الذكاء الفائق يقترب.. والبشر يخشون القرار
ماذا سيحدث للبشرية إذا نجحت في ابتكار ذكاء إلكتروني يفوق قدراتها العقلية؟ لم يعد السؤال مجرد مادة لأفلام الخيال العلمي، بل تحول إلى محور نقاش جدي بين باحثين وأكاديميين وفلاسفة وقادة أكبر شركات التكنولوجيا، وسط تزايد الاعتقاد بأن العالم قد يكون على بعد سنوات قليلة من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام.
وتنطلق النقاشات من افتراض أن التكنولوجيا ستتمكن مستقبلاً من مجاراة الإنسان في مختلف المهام المعرفية، لكن المرحلة الأكثر إثارة للجدل تبدأ بعد ذلك: ماذا لو استطاعت الآلات الأكثر ذكاءً تطوير آلات تتجاوزها بدورها، وصولاً إلى ذكاء فائق يفوق القدرات البشرية بدرجات يصعب تصورها؟
خليفة البشرية
يرى الباحث في الذكاء الاصطناعي دانيال فاجيلا أن الوصول إلى هذه المرحلة يجب أن يدفع البشرية إلى التفكير في ابتكار «خليفة جدير بها»، أي ذكاء ما بعد بشري يتمتع بقدرات وكفاءة وقيمة أخلاقية مرتفعة، إلى درجة تجعل البشر مستعدين للسماح له بالمساهمة في تحديد المسار المستقبلي للحياة.
ويعكس هذا الطرح تحولاً لافتاً في النقاش التقني؛ فبدلاً من التركيز فقط على كيفية جعل الذكاء الاصطناعي أكثر فائدة للإنسان، بدأ بعض الباحثين يناقشون عالماً تصبح فيه التكنولوجيا أكثر ذكاءً من صانعيها، وما إذا كان البشر سيحتفظون فيه بدورهم المركزي في اتخاذ القرارات.
وازداد انتشار هذه الأفكار مع ارتفاع ثقة بعض قادة الصناعة في إمكانية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، وتقليصهم الفترات الزمنية المتوقعة لتحقيقه من عقود إلى سنوات.
لحظة مفصلية
وفي الأسبوع الماضي، وصف السير ديميس هاسابيس، الشريك المؤسس لمختبر «جوجل ديب مايند»، المرحلة الحالية بأنها «لحظة مفصلية في تاريخ البشرية»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي العام بات قريباً.
وجاءت تصريحاته في مذكرة شرح فيها قراره الانتقال إلى منصب رئيس مجلس الإدارة والتركيز على هذه المهمة، مشيراً إلى أنه كرس حياته للعمل من أجل الوصول إلى الذكاء الاصطناعي العام، وأن إدارة هذه التكنولوجيا بصورة جيدة يمكن أن تفتح الباب أمام عصر جديد من الاكتشافات.
وتعكس تصريحات هاسابيس حجم التحول في رؤية بعض أبرز العاملين في القطاع؛ فالتكنولوجيا التي كانت قبل سنوات مشروعاً بعيد المدى أصبحت، في نظرهم، احتمالاً قريباً يستدعي التفكير منذ الآن في شكل العالم الذي ستنشئه.
حتمية تقنية
هذا الشعور بأن السباق لا يمكن إيقافه يثير قلق عدد من الباحثين، لأن القرارات المتعلقة بمستقبل الذكاء الاصطناعي لا تتخذ داخل عملية سياسية أو اجتماعية واسعة، بل تقودها بدرجة كبيرة الشركات التي تطور النماذج وتمتلك مراكز البيانات ورؤوس الأموال اللازمة لتشغيلها.
وتتخذ شركات التكنولوجيا قرارات يمكن أن تكون لها تداعيات عميقة على الوظائف والاقتصاد والتعليم والإعلام والبيئة وطريقة عمل المجتمعات، بينما يظل الجمهور في كثير من الأحيان متلقياً للتغييرات بدلاً من أن يكون مشاركاً في تحديد اتجاهها.
ويفسر ذلك جانباً من تصاعد الرفض الشعبي لبعض شركات التكنولوجيا ومشروعات الذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تنامي المخاوف بشأن فقدان الوظائف، واستهلاك الطاقة والموارد، واستخدام البيانات، وتركيز القوة الاقتصادية والتكنولوجية في أيدي عدد محدود من المؤسسات.
أسطورة الذكاء
لكن السؤال الأكثر جوهرية يظل: هل الذكاء الاصطناعي العام قريب فعلاً؟
معهد «إيه آي ناو»، وهو مؤسسة بحثية مستقلة، قدم العام الماضي نقداً حاداً للخطاب السائد حول الذكاء الاصطناعي العام، معتبراً أن المصطلح بات معرفاً بصورة فضفاضة إلى درجة تكاد تفقده معناه.
وأشار المعهد إلى أن كثيراً من باحثي الذكاء الاصطناعي لا يعتقدون أن الاستمرار في توسيع نماذج اللغة الكبيرة، مثل «تشات جي بي تي» و«كلود»، سيؤدي بالضرورة إلى ظهور ذكاء اصطناعي عام يماثل القدرات البشرية في مختلف المجالات.
وهذا الخلاف مهم، لأن جزءاً كبيراً من الاستثمارات الحالية يقوم على الاعتقاد بأن زيادة حجم النماذج والبيانات والقدرة الحاسوبية ستقود في النهاية إلى أنظمة أكثر قدرة، وصولاً إلى مستوى الذكاء العام.
سلطة الشركات
المشكلة لا تتعلق بصحة توقعات الوصول إلى الذكاء العام فقط، وإنما بمن يمتلك حق تحديد الأولويات. فالسماح لقادة مختبرات الذكاء الاصطناعي بالهيمنة على النقاش قد يؤدي إلى تهميش خبراء الاقتصاد والاجتماع والقانون والأخلاق والعمل والبيئة.
ويمتلك هؤلاء الخبراء رؤى ضرورية لفهم التأثير الحقيقي للتكنولوجيا في المجتمعات، لأن السؤال ليس فقط عما تستطيع الآلات فعله، بل عن كيفية استخدامها، ومن يستفيد منها، ومن يتحمل تكلفتها ومخاطرها.
ولهذا يحذر منتقدو السباق الحالي من اختزال المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المعقدة في حلول تقنية، أو افتراض أن بناء نظام أكثر ذكاءً سيؤدي تلقائياً إلى معالجة مشكلات الفقر أو التعليم أو الصحة أو عدم المساواة.
قوة الأفراد
وفي مواجهة المخاوف من تركيز القوة، طرح مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، تصوراً يقوم على منح الأفراد ما يسميه «الذكاء الفائق الشخصي»، بحيث يمتلك كل شخص أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة تساعده على تحقيق أهدافه بدلاً من احتكار المؤسسات الكبرى لهذه القدرات.
ويرى زوكربيرغ أن منح الناس مزيداً من القوة يمثل وسيلة لضمان استمرار ارتباط التكنولوجيا بالقيم الإنسانية. ويحمل هذا التصور جاذبية واضحة، لأن توزيع القدرات التقنية على ملايين الأشخاص يبدو أكثر انفتاحاً من تركها في أيدي عدد محدود من الشركات.
لكن تمكين المستخدمين بالأدوات وحده لا يحل مشكلة الحوكمة، إذ تظل الشركات هي التي تطور النماذج وتضع قواعد تشغيلها وتتحكم في البنية الأساسية والبيانات والمنصات التي تصل التكنولوجيا من خلالها إلى الجمهور.
حوكمة المستقبل
لذلك تتزايد الدعوات إلى توسيع دائرة المشاركين في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي لتشمل منظمات المجتمع المدني والسياسيين المنتخبين والنقابات والجهات التنظيمية والأكاديميين، بدلاً من ترك القرارات المصيرية لمختبرات التكنولوجيا وحدها.
ولا يعني ذلك بالضرورة إبطاء الابتكار أو منع تطوير الأنظمة الأكثر تقدماً، وإنما إيجاد توازن بين الابتكار والمساءلة، ووضع قواعد تحدد المسؤولية عن الأضرار وتحمي الوظائف والخصوصية وتضمن قدراً أكبر من الشفافية.
وحتى شركات الذكاء الاصطناعي نفسها باتت أكثر إدراكاً للحاجة إلى الانخراط مع الحكومات والمجتمع، خصوصاً مع تزايد القلق الشعبي من سرعة التحولات التي تحدثها التكنولوجيا.
وقد تكون الفوائد الاقتصادية والعلمية للذكاء الاصطناعي هائلة بالفعل، بدءاً من تسريع الاكتشافات العلمية وصولاً إلى زيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات، لكن كثيراً من الوعود الكبرى لا يزال بحاجة إلى إثبات عملي واسع.
البشر يريدون دوراً بمستقبلهم التقني
القضية في النهاية لا تتعلق فقط بموعد وصول الذكاء الاصطناعي العام، وإنما بمن سيقرر شكل العالم إذا وصلنا إليه. فشركات التكنولوجيا تدفع بقوة نحو مستقبل لم تجرِ مناقشة تفاصيله اجتماعياً وسياسياً بصورة تتناسب مع حجم التحول المتوقع، بينما يشعر جزء متزايد من الجمهور بأن القرارات تسبق قدرته على فهمها أو التأثير فيها.
وإذا كان الذكاء الاصطناعي سيغير الاقتصاد والعمل والمعرفة وربما علاقة الإنسان بالتكنولوجيا بصورة جذرية، فإن المجتمع لا يستطيع أن يبقى مجرد راكب في المقعد الخلفي. فالتحدي الحقيقي ليس فقط ابتكار آلة أكثر ذكاءً من البشر، بل ضمان احتفاظ البشر بالقدرة على تقرير كيف ولماذا وأين تستخدم هذه القوة، ومن يحدد الوجهة التي تقود إليها.