الذهب يستعيد بريقه ويقترب من 4200 دولار
استعادت أسعار الذهب زخمها الصعودي خلال تعاملات الخميس، بعدما ارتفعت بأكثر من 1%، متعافية من أدنى مستوياتها في أسبوع، مستفيدة من تراجع الدولار الأميركي وتخفيف المخاوف بشأن اتجاه السياسة النقدية، رغم بيانات التضخم المرتفعة التي عززت احتمالات استئناف مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة خلال الشهر الجاري.
وجاء الانتعاش في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية حالة من الترقب بشأن مستقبل أسعار الفائدة الأميركية، وسط استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف الطاقة، بالتزامن مع اضطرابات أسهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ما عزز الاهتمام بالذهب باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من المخاطر الاقتصادية والمالية.
انتعاش الأسعار
وارتفع الذهب في المعاملات الفوريـة بنسبـة 1.3 % ليصل إلى 4158.63 دولار للأوقية، بعدما سجل خلال جلسة الأربعاء أدنى مستوياته منذ السابع من أكتوبر، في انعكاس سريع لاتجاه الأسعار عقب موجة الضغوط التي شهدها المعدن النفيس.
كما صعدت