الذهب يرتد بعد قاع سبعة أسابيع
استعاد الذهب جزءاً من خسائره خلال تعاملات الثلاثاء، بعدما لامس في الجلسة السابقة أدنى مستوياته في أكثر من سبعة أسابيع، وسط محاولة المستثمرين الموازنة بين التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وتصاعد التوقعات ببقاء السياسة النقدية الأميركية متشددة. وارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.7 % إلى 4143.87 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 07:08 بتوقيت جرينتش، بعدما هبط إلى أدنى مستوى منذ الخامس من أغسطس، بينما انخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب 0.2 % إلى 4175.10 دولاراً. ويعكس التباين بين السوق الفورية والعقود الآجلة حالة الحذر التي تسيطر على المتعاملين، مع ترقب سلسلة من البيانات الأميركية المهمة خلال الأسبوع، في وقت يزيد ارتفاع النفط مخاطر التضخم ويدفع عوائد السندات إلى مستويات تشكل منافسة مباشرة للمعدن الذي لا يدر عائداً.
رهانات الفائدة
وتظل أسعار الفائدة العامل الأكثر تأثيراً في اتجاه الذهب خلال المرحلة الحالية، بعدما ارتفعت توقعات المستثمرين بإقدام مجلس الاحتياطي الاتحادي على تشديد السياسة النقدية مجدداً. وتشير أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي.إم.إي» إلى أن الأسواق تسعّـر احتمالاً يبلـغ 70.3 % لرفع الفائدة في أكتوبر، مقارنـة بـ57.6 % قبل أسبوع، في تحول واضح يعكس تنامي القلق من استمرار ضغوط الأسعار. ويشكل ذلك تحدياً للذهب، لأن ارتفاع أسعار الفائدة وعوائد سندات الخزانة يزيد جاذبية الأصول التي تمنح المستثمرين عائداً، ويرفع في الوقت نفسه تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالمعدن النفيس. وقالت عضو مجلس الاحتياطي الاتحادي ليسا كوك إنها تتوقع استمرار الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة بفعل الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي وارتفاع أسعار النفط، لكنها لم تصل إلى حد القول إن مواصلة رفع الفائدة أصبحت ضرورية. ويضع هذا الموقف المستثمرين أمام معادلة دقيقة؛ فكل قراءة اقتصادية تشير إلى قوة الطلب أو استمرار التضخم يمكن أن تعزز توقعات التشديد النقدي وتضغط على الذهب، بينما قد تؤدي مؤشرات تباطؤ الاقتصاد أو الأسعار إلى تراجع العوائد ومنح المعدن دعماً جديداً. ولذلك يترقب المتعاملون بيانات ثقة المستهلك وفرص العمل الأميركية، إلى جانب تقرير «إيه.دي.بي» للتوظيف ومؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي وبيانات الوظائف غير الزراعية، لما تحمله جميعها من إشارات مهمة بشأن الخطوة التالية للبنك المركزي.
معادلة النفط
ويضيف ارتفاع أسعار النفط طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد، إذ صعد الخام للجلسة الثانية على التوالي مع استمرار المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط. ومن الناحية التقليدية، يمكن للتوترات الجيوسياسية أن تدعم الذهب باعتباره ملاذاً آمناً، لكن تأثيرها الحالي أكثر تعقيداً، لأن ارتفاع النفط الناتج عنها يهدد بتسريع التضخم، ومن ثم إبقاء أسعار الفائدة وعوائد السندات مرتفعة. وقال كريستوفر طاهر، محلل الأسواق لدى «إكسنيس»، إن التطورات الجيوسياسية ستظل مهمة بالنسبة إلى الذهب، موضحاً أن استمرار التوتر يمكن أن يبقي أسعار الطاقة والعوائد مرتفعة، في حين قد يؤدي إحراز تقدم ملموس نحو التهدئة إلى تخفيف الضغوط. ويأتي ذلك في وقت أجرى فيه مسؤولون من الولايات المتحدة وإيران محادثات منفصلة مع وسطاء ضمن مساع لإنهاء الحرب المستمرة منذ سبعة أشهر. وتبدو المفارقة هنا واضحة؛ فتصاعد المخاطر قد يزيد الطلب الدفاعي على الذهب، لكنه في الوقت نفسه يرفع النفط والتضخم والعوائد، وهي عوامل تعمل في الاتجاه المعاكس. ولذلك أصبحت استجابة المعدن للأحداث الجيوسياسية مرتبطة بدرجة أكبر بتأثير تلك الأحداث على الطاقة والسياسة النقدية، وليس فقط بالطلب التقليدي على الملاذات الآمنة.
معادن متراجعة
ولم يمتد ارتداد الذهب إلى بقية المعادن النفيسة، إذ انخفضت الفضة في المعاملات الفورية 0.1 % إلى 60.91 دولاراً للأوقية، وتراجع البلاتين 1 % إلى 1700.40 دولار، فيما هبط البلاديوم 0.4 % إلى 1209.29 دولار. ويشير هذا التباين إلى أن المستثمرين يتعاملون بصورة انتقائية مع المعادن، في ظل اختلاف العوامل التي تحرك الطلب على كل منها بين الاستثمار والاستخدام الصناعي. وفي المقابل، يرى بنك «سيتي» أن تدفقات الاستثمار مرشحة للاستمرار في دعم سوق معادن مجموعة البلاتين مع استقرار العوامل الأساسية. أما الذهب، فيبقى أكثر ارتباطاً بالتحولات في الدولار والعوائد وتوقعات السياسة النقدية، وهي عوامل يمكن أن تؤدي إلى تحركات حادة مع صدور البيانات الأميركية المنتظرة.
الذهب بين التضخم والفائدة
وتدخل سوق الذهب الأيام المقبلة أمام اختبار حاسم تحدده البيانات الأميركية أكثر من أي عامل آخر، بعدما أصبحت توقعات رفع الفائدة في أكتوبر عند 70.3 %. فإذا أظهرت بيانات الوظائف والإنفاق والتضخم استمرار قوة الاقتصاد وضغوط الأسعار، فقد تتعزز رهانات التشديد النقدي وترتفع عوائد السندات، ما يعرض الذهب لمزيد من الضغوط بعد هبوطه إلى قاع سبعة أسابيع. أما ظهور مؤشرات على تباطؤ سوق العمل أو تراجع التضخم فقد يقلص توقعات رفع الفائدة ويوفر دعماً للمعدن الأصفر. وبين المسارين، ستظل أسعار النفط وتطورات الشرق الأوسط عاملاً إضافياً في تحديد الاتجاه؛ إذ إن استمرار الخام مرتفعاً قد يبقي مخاوف التضخم حاضرة، بينما يمكن لأي تهدئة تقلص أسعار الطاقة أن تغير حسابات الفائدة والعوائد. وبذلك يجد الذهب نفسه بين دعم تقليدي مصدره المخاطر الجيوسياسية وضغط نقدي مصدره العوائد المرتفعة، ما يجعل البيانات المقبلة العامل المرجح لاتجاه الأسعار.