الانحراف يرتبط بطبيعة عمل القطاع المالي ذاته، إذ إنه أثناء قيامه بوظيفته الأساسية في تسهيل تدفقات التمويل بين المدخرين والمستثمرين، يحقق في الوقت نفسه أرباحاً كبيرة تتضاعف كلما توسعت حجم الأصول المالية المتداولة وتعقيدها.
ومع إغراء هذه الأرباح المرتفعة، تنزلق بعض المؤسسات المالية إلى قدر من الشطط والمبالغة في إصدار وترويج الأدوات المالية، بحيث يتحول الهدف من مجرد الوساطة المالية إلى السعي المحض وراء تعظيم العوائد. وهنا يظهر التناقض الجوهري بين الوظيفة العامة للمؤسسات المالية، باعتبارها حلقة وصل بين الادخار والاستثمار، وبين انحراف «باعث الربح» حين يتضخم إلى حدّ يقترب مما أشار إليه سومبارت من هيمنة غريزة الجشع داخل النظام الرأسمالي.
وفي بعض الحالات، لا يقف هذا الانحراف عند حدود التوسع المفرط أو المبالغة في المخاطرة، بل يتجاوز ذلك إلى مستويات أكثر خطورة، قد تصل إلى الفساد والتدليس عبر التلاعب بالبيانات المحاسبية أو اللجوء إلى أساليب غير مشروعة في القيود المالية.
وقد شهدت الساحة الاقتصادية العالمية نماذج بارزة على ذلك، كما حدث في فضائح بعض الشركات الأمريكية الكبرى مثل شركة إنرون، وكذلك في قضية برنارد مادوف، الذي كان يقوم بتوزيع أرباح وهمية على المستثمرين بهدف جذب مزيد من الأموال واستمرار دورة الاحتيال.
كما أن تطور الأدوات المالية الحديثة، وخاصة الأدوات المركبة والمعقدة مثل «المشتقات المالية»، قد أسهم في خلق انطباع مضلل لدى الكثيرين بأن هذه الأوراق تتمتع بضمانات وحماية حقيقية، في حين أن الواقع كان مختلفاً تماماً في كثير من الحالات.
وقد لعب هذا التعقيد دوراً في إخفاء المخاطر الفعلية الكامنة خلف هذه الأدوات، حتى عن بعض المسؤولين داخل المؤسسات المالية نفسها.
وتبرز في هذا السياق أزمة الرهون العقارية منخفضة الجودة، والتوسع الكبير في توريقها، وإصدار عدد ضخم من الأوراق المالية المشتقة المبنية عليها، كأحد أهم الأسباب التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية في الولايات المتحدة عام 2008، كما سبق الإشارة إليه.
وقد أطلق أحد كبار المستثمرين وصفاً بالغ الدلالة على بعض هذه الأدوات، معبّراً عن كونها معقدة إلى درجة تجعل حتى المتعاملين المحترفين غير قادرين على فهم حقيقتها بالكامل.
بل إن بعض التقارير تشير إلى أن عدم الفهم الكامل لطبيعة هذه المنتجات المالية لم يكن مقتصراً على المستثمرين فقط، بل امتد أحياناً إلى بعض كبار المسؤولين داخل المؤسسات التي قامت بتصميمها أو تسويقها.
وعند إعداد هذا الطرح، كانت الأخبار المتداولة تشير إلى أن إحدى المؤسسات المالية الكبرى، المرتبطة بأحد أكبر المصارف في العالم، كانت تفكر في الترويج لبعض الأصول المالية الموصوفة بـ«المسمومة»، بل والمشاركة في تصميم هذه الأدوات، دون أن يتم توضيح ذلك بشكل كامل للعملاء.
هل تُضلل المؤسسات المالية العملاء فعلاً؟
وفي هذا الإطار، يبرز سؤال آخر أكثر مباشرة: هل تقوم المؤسسات المالية فعلاً بتضليل العملاء؟
تشير وقائع متعددة إلى أن هذا الاحتمال ليس بعيداً عن الواقع، فقد كانت الصحافة العالمية في فترة إعداد هذا النص منشغلة باتهامات وجهتها «هيئة الأوراق المالية» في الولايات المتحدة إلى أحد أكبر البنوك الاستثمارية، تتعلق بتورطه في عملية تضليل للمستثمرين من خلال تسويق أدوات مالية مشتقة، رغم علمه بأن أحد صناديق التحوط كان قد صممها بطريقة تضمن له تحقيق أرباح ضخمة على حساب خسائر محتملة للمستثمرين الآخرين.
