الذكاء الاصطناعي يتسوق بدلاً منك بالكامل
لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في التسوق مقتصراً على اقتراح هاتف يناسب ميزانيتك أو مقارنة أسعار منتج تبحث عنه، إذ تتجه التكنولوجيا نحو مرحلة أكثر تقدماً يمكن فيها لـ«وكيل ذكي» اختيار ما تحتاج إليه وشرائه ودفع ثمنه نيابة عنك.
وقد يصبح هذا الوكيل قادراً على معرفة القهوة التي تفضلها، واختيار الفندق المناسب لرحلتك، وشراء هدية لأحد أصدقائك، بل وإتمام الدفع دون الحاجة إلى تدخل منك في كل خطوة.
وبالنسبة إلى شركات التكنولوجيا والتجزئة، يمثل ذلك نقلة كبيرة تجعل التسوق أسرع وأسهل، لكن المسألة تبدو مختلفة بالنسبة إلى المستهلك؛ فكل مهمة تنتقل إلى الخوارزمية تعني التنازل عن جزء من قدرته على الاختيار.
وتكشف استطلاعات حديثة أن كثيراً من المستهلكين يشعرون بعدم الارتياح تجاه منح الذكاء الاصطناعي حرية الشراء بصورة مستقلة، حتى إذا كان قادراً على توفير الوقت والمال.
حرية الاختيار
ولا يقتصر القلق على الخصوصية أو منح الأنظمة الذكية معلومات شخصية ومالية، بل يمتد إلى شعور الإنسان بأنه صاحب القرار.
فعندما تقترح الخوارزمية منتجاً دون أن يفهم المستخدم سبب اختياره، يمكن أن تتراجع الثقة، خصوصاً إذا شعر بأن النظام يحاول دفعه نحو قرار لم يتخذه بنفسه.
وأظهرت تجارب سلوكية مدى حساسية البشر لهذه المسألة. ففي تجربة مرتبطة بحجز السفر، اختار بعض المشاركين خيارات لا تتوافق حتى مع تفضيلاتهم الحقيقية بعدما قيل لهم إن النظام يستطيع توقع قراراتهم، وكأنهم أرادوا إثبات أن الخوارزمية لا تستطيع التحكم بهم.
لكن المشكلة الأكبر قد لا تكون فشل الذكاء الاصطناعي، وإنما نجاحه الشديد في معرفة ما يدفع المستهلك إلى الشراء.
وتشير أبحاث إلى قدرة أنظمة التسوق الذكية على التأثير في تفضيلات المستخدمين وزيادة إنفاقهم وتقليل احتمالات إعادة المنتجات.
كما تتحدث شركات تعمل في مجال الدفع الإلكتروني عن قدرة الأدوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي على زيادة معدلات إتمام عمليات الشراء بما يصل إلى 20 % مقارنة بأساليب البحث التقليدية.
ولهذا تتسابق شركات التجزئة والتكنولوجيا إلى تطوير مساعدين قادرين على مرافقة المستهلك طوال عملية الشراء، من البحث والمقارنة إلى اتخاذ القرار والدفع.
متعة مهددة
ورغم الفوائد الواضحة، يطرح هذا التطور سؤالاً لا يتعلق بالمال أو التكنولوجيا: ماذا يفقد الإنسان عندما يتوقف عن اختيار الأشياء بنفسه؟
فالتسوق ليس دائماً مهمة مزعجة نريد التخلص منها. جزء من المتعة يبدأ قبل امتلاك المنتج، من البحث عنه ومقارنته بغيره وانتظار الحصول عليه.
وعندما يحجز شخص رحلة، فإنه يبدأ في تخيلها قبل موعد السفر. وعندما يبحث عن ملابس جديدة، تصبح عملية الاختيار نفسها جزءاً من التجربة. وإذا تولى الذكاء الاصطناعي هذه الخطوات بالكامل، فقد تختفي تدريجياً لحظات الترقب المرتبطة بالشراء.
كما تعكس المشتريات جانباً من شخصية الإنسان. فاختيار منتجات صديقة للبيئة أو سلع مرتبطة بالتجارة العادلة أو علامات تجارية محددة قد يعبر عن قيم ومواقف شخصية، وليس مجرد بحث عن أقل سعر.
ويصبح الأمر أكثر وضوحاً مع الهدايا. فالقيمة الحقيقية للهدية لا تكمن دائماً في ثمنها، وإنما في الوقت الذي قضاه شخص وهو يفكر فيما يسعد شخصاً آخر.
وإذا أصبح الوكيل الذكي يعرف أعياد ميلاد أصدقائك ويختار الهدايا ويدفع ثمنها ويرسلها تلقائياً، فقد تصل الهدية في موعدها وباختيار ممتاز، لكنها ستفقد جزءاً من المعنى المرتبط بالجهد والاهتمام.
فوائد حقيقية
في المقابل، سيكون من الخطأ تجاهل المكاسب التي توفرها هذه التكنولوجيا. فالذكاء الاصطناعي يستطيع مقارنة آلاف المنتجات والأسعار والتقييمات خلال ثوانٍ، وقد يساعد المستهلك في اكتشاف عروض يصعب الوصول إليها بالبحث التقليدي.
كما يمكن استخدامه لقراءة الشروط الطويلة وسياسات الخصوصية والعقود، وتحذير المستخدم من رسوم مخفية أو شروط غير عادلة قبل إتمام عملية الشراء.
لكن اتساع صلاحيات هذه الأدوات يفتح الباب أمام أسئلة قانونية تتعلق بمن يتحمل المسؤولية عندما يشتري الوكيل منتجاً خاطئاً، وكيف يمكن للمستهلك معرفة ما إذا كانت توصياته مستقلة بالفعل أم متأثرة بمصالح تجارية.
ولهذا تتزايد الدعوات إلى إلزام الشركات بمزيد من الشفافية بشأن كيفية عمل أنظمتها والأسس التي تعتمد عليها عند تقديم التوصيات.
الإنسان يحتفظ بزر الشراء
قد يكون المستقبل الأقرب هو استخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد قوي لا كبديل كامل عن المستهلك. فيبحث ويقارن ويختصر الخيارات ويحذر من الشروط السيئة، بينما يحتفظ الإنسان بالقرار النهائي.
فالتسوق ليس عملية هدفها الحصول على المنتج الأسرع والأرخص فقط، وإنما نشاط يرتبط بالذوق والهوية والعلاقات الاجتماعية ومتعة الاكتشاف.
والتحدي الحقيقي أمام شركات التكنولوجيا لن يكون إثبات قدرة الذكاء الاصطناعي على التسوق، فقد أصبح ذلك ممكناً بالفعل، وإنما إقناع البشر بالتخلي عن حق الاختيار. وهنا سيحدد المستهلك الخط الفاصل بين المساعدة المفيدة والتدخل الزائد: هل نريد ذكاءً اصطناعياً يساعدنا على اختيار ما نشتريه، أم نسمح له بأن يقرر ما نريده أصلاً؟