الذكاء الاصطناعي يخلق وظائف اليوم… ويهدد ملايين الفرص غدا
في الوقت الذي يتصدر فيه الذكاء الاصطناعي مشهد التحول الاقتصادي العالمي باعتباره المحرك الأبرز للنمو ورفع الإنتاجية، تتكشف في المقابل تداعيات أقل إشراقاً داخل أسواق العمل، حيث تتزايد المخاوف من تأثير هذه التقنيات على فرص التوظيف، ولا سيما بالنسبة للشباب والموظفين في بداية حياتهم المهنية.
ورغم استمرار الشركات في ضخ استثمارات ضخمة لتطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي وبناء مراكز البيانات العملاقة اللازمة لتشغيلها، فإن مؤشرات سوق العمل الأمريكية تكشف أن المكاسب التي تحققها هذه الاستثمارات لا تتوزع بالتساوي بين مختلف الفئات المهنية، بل تخلق رابحين وخاسرين في الوقت ذاته.
وتشير أحدث بيانات مؤشر تبني الذكاء الاصطناعي الصادر عن خبراء بنك «غولدمان ساكس» إلى أن عدد الوظائف الأمريكية التي يفقدها الاقتصاد شهرياً نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي انخفض من نحو 16 ألف وظيفة إلى قرابة 11 ألف وظيفة، وهو ما قد يبدو مؤشراً إيجابياً للوهلة الأولى، إلا أن الاقتصاديين يؤكدون أن هذا التحسن يعود في الأساس إلى موجة التوظيف الضخمة المرتبطة ببناء مراكز البيانات، وليس إلى تباطؤ تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف المكتبية.
فمنذ عام 2022، أضاف قطاع إنشاء مراكز البيانات نحو 212 ألف وظيفة، ويوفر حالياً ما يقارب 9 آلاف فرصة عمل جديدة شهرياً، تشمل فنيي الكهرباء، ومتخصصي أنظمة التبريد والتكييف، والعاملين في البنية التحتية للطاقة، إضافة إلى موظفي قطاع الإنشاءات التجارية.
مفارقة مهمة
لكن هذه الطفرة تحمل في داخلها مفارقة مهمة، إذ يرى خبراء سوق العمل أن الجزء الأكبر من هذه الوظائف مؤقت بطبيعته، ويرتبط بمرحلة البناء والتشييد فقط. ومع اكتمال المشاريع، تنخفض الحاجة إلى العمالة بصورة كبيرة، لتقتصر الوظائف الدائمة على فرق تشغيل الخوادم، ومهندسي المرافق، وفنيي الصيانة، والعاملين في الأمن والتشغيل.
وتشير تقديرات «مشروع الحافة الأمريكية» إلى أن طفرة مراكز البيانات قد تخلق نحو 4.7 مليون وظيفة إنشائية مؤقتة، في مقابل نحو 697 ألف وظيفة تشغيلية دائمة، وهو ما يعكس الفجوة الكبيرة بين الوظائف التي تنشأ خلال مرحلة الاستثمار والوظائف التي تستمر بعد بدء التشغيل.
وعند استبعاد هذه الوظائف المؤقتة، تبدو الصورة أكثر قتامة داخل القطاعات التي أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من عملياتها اليومية، مثل التسويق، والتصميم الجرافيكي، وخدمة العملاء، ومعالجة الوثائق، وتطوير البرمجيات.
فقد أظهرت بيانات «غولدمان ساكس» أن إعلانات تسريح الموظفين المرتبطة مباشرة باستخدام الذكاء الاصطناعي أدت إلى فقدان نحو 21.9 ألف وظيفة خلال شهر أبريل الماضي وحده، وهو أعلى رقم شهري يتم تسجيله منذ بدء تتبع هذه البيانات في عام 2023.
وبذلك ارتفع إجمالي الوظائف التي تم الاستغناء عنها بسبب الذكاء الاصطناعي إلى نحو 136 ألف وظيفة خلال السنوات الثلاث الماضية، في مؤشر يعكس تسارع اعتماد الشركات على الأتمتة في العديد من المهام التي كانت تعتمد سابقاً على العنصر البشري.
محور رئيسي
كما أصبحت القضية محوراً رئيسياً داخل مجالس إدارات الشركات الكبرى، إذ أظهرت البيانات أن نحو 24 % من شركات مؤشر «راسل 3000» ناقشت خلال نتائج الربع الأول من عام 2026 تأثير الذكاء الاصطناعي على العمالة، وهي نسبة تواصل ارتفاعها مع توسع استخدام هذه التقنيات.
وفي المقابل، تكشف البيانات اتجاهاً أكثر إثارة للقلق يتعلق بالشباب. فقد رصد خبراء «غولدمان ساكس» علاقة إيجابية بين ارتفاع معدلات تبني الذكاء الاصطناعي وزيادة البطالة بين العاملين الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً في عدد من القطاعات.
ورغم أن هذه العلاقة لم تتحول بعد إلى تغير هيكلي واضح في سوق العمل، فإنها أصبحت قوية بما يكفي لدفع الاقتصاديين إلى مراقبتها باعتبارها أحد أبرز المؤشرات التي قد تحدد مستقبل التوظيف خلال السنوات المقبلة.
وتستند هذه المخاوف إلى نتائج الدراسات الأكاديمية التي تشير إلى أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي ترفع إنتاجية الموظفين بنحو 23 % في المتوسط، فيما سجلت بعض الشركات مكاسب وصلت إلى 33 %.
قدرة على التماسك
ورغم هذه التحولات، لا يزال سوق العمل الأمريكي يحافظ على قدر من التماسك، إذ يتوقع اقتصاديون في بنك «يو بي إس» إضافة نحو 95 ألف وظيفة غير زراعية مع استقرار معدل البطالة عند نحو 4.33 %.
ويرى الخبراء أن التأثير الحقيقي للذكاء الاصطناعي لن يظهر بالضرورة في شكل ارتفاع حاد في البطالة، وإنما في تغيرات متواصلة بطبيعة الوظائف والمهارات المطلوبة، مع احتدام المنافسة بين المهن التي تختفي بفعل الأتمتة وتلك التي تخلقها الثورة التقنية.
وفي الوقت نفسه، تشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي إلى أن 19.5 % من المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي بالفعل في أنشطتها التشغيلية، بينما تتوقع 22.7 % منها تبني هذه التقنيات خلال الأشهر الستة المقبلة، مع توقعات بأن تمتد موجة الاعتماد إلى قطاعات التصنيع الكيميائي وصناعة المعدات الكهربائية.