وتفيد هذه الاتهامات بأن المصرف قام بتشجيع عملائه على الاستثمار في هذه الأدوات، رغم إدراكه للمخاطر المرتبطة بها، مستفيداً من العمولات الكبيرة التي جناها من تلك العمليات، والتي قُدرت بحوالي 150 مليون دولار.
وفي المقابل، حقق صندوق التحوط المعني أرباحاً هائلة من نفس الصفقة، مستفيداً من الفجوة المعلوماتية وطبيعة الهيكل المالي المعقد.
وتعود تفاصيل هذه القضية، كما نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية في 19 أبريل 2010، إلى قيام أحد نواب رئيس ذلك البنك، وهو في الثلاثين من عمره، ببيع ورقة مالية مشتقة مرتبطة برهون عقارية منخفضة الجودة، جرى تصميمها من قبل أحد مديري صناديق التحوط، جون بولسون.
وقد قام هذا الأخير باختيار مكونات الرهون العقارية بنفسه، مستنداً إلى معرفته الدقيقة بأنها شديدة القابلية للتعثر.
ومن المعروف في الأوساط المالية في نيويورك أن بولسون كان متخصصاً في المضاربة على الأوراق المالية عالية المخاطر، عبر ما يُعرف بعمليات «البيع على المكشوف»، حيث يراهن على انخفاض الأسعار من خلال بيع الأصول قبل امتلاكها فعلياً، ثم إعادة شرائها لاحقاً بسعر أقل، محققاً أرباحاً من الفارق بين السعرين.
وقد تمكن بالفعل من تحقيق أرباح ضخمة بلغت نحو مليار دولار من صفقة واحدة.
وفي المقابل، لم يقم المصرف المعني بإبلاغ عملائه بكامل خلفية هذه الأوراق المالية أو طبيعة المخاطر المرتبطة بها، ما يعزز الإشكال المتعلق بالشفافية وحدود المسؤولية في عمل المؤسسات المالية الحديثة.
التناقض الأعمق: الإدارة والأزمة
وإعادة إنتاج الخلل
وإلى جانب ذلك التناقض القائم بين الوظيفة العامة للمؤسسات المالية من جهة، وبين «باعث الربح» والمصلحة العامة من جهة أخرى، فقد كشفت الأزمة المالية العالمية الأخيرة عن بروز تناقض جديد، أشبه في ملامحه العامة بالتناقض الذي أشار إليه كارل ماركس، وإن كان يختلف عنه في الجوهر والنتائج.
فقد ذهب ماركس، في تفسيره لنظرية «الاستغلال»، إلى أن الرأسماليين يقومون باستغلال العمال عبر الاستحواذ على «فائض القيمة» وحرمانهم منه، ومن هنا بنى تصوره الذي دافع من خلاله عن الاشتراكية بوصفها نظاماً يلغي التناقض بين الملكية الخاصة وكون الإنتاج ذا طابع جماعي.
إلا أن التطور الذي شهدته البنية الرأسمالية لاحقاً أظهر صورة أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد الملكية الخاصة دائماً مركزة في أيدي قلة من كبار الرأسماليين، بل أصبحت موزعة في كثير من الشركات على نطاق واسع بين جمهور كبير من صغار المستثمرين والمدخرين.
وقد جاءت الأزمة المالية العالمية لتكشف جانباً مهماً من هذه التحولات، إذ تبين أن الضحية الحقيقية للأزمات المالية لم تعد تقتصر على الطبقة العاملة كما افترض ماركس، بل امتدت لتشمل جمهور المستثمرين الذين يملكون أسهماً في كبرى البنوك والشركات التي تضررت بشدة من الأزمة.
وفي المقابل، لم يعد المستفيد النهائي من هذا النمط من «الاستغلال» هو دائماً الرأسمالي التقليدي، بل برزت فئة أخرى أكثر تأثيراً، تتمثل في المديرين التنفيذيين داخل الشركات والمؤسسات المالية.
فالظاهرة الحديثة في معظم هذه المؤسسات تتمثل في تضخم مكافآت ورواتب وحوافز القائمين على الإدارة، وذلك في كثير من الأحيان على حساب حقوق المساهمين أنفسهم.
إذ تشير التقديرات إلى أن هؤلاء المديرين حصلوا خلال السنوات الخمس التي سبقت الأزمة المالية الأخيرة على حزم تعويضات ضخمة في شكل رواتب وبدلات وحوافز ومزايا، تراوحت نسبتها بين 32% و38% من أرباح تلك الشركات.
وهو ما يعني أن أكثر من ثلث الأرباح المحققة كان يذهب مباشرة إلى الإدارة العليا، في حين يتقلص نصيب المساهمين بشكل ملحوظ.