الذهب يتمسك بحاجز 4000 دولار للأونصة
تواجه أسعار الذهب ضغوطاً بيعية متزايدة مع صعود عوائد سندات الخزانة الأميركية وارتفاع توقعات تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة، في وقت تجاوزت فيه احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة خلال اجتماعه في أكتوبر حاجز 70 %. ورغم هذه الضغوط، لا تزال مشتريات البنوك المركزية، وفي مقدمتها الصين، توفر دعماً للمعدن الأصفر وتحد من احتمالات تسجيل تراجعات حادة، فيما تترقب الأسواق بيانات سوق العمل الأميركية باعتبارها عاملاً رئيسياً في تحديد الاتجاه التالي للسياسة النقدية وأسعار الذهب.
ضغوط الفائدة
ويأتي الضغط الحالي على الذهب في ظل تغير توقعات المستثمرين تجاه مسار أسعار الفائدة الأميركية، بعدما تجاوزت احتمالات رفع الفائدة في أكتوبر مستوى 70 %، ما يزيد جاذبية الأصول التي توفر عائداً ويضع المعدن الأصفر في موقف أكثر صعوبة على المدى القصير.
وعادة ما تكتسب تحركات أسعار الفائدة أهمية كبيرة بالنسبة إلى الذهب، باعتباره أصلاً لا يوفر عائداً دورياً لحائزيه، ولذلك يؤدي ارتفاع العائد المتاح على السندات إلى زيادة تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس، ما قد يدفع جزءاً من المستثمرين إلى إعادة توزيع محافظهم باتجاه أدوات الدخل الثابت.
ويتعرض الذهب في الوقت نفسه لضغوط ناتجة عن صعود عوائد سندات الخزانة الأميركية، الأمر الذي يزيد المنافسة بين المعدن النفيس والأصول ذات العائد. وكلما استمرت العوائد عند مستويات مرتفعة، زادت الضغوط على الذهب، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تعزيز الأسواق رهاناتها على تشديد السياسة النقدية.
لكن ارتفاع احتمالات رفع الفائدة لا يعني أن المسار أصبح محسوماً، إذ تظل توقعات المستثمرين شديدة الحساسية للبيانات الاقتصادية الأميركية المقبلة. وأي تغير ملموس في مؤشرات الاقتصاد أو سوق العمل يمكن أن يعيد تسعير توقعات الفائدة سريعاً، وهو ما ينعكس بدوره على حركة الذهب وعوائد السندات.
ومن هنا، تدخل سوق الذهب مرحلة ترتبط فيها التحركات اليومية بدرجة كبيرة بإعادة تقييم المستثمرين للخطوة المقبلة من مجلس الاحتياطي الفيدرالي، بعدما أصبح اجتماع أكتوبر نقطة محورية في حسابات الأسواق.
وتتجه الأنظار بصورة خاصة إلى بيانات الوظائف غير الزراعية ومؤشرات سوق العمل الأميركية، التي يُنتظر أن تلعب دوراً مهماً في تحديد المسار النهائي للفائدة خلال الاجتماع المقبل. وستوفر هذه البيانات صورة أحدث عن قدرة الاقتصاد الأميركي على مواصلة النمو وعن مدى استمرار قوة الطلب على العمالة.
وتكتسب أرقام الوظائف أهمية كبيرة في قرارات السياسة النقدية، إذ تراقب الأسواق مدى قوة سوق العمل بالتوازي مع تحركات الأسعار. وبالتالي، فإن البيانات المقبلة قد تعزز توقعات رفع الفائدة أو تدفع المستثمرين إلى تقليصها، وهو ما يجعلها عاملاً رئيسياً في تحديد الاتجاه قصير الأجل للذهب.
وفي حال جاءت بيانات سوق العمل قوية بما يدعم سيناريو تشديد السياسة النقدية، فقد تظل عوائد السندات مرتفعة وتستمر الضغوط البيعية على المعدن الأصفر. وفي الاتجاه المقابل، فإن بيانات أضعف قد تؤدي إلى إعادة تقييم توقعات الفائدة وتخفيف جانب من الضغوط الحالية.
ويضع ذلك الذهب أمام مرحلة شديدة الحساسية للبيانات، إذ لا تتحرك الأسعار وفق عوامل العرض والطلب في سوق المعدن وحدها، وإنما تتأثر أيضاً بتغير توقعات السياسة النقدية وتحركات أسواق السندات.
ولهذا سيظل مسار الفائدة الأميركية العامل الأكثر حضوراً في تحركات الذهب خلال الفترة القصيرة المقبلة، خصوصاً مع وصول احتمالات رفعها في أكتوبر إلى مستويات مرتفعة، فيما ينتظر المستثمرون أدلة اقتصادية إضافية قبل حسم رهاناتهم.
دعم مركزي
وعلى الجانب الآخر من المعادلة، تستمر مشتريات البنوك المركزية في توفير عنصر دعم مهم لأسعار الذهب، بما يساعد المعدن على مواجهة الضغوط الناتجة عن ارتفاع العوائد وتوقعات رفع أسعار الفائدة.
وتبرز الصين في مقدمة البنوك المركزية الداعمة للطلب على المعدن، وهو ما يوفر قاعدة من المشتريات تختلف في طبيعتها عن التدفقات الاستثمارية قصيرة الأجل التي يمكن أن تتغير سريعاً استجابة لتحركات أسعار الفائدة أو السندات.
ويكتسب الطلب الصادر عن البنوك المركزية أهمية أكبر عندما تتعرض السوق لموجات بيع مرتبطة بعوامل نقدية، إذ يمكن أن يسهم استمرار المشتريات في الحد من حدة التراجعات ومنح الأسعار مستويات دعم إضافية.
وبذلك يجد الذهب نفسه بين قوتين متعارضتين؛ فمن ناحية تضغط توقعات رفع الفائدة وصعود عوائد السندات على الأسعار، ومن ناحية أخرى توفر مشتريات البنوك المركزية دعماً للسوق، ما يجعل اتجاه المعدن مرهوناً بمدى تفوق أحد العاملين على الآخر خلال الفترة المقبلة.
الذهب يترقب قرار الفائدة
ورغم الضغوط البيعية الحالية، تشير التقديرات الواردة إلى استبعاد كسر الذهب مستوى 4000 دولار للأونصة، في ظل استمرار الدعم القادم من مشتريات البنوك المركزية. لكن قدرة المعدن على استعادة الزخم ستظل مرتبطة بما تكشف عنه بيانات الوظائف وسوق العمل الأميركية، وما إذا كانت ستدعم الاحتمالات التي تجاوزت 70 % لرفع الفائدة في أكتوبر أم ستعيد تغيير حسابات الأسواق. وحتى تتضح هذه الصورة، سيظل الذهب عالقاً بين ضغط العوائد المرتفعة وقوة الطلب الرسمي الذي يوفر له خط دفاع أمام موجات البيع.