تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القطاع‭ ‬المالي‭ ‬وتحولات‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية

LL.33

فإن‭ ‬الدور‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬بوصفه‭ ‬وسيطاً‭ ‬بين‭ ‬جمهور‭ ‬المدخرين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬تحقيق‭ ‬التقارب‭ ‬بين‭ ‬هاتين‭ ‬الفئتين،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬عملية‭ ‬تحويل‭ ‬جوهرية‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬المديونيات‭ ‬الخاصة،‭ ‬بحيث‭ ‬يتم‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أصول‭ ‬مالية‮»‬‭ ‬تتسم‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬السيولة،‭ ‬نظراً‭ ‬لما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬سهولة‭ ‬التداول‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وانتقالها‭ ‬من‭ ‬حامل‭ ‬الورقة‭ ‬إلى‭ ‬المشتري‭ ‬الجديد‭ ‬بسلاسة‭ ‬ويسر‭.‬
ويؤدي‭ ‬هذا‭ ‬التحويل‭ ‬للديون‭ ‬الخاصة‭ ‬إلى‭ ‬جعلها‭ ‬أقرب‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إلى‭ ‬النقود،‭ ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬بسهولة‭ ‬ويسر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬بعيد‭ ‬وظيفة‭ ‬السلطة‭ ‬النقدية،‭ ‬أي‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬عندما‭ ‬يقوم‭ ‬بإصدار‭ ‬النقود‭ ‬الورقية‭.‬
فأوراق‭ ‬البنكنوت،‭ ‬في‭ ‬حقيقتها،‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬مديونية‭ ‬على‭ ‬البنك‭ ‬المركزي،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬بحكم‭ ‬ما‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبول‭ ‬عام‭ ‬وانتشار‭ ‬واسع‭ ‬في‭ ‬التداول،‭ ‬تتحول‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬المطالبة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬بمجمله‭. ‬وبالمثل،‭ ‬فإن‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬أصولاً‭ ‬مالية،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬أسهماً‭ ‬أو‭ ‬سندات‭ ‬أو‭ ‬أوراقاً‭ ‬تجارية‭ ‬أو‭ ‬خيارات‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬صور‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية،‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يتصرف‭ ‬بها‭ ‬بالبيع‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬تمكنه‭ ‬من‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يشاء‭ ‬من‭ ‬سلع‭ ‬وخدمات‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬يبدو‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬وكأنه‭ ‬يؤدي‭ ‬دور‭ ‬سلطة‭ ‬نقدية‭ ‬عامة‭ ‬موازية‭.‬
وقد‭ ‬أسهمت‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬التي‭ ‬يقوم‭ ‬بها‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬تنشيط‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فتح‭ ‬آفاق‭ ‬جديدة‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬المدخرين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬قدرة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والتوسع‭. ‬فالمدخر‭ ‬أصبح‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬توظيف‭ ‬مدخراته‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬متعددة،‭ ‬مع‭ ‬تقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬عدم‭ ‬الوفاء،‭ ‬لكونه‭ ‬يتعامل‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬كبيرة‭ ‬وذات‭ ‬مصداقية‭ ‬عالية‭.‬
وبذلك‭ ‬يقوم‭ ‬المدخر،‭ ‬عن‭ ‬اقتناع‭ ‬واختيار،‭ ‬بتوجيه‭ ‬مدخراته‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬تصدره‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬وأصول‭ ‬مالية،‭ ‬مستنداً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬من‭ ‬موثوقية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الالتزام‭ ‬بالوفاء‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يجد‭ ‬المستثمرون‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬مصدراً‭ ‬مهماً‭ ‬للتمويل‭ ‬بتكلفة‭ ‬أقل،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مدخرين‭ ‬متفرقين‭ ‬وموزعين،‭ ‬لكل‭ ‬منهم‭ ‬شروطه‭ ‬ومتطلباته‭ ‬الخاصة‭. ‬وبهذا‭ ‬الشكل،‭ ‬يضطلع‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬بوظيفة‭ ‬محورية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسهيل‭ ‬تحويل‭ ‬مدخرات‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬إنتاجية،‭ ‬وبعوائد‭ ‬مقبولة‭ ‬ومستويات‭ ‬أمان‭ ‬أعلى‭ ‬لكلا‭ ‬الطرفين‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬الجوهري‭ ‬والحيوي‭ ‬للقطاع‭ ‬المالي،‭ ‬فإن‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬يتطلب‭ ‬قدراً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬والضبط‭. ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬بما‭ ‬يتجاوز‭ ‬القدرة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للاقتصاد‭ ‬الفعلي،‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬إضفاء‭ ‬طابع‭ ‬من‭ ‬المصداقية‭ ‬الشكلية‭ ‬على‭ ‬‮«‬أصول‭ ‬مالية‮»‬‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬أصول‭ ‬حقيقية،‭ ‬بل‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬أصولاً‭ ‬وهمية‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماتها‭.‬
ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬توسع‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬أو‭ ‬مشاركته‭ ‬في‭ ‬إنشائها،‭ ‬أو‭ ‬الترويج‭ ‬لها،‭ ‬أو‭ ‬السماح‭ ‬بتداولها‭ ‬في‭ ‬البورصات،‭ ‬ينطوي‭ ‬على‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬التضليل‭ ‬للجمهور،‭ ‬إذ‭ ‬يتم‭ ‬بيع‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬السلع‭ ‬المزيفة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬أساس‭ ‬اقتصادي‭ ‬حقيقي‭.‬
ومن‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬أن‭ ‬ينجرف‭ ‬الجمهور‭ ‬غير‭ ‬المتخصص‭ ‬إلى‭ ‬اقتناء‭ ‬هذه‭ ‬‮«‬الأصول‭ ‬المسمومة‮»‬،‭ ‬نتيجة‭ ‬لما‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬قبول‭ ‬أو‭ ‬تزكية‭ ‬ضمنية‭ ‬من‭ ‬القطاع‭ ‬المالي،‭ ‬بما‭ ‬يضفي‭ ‬عليها‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الثقة‭ ‬الظاهرية‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬حقيقتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الفعلية‭.‬

لماذا‭ ‬تُمنح‭ ‬الحماية‭ ‬لهذه‭ ‬الأصول؟

والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬نفسه‭ ‬هنا‭: ‬لماذا‭ ‬تقبل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬أساساً‭ ‬بأن‭ ‬تمنح‭ ‬غطاءً‭ ‬لهذه‭ ‬‮«‬الأصول‭ ‬المسمومة»؟
إن‭ ‬الإجابة‭ ‬المباشرة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الانحراف‭ ‬يرتبط‭ ‬بطبيعة‭ ‬عمل‭ ‬القطاع‭ ‬المالي‭ ‬ذاته،‭ ‬إذ‭ ‬إنه‭ ‬أثناء‭ ‬قيامه‭ ‬بوظيفته‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬تدفقات‭ ‬التمويل‭ ‬بين‭ ‬المدخرين‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬يحقق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬أرباحاً‭ ‬كبيرة‭ ‬تتضاعف‭ ‬كلما‭ ‬توسعت‭ ‬حجم‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬المتداولة‭ ‬وتعقيدها‭.‬
ومع‭ ‬إغراء‭ ‬هذه‭ ‬الأرباح‭ ‬المرتفعة،‭ ‬تنزلق‭ ‬بعض‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الشطط‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬وترويج‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية،‭ ‬بحيث‭ ‬يتحول‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الوساطة‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬المحض‭ ‬وراء‭ ‬تعظيم‭ ‬العوائد‭. ‬وهنا‭ ‬يظهر‭ ‬التناقض‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬الوظيفة‭ ‬العامة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المالية،‭ ‬باعتبارها‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬بين‭ ‬الادخار‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وبين‭ ‬انحراف‭ ‬‮«‬باعث‭ ‬الربح‮»‬‭ ‬حين‭ ‬يتضخم‭ ‬إلى‭ ‬حدّ‭ ‬يقترب‭ ‬مما‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬سومبارت‭ ‬من‭ ‬هيمنة‭ ‬غريزة‭ ‬الجشع‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬الرأسمالي‭.‬
وفي‭ ‬بعض‭ ‬الحالات،‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬هذا‭ ‬الانحراف‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬التوسع‭ ‬المفرط‭ ‬أو‭ ‬المبالغة‭ ‬في‭ ‬المخاطرة،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة،‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬الفساد‭ ‬والتدليس‭ ‬عبر‭ ‬التلاعب‭ ‬بالبيانات‭ ‬المحاسبية‭ ‬أو‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أساليب‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭ ‬في‭ ‬القيود‭ ‬المالية‭.‬
وقد‭ ‬شهدت‭ ‬الساحة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬نماذج‭ ‬بارزة‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬فضائح‭ ‬بعض‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬الكبرى‭ ‬مثل‭ ‬شركة‭ ‬إنرون،‭ ‬وكذلك‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬برنارد‭ ‬مادوف،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يقوم‭ ‬بتوزيع‭ ‬أرباح‭ ‬وهمية‭ ‬على‭ ‬المستثمرين‭ ‬بهدف‭ ‬جذب‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬واستمرار‭ ‬دورة‭ ‬الاحتيال‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬تطور‭ ‬الأدوات‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة،‭ ‬وخاصة‭ ‬الأدوات‭ ‬المركبة‭ ‬والمعقدة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬المشتقات‭ ‬المالية‮»‬،‭ ‬قد‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬انطباع‭ ‬مضلل‭ ‬لدى‭ ‬الكثيرين‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الأوراق‭ ‬تتمتع‭ ‬بضمانات‭ ‬وحماية‭ ‬حقيقية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الواقع‭ ‬كان‭ ‬مختلفاً‭ ‬تماماً‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭.‬
وقد‭ ‬لعب‭ ‬هذا‭ ‬التعقيد‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬إخفاء‭ ‬المخاطر‭ ‬الفعلية‭ ‬الكامنة‭ ‬خلف‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬حتى‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬نفسها‭.‬
وتبرز‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬أزمة‭ ‬الرهون‭ ‬العقارية‭ ‬منخفضة‭ ‬الجودة،‭ ‬والتوسع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬توريقها،‭ ‬وإصدار‭ ‬عدد‭ ‬ضخم‭ ‬من‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭ ‬المشتقة‭ ‬المبنية‭ ‬عليها،‭ ‬كأحد‭ ‬أهم‭ ‬الأسباب‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬كما‭ ‬سبق‭ ‬الإشارة‭ ‬إليه‭.‬
وقد‭ ‬أطلق‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬المستثمرين‭ ‬وصفاً‭ ‬بالغ‭ ‬الدلالة‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬معبّراً‭ ‬عن‭ ‬كونها‭ ‬معقدة‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تجعل‭ ‬حتى‭ ‬المتعاملين‭ ‬المحترفين‭ ‬غير‭ ‬قادرين‭ ‬على‭ ‬فهم‭ ‬حقيقتها‭ ‬بالكامل‭.‬
بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬التقارير‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬الفهم‭ ‬الكامل‭ ‬لطبيعة‭ ‬هذه‭ ‬المنتجات‭ ‬المالية‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬المستثمرين‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتد‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬بعض‭ ‬كبار‭ ‬المسؤولين‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بتصميمها‭ ‬أو‭ ‬تسويقها‭.‬
وعند‭ ‬إعداد‭ ‬هذا‭ ‬الطرح،‭ ‬كانت‭ ‬الأخبار‭ ‬المتداولة‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إحدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى،‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأحد‭ ‬أكبر‭ ‬المصارف‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬كانت‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬الترويج‭ ‬لبعض‭ ‬الأصول‭ ‬المالية‭ ‬الموصوفة‭ ‬بـ«المسمومة‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬والمشاركة‭ ‬في‭ ‬تصميم‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬توضيح‭ ‬ذلك‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭ ‬للعملاء‭.‬

هل‭ ‬تُضلل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬العملاء‭ ‬فعلاً؟

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يبرز‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭ ‬أكثر‭ ‬مباشرة‭: ‬هل‭ ‬تقوم‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬فعلاً‭ ‬بتضليل‭ ‬العملاء؟
تشير‭ ‬وقائع‭ ‬متعددة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬ليس‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الواقع،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬الصحافة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬إعداد‭ ‬هذا‭ ‬النص‭ ‬منشغلة‭ ‬باتهامات‭ ‬وجهتها‭ ‬‮«‬هيئة‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‮»‬‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬البنوك‭ ‬الاستثمارية،‭ ‬تتعلق‭ ‬بتورطه‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬تضليل‭ ‬للمستثمرين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تسويق‭ ‬أدوات‭ ‬مالية‭ ‬مشتقة،‭ ‬رغم‭ ‬علمه‭ ‬بأن‭ ‬أحد‭ ‬صناديق‭ ‬التحوط‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬صممها‭ ‬بطريقة‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬ضخمة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬خسائر‭ ‬محتملة‭ ‬للمستثمرين‭ ‬الآخرين‭.‬
وتفيد‭ ‬هذه‭ ‬الاتهامات‭ ‬بأن‭ ‬المصرف‭ ‬قام‭ ‬بتشجيع‭ ‬عملائه‭ ‬على‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات،‭ ‬رغم‭ ‬إدراكه‭ ‬للمخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬العمولات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬جناها‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬العمليات،‭ ‬والتي‭ ‬قُدرت‭ ‬بحوالي‭ ‬150‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬حقق‭ ‬صندوق‭ ‬التحوط‭ ‬المعني‭ ‬أرباحاً‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الصفقة،‭ ‬مستفيداً‭ ‬من‭ ‬الفجوة‭ ‬المعلوماتية‭ ‬وطبيعة‭ ‬الهيكل‭ ‬المالي‭ ‬المعقد‭.‬
وتعود‭ ‬تفاصيل‭ ‬هذه‭ ‬القضية،‭ ‬كما‭ ‬نشرتها‭ ‬صحيفة‭ ‬‮«‬فايننشال‭ ‬تايمز‮»‬‭ ‬البريطانية‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬أبريل‭ ‬2010،‭ ‬إلى‭ ‬قيام‭ ‬أحد‭ ‬نواب‭ ‬رئيس‭ ‬ذلك‭ ‬البنك،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬الثلاثين‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬ببيع‭ ‬ورقة‭ ‬مالية‭ ‬مشتقة‭ ‬مرتبطة‭ ‬برهون‭ ‬عقارية‭ ‬منخفضة‭ ‬الجودة،‭ ‬جرى‭ ‬تصميمها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أحد‭ ‬مديري‭ ‬صناديق‭ ‬التحوط،‭ ‬جون‭ ‬بولسون‭.‬
وقد‭ ‬قام‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬باختيار‭ ‬مكونات‭ ‬الرهون‭ ‬العقارية‭ ‬بنفسه،‭ ‬مستنداً‭ ‬إلى‭ ‬معرفته‭ ‬الدقيقة‭ ‬بأنها‭ ‬شديدة‭ ‬القابلية‭ ‬للتعثر‭.‬
ومن‭ ‬المعروف‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬المالية‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬أن‭ ‬بولسون‭ ‬كان‭ ‬متخصصاً‭ ‬في‭ ‬المضاربة‭ ‬على‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭ ‬عالية‭ ‬المخاطر،‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بعمليات‭ ‬‮«‬البيع‭ ‬على‭ ‬المكشوف‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬يراهن‭ ‬على‭ ‬انخفاض‭ ‬الأسعار‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بيع‭ ‬الأصول‭ ‬قبل‭ ‬امتلاكها‭ ‬فعلياً،‭ ‬ثم‭ ‬إعادة‭ ‬شرائها‭ ‬لاحقاً‭ ‬بسعر‭ ‬أقل،‭ ‬محققاً‭ ‬أرباحاً‭ ‬من‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬السعرين‭.‬
وقد‭ ‬تمكن‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬ضخمة‭ ‬بلغت‭ ‬نحو‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬من‭ ‬صفقة‭ ‬واحدة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬يقم‭ ‬المصرف‭ ‬المعني‭ ‬بإبلاغ‭ ‬عملائه‭ ‬بكامل‭ ‬خلفية‭ ‬هذه‭ ‬الأوراق‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬طبيعة‭ ‬المخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بها،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الإشكال‭ ‬المتعلق‭ ‬بالشفافية‭ ‬وحدود‭ ‬المسؤولية‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الحديثة‭.‬

التناقض‭ ‬الأعمق‭: ‬الإدارة‭ ‬والأزمة‭ ‬
وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الخلل

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬ذلك‭ ‬التناقض‭ ‬القائم‭ ‬بين‭ ‬الوظيفة‭ ‬العامة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬وبين‭ ‬‮«‬باعث‭ ‬الربح‮»‬‭ ‬والمصلحة‭ ‬العامة‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬الأخيرة‭ ‬عن‭ ‬بروز‭ ‬تناقض‭ ‬جديد،‭ ‬أشبه‭ ‬في‭ ‬ملامحه‭ ‬العامة‭ ‬بالتناقض‭ ‬الذي‭ ‬أشار‭ ‬إليه‭ ‬كارل‭ ‬ماركس،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬يختلف‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬الجوهر‭ ‬والنتائج‭.‬
فقد‭ ‬ذهب‭ ‬ماركس،‭ ‬في‭ ‬تفسيره‭ ‬لنظرية‭ ‬‮«‬الاستغلال‮»‬،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الرأسماليين‭ ‬يقومون‭ ‬باستغلال‭ ‬العمال‭ ‬عبر‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬‮«‬فائض‭ ‬القيمة‮»‬‭ ‬وحرمانهم‭ ‬منه،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬بنى‭ ‬تصوره‭ ‬الذي‭ ‬دافع‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬عن‭ ‬الاشتراكية‭ ‬بوصفها‭ ‬نظاماً‭ ‬يلغي‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬وكون‭ ‬الإنتاج‭ ‬ذا‭ ‬طابع‭ ‬جماعي‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬البنية‭ ‬الرأسمالية‭ ‬لاحقاً‭ ‬أظهر‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الملكية‭ ‬الخاصة‭ ‬دائماً‭ ‬مركزة‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬قلة‭ ‬من‭ ‬كبار‭ ‬الرأسماليين،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬موزعة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬بين‭ ‬جمهور‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬صغار‭ ‬المستثمرين‭ ‬والمدخرين‭.‬
وقد‭ ‬جاءت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬لتكشف‭ ‬جانباً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التحولات،‭ ‬إذ‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬الضحية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للأزمات‭ ‬المالية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬الطبقة‭ ‬العاملة‭ ‬كما‭ ‬افترض‭ ‬ماركس،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬لتشمل‭ ‬جمهور‭ ‬المستثمرين‭ ‬الذين‭ ‬يملكون‭ ‬أسهماً‭ ‬في‭ ‬كبرى‭ ‬البنوك‭ ‬والشركات‭ ‬التي‭ ‬تضررت‭ ‬بشدة‭ ‬من‭ ‬الأزمة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المستفيد‭ ‬النهائي‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬‮«‬الاستغلال‮»‬‭ ‬هو‭ ‬دائماً‭ ‬الرأسمالي‭ ‬التقليدي،‭ ‬بل‭ ‬برزت‭ ‬فئة‭ ‬أخرى‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيراً،‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭.‬
فالظاهرة‭ ‬الحديثة‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬تضخم‭ ‬مكافآت‭ ‬ورواتب‭ ‬وحوافز‭ ‬القائمين‭ ‬على‭ ‬الإدارة،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬أنفسهم‭.‬
إذ‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬المديرين‭ ‬حصلوا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الخمس‭ ‬التي‭ ‬سبقت‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬حزم‭ ‬تعويضات‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬رواتب‭ ‬وبدلات‭ ‬وحوافز‭ ‬ومزايا،‭ ‬تراوحت‭ ‬نسبتها‭ ‬بين‭ ‬32‭% ‬و38‭% ‬من‭ ‬أرباح‭ ‬تلك‭ ‬الشركات‭.‬
وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلث‭ ‬الأرباح‭ ‬المحققة‭ ‬كان‭ ‬يذهب‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يتقلص‭ ‬نصيب‭ ‬المساهمين‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭.‬

رجوع لأعلى