الأسواق تفرض على الفيدرالي مفاجأة مكلفة
في 16 سبتمبر 1992، خاضت بريطانيا واحدة من أشهر المواجهات بين الأسواق والسياسة النقدية، عندما حاولت الدفاع عن الجنيه الإسترليني داخل آلية أسعار الصرف الأوروبية، فرفعت سعر الإقراض الرسمي إلى 12 % وأعلنت زيادة أخرى إلى 15 % في اليوم التالي، قبل أن تضطر مساءً إلى تعليق عضويتها في الآلية وإلغاء الزيادة.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود، يعود تاريخ 16 سبتمبر ليحمل اختباراً مختلفاً للبنوك المركزية. فلا يوجد سعر صرف ثابت يدافع عنه مجلس الاحتياطي الفيدرالي، ولا تستطيع الأسواق إجباره قانونياً على قرار محدد، لكن تسعير المستثمرين أصبح واضحاً إلى درجة تجعل مخالفة توقعاتهم مكلفة وتحتاج إلى تفسير استثنائي.
رهان محسوم
تجاوز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات مستوى 5 % للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023، بينما ارتفعت احتمالات رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إلى أكثر من 90 % في سوق العقود، ما جعل الزيادة السيناريو الأساسي الذي تستعد له الأسواق.
وتدعم البيانات الاقتصادية هذا الرهان، بعدما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين في أغسطس 0.4% على أساس شهري و3.4 % سنوياً، فيما سجل التضخم الأساسـي 0.3 % شهـريـاً و2.4 % سنوياً، ليظل أعلى من مستهدف الفيدرالي البالغ 2 %.
وفي سوق العمل، أضاف الاقتصاد الأميركي 162 ألف وظيفة غير زراعية خلال أغسطس، بينما بلغت البطالة 4.1 %، وهي أرقام لا تشير حتى الآن إلى ضعف يستدعي تخفيف السياسة النقدية.
كما ارتفع خام «برنت» فوق 105 دولارات للبرميل، لتضيف صدمة الطاقة خطراً جديداً على التضخم، بينما أدى ارتفاع العوائد إلى الضغط على الذهب وأسهم التكنولوجيا، ولا سيما شركات أشباه الموصلات.
ولم يعد الرهان مقتصراً على المتعاملين، إذ تحولت مؤسسات كبرى، من بينها «غولدمان ساكس» و«جيه بي مورغان» و«إتش إس بي سي» و«دويتشه بنك»، إلى توقع رفع الفائدة ربع نقطة.
وفي استطلاع لـ«رويترز»، توقع 86 من أصل 101 اقتصادي رفع النطاق المستهدف للفائدة من 3.50 % – 3.75 % إلى 3.75 % – 4 %، بعدما كانت أغلبية تتجاوز الثلثين تتوقع التثبيت قبل أسبوع واحد فقط.
اختبار وارش
تكمن المفارقة في أن رئيس الفيدرالي كيفن وارش حاول منذ توليه المنصب تقليص الاعتماد على «التوجيه المستقبلي»، ودفع المستثمرين إلى بناء توقعاتهم من البيانات الاقتصادية والأسعار بدلاً من انتظار إشارات مباشرة من البنك المركزي.
وفي جاكسون هول في 28 أغسطس، شدد وارش على أهمية حصول الفيدرالي على إشارات سوقية «غير مفلترة» قدر الإمكان، محذراً من الوقوع في «قاعة المرايا»، حيث تعتمد الأسواق على رسائل البنك، ثم يقرأ البنك أسعاراً صنعتها رسائله في الأساس.
لكن التجربة تواجه الآن اختباراً معاكساً. فبعد تقليص الإشارات الرسمية، كون المستثمرون توقعاتهم بأنفسهم اعتماداً على التضخم والنفط والوظائف، وانتهوا إلى تسعير رفع الفائدة باعتباره الاحتمال المهيمن.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: إذا أصبح الفيدرالي نفسه ينظر إلى أسعار السوق بوصفها إشارة مهمة، فهل تتحول التوقعات التي كونها المستثمرون بصورة مستقلة إلى قيد غير مباشر على القرار؟
وتزداد صعوبة الإجابة لأن عائد السندات لأجل 10 سنوات لا يعكس فقط توقعات الفائدة قصيرة الأجل، بل يتأثر كذلك بعلاوة الأجل والعجز المالي وكثافة إصدارات الخزانة واقتراض الشركات لتمويل الاستثمارات الضخمة، ومنها طفرة الذكاء الاصطناعي.
لذلك لا يمكن اعتبار تجاوز العائد 5% استفتاءً مباشراً على قرار الفيدرالي، لكنه يعكس بيئة مالية أقل تسامحاً مع أي رسالة قد تُفسر باعتبارها متراخية تجاه التضخم.
قرار مكلف
ورغم الإجماع المتزايد، لا يرى جميع المستثمرين أن الاقتصاد الأميركي يحتاج فعلياً إلى رفع جديد. إذ يعتبر راسل براونباك، نائب مدير الاستثمار للدخل الثابت العالمي في «بلاك روك»، أن قطاعات حساسة للفائدة، وعلى رأسها الإسكان، تعاني ضعفاً بالفعل.
كما يرى أن جزءاً من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يعكس متانة الاقتصاد، وليس بالضرورة فقدان السيطرة على التضخم. وحتى «غولدمان ساكس»، رغم توقعه رفع الفائدة، يعتبر أن الخطوة مدفوعة بتسعير السوق بدرجة أكبر مما تبرره أساسيات التضخم وحدها.
وهذا يعني أن الأسواق لم تنتزع سلطة تحديد السياسة النقدية من الفيدرالي، فاللجنة تستطيع تثبيت الفائدة إذا رأت أن البيانات لا تبرر زيادة جديدة، لكنها ستواجه عندها مهمة أصعب في تفسير القرار.
وقد يؤدي التثبيت، إذا اعتبره المستثمرون إشارة إلى تراجع التزام البنك بهدف التضخم البالغ 2 %، إلى نتيجة عكسية تتمثل في ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل بدلاً من انخفاضها، ما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية رغم عدم رفع الفائدة.
الأسواق تحدد ثمن المفاجأة
يختلف واشنطن 2026 جذرياً عن لندن 1992؛ فبريطانيا كانت تدافع عن حد معلن لسعر صرف الجنيه، بينما لا يلتزم الفيدرالي اليوم بعائد محدد للسندات أو بتوقعات العقود الآجلة. ومع ذلك، تستطيع الأسواق تغيير تكلفة الخيارات المتاحة أمام صانع السياسة حتى من دون القدرة على فرض القرار نفسه.
وبعد تجاوز احتمالات رفع الفائدة 90 %، أصبحت زيادة ربع نقطة هي الحالة الأساسية، بينما تحول التثبيت إلى المفاجأة التي تحتاج إلى دفاع قوي. وهكذا قد يكتشف وارش أن تقليل حديث الفيدرالي لم يلغِ التوجيه، بل نقل جزءاً منه من منصة البنك المركزي إلى شاشة الأسعار، لتصبح الأسواق صاحبة الكلمة في تحديد ثمن المفاجأة، لا في اتخاذ القرار.