الذهب يتراجع مع قفزة عوائد السندات الأميركية
تراجعت أسعار الذهب،الثلاثاء، بعد جلستين متتاليتين من الارتفاع، مع تعرض المعدن النفيس لضغوط من صعود أسعار النفط وعوائد سندات الخزانة الأميركية، في ظل توقعات باستمرار أزمة الشرق الأوسط وما قد يترتب عليها من زيادة الضغوط التضخمية.
وانخفض الـذهـب فـي المعامـلات الفوريـة 0.5 % إلى 4391.77 دولار للأوقية بحلول الساعة 09:15 بتوقيت غرينتش، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر 0.6 % إلى 4447.30 دولار.
ويأتي الانخفاض بعد مكاسب قوية دفعت المعدن الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوياته منذ الخامس من يونيو، مستفيداً من تغير توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأميركية بعد صدور مجموعة من البيانات الاقتصادية التي أظهرت مؤشرات على ضعف الاقتصاد.
وقال المحلل المستقل روس نورمان إن الذهب يشهد عملية تصحيح بفعل مجموعة من العوامل التقليدية الضاغطة، إلى جانب عمليات جني الأرباح التي أعقبت المكاسب القوية الأخيرة.
ورغم أن الذهب يستفيد عادة من أوقات عدم اليقين الجيوسياسي والاقتصادي باعتباره من أصول الملاذ الآمن، فإن المشهد الحالي أكثر تعقيداً، لأن استمرار الصراع في الشرق الأوسط يدفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع، وبالتالي يزيد مخاطر التضخم ويرفع عوائد السندات والدولار، وهي عوامل تضغط على المعدن النفيس.
ضغوط التضخم
واصلت أسعار النفط ارتفاعها لتبلغ أعلى مستوياتها في أكثر من أسبوعين، مع تراجع الآمال في التوصل إلى تسوية دائمة للصراع بين الولايات المتحدة وإيران. وأعلنت طهران تحولها إلى وضع عسكري «هجومي بالكامل» بسبب تعثر الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، بينما استبعدت واشنطن تمديد اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار.
ويخشى المستثمرون أن يؤدي استمرار أسعار الطاقة المرتفعة إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية، ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول.
وقال نورمان إن استمرار أزمة الشرق الأوسط سيغذي احتمالات ارتفاع التضخم، وبالتالي يدعم قوة الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، وهو ما يشكل ضغطاً مباشراً على أسعار الذهب.
وتسارعت بالفعل عمليات البيع في سوق سندات الخزانة الأميركية، لتدفع عوائد السندات لأجل 30 عاماً إلى أعلى مستوياتها منذ ما يقرب من عقدين.
ويؤثر ارتفاع العوائد سلباً في الذهب، لأن المعدن لا يقدم عائداً لحائزيه، وبالتالي تصبح السندات أكثر جاذبية للمستثمرين عندما ترتفع عوائدها. كما أن ارتفاع أسعار الفائدة أو توقع استمرارها عند مستويات مرتفعة يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب.
ومع ذلك، تبقى الضبابية الجيوسياسية عاملاً داعماً للمعدن، ما يخلق حالة من التجاذب بين الطلب عليه كملاذ آمن والضغوط الناتجة عن صعود العوائد والدولار.
وكان الذهب قد وصل الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوى منذ الخامس من يونيو، بعدما تغيرت توقعات الأسواق بشأن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي في سبتمبر، وأصبحت تشير إلى احتمال يقارب 66 % للإبقاء على سعر الفائدة دون تغيير.
وجاء هذا التحول بعدما أظهرت البيانات خسائر غير متوقعة في الوظائف الأميركية خلال يوليو، إلى جانب تضخم في أسعار المستهلكين دون التوقعات وضعف مبيعات التجزئة، وهي مؤشرات عززت الرهانات على عدم تشديد السياسة النقدية.
ترقب الفيدرالي
ينصب اهتمام المستثمرين حالياً على محضر أحدث اجتماع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، المقرر صدوره الأربعاء، بحثاً عن مؤشرات أوضح بشأن موقف صناع السياسة النقدية من التضخم والفائدة خلال الفترة المقبلة.
وسيحاول المتعاملون تحديد مدى قلق مسؤولي البنك المركزي من تأثير ارتفاع أسعار الطاقة في التضخم، وما إذا كان ذلك قد يدفعهم إلى تبني موقف أكثر تشدداً بشأن أسعار الفائدة.
وأي إشارات إلى إمكانية استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول قد تزيد الضغوط على الذهب من خلال دعم الدولار وعوائد السندات، بينما يمكن لموقف أكثر ميلاً إلى التيسير أن يعيد الدعم إلى المعدن النفيس.
ويرى نورمان أن من السابق لأوانه التأكيد على استئناف المعنويات الإيجابية في سوق الذهب، لكنه أشار إلى وجود مؤشرات مشجعة للمراهنين على ارتفاع الأسعار، متوقعاً عودة موجة الصعود الهيكلية التي بدأت في 2022 بمجرد تحسن إمدادات النفط.
ويعني ذلك أن مسار الذهب سيظل مرتبطاً خلال الفترة المقبلة بعاملين متعارضين: تطورات الشرق الأوسط التي تدعم الطلب على الملاذات الآمنة، وتداعيات ارتفاع النفط على التضخم والفائدة وعوائد السندات.
وامتدت الخسائر إلى المعادن النفيسة الأخـرى، إذ تراجعت الفضة في المعاملات الفورية 1.3 % إلى 64.94 دولار للأوقية، بينما انخفض البلاتين 1.5 % إلى 1742.70 دولار، وهبط البلاديوم بالنسبة نفسها إلى 1313.96 دولار.
الذهب بين التضخم والفائدة المرتفعة
تضع التطورات الحالية الذهب أمام معادلة غير معتادة، إذ يفترض أن تدعم أزمة الشرق الأوسط المعدن باعتباره ملاذاً آمناً، لكن ارتفاع النفط الناتج عن الأزمة نفسها يزيد مخاطر التضخم ويدفع عوائد السندات إلى مستويات مرتفعة، ما يقلص جاذبيته الاستثمارية. وبعد وصول الذهب الأسبوع الماضي إلى أعلى مستوياته منذ الخامس من يونيو، تبدو خسائر الثلاثاء أقرب إلى تصحيح مدفوع بجني الأرباح وصعود العوائد. وسيكون محضر الاحتياطي الفيدرالي المحطة التالية للأسواق، إذ قد تحدد إشاراته بشأن التضخم والفائدة ما إذا كان الذهب سيستعيد موجة الصعود أم سيواجه مزيداً من الضغوط خلال الفترة المقبلة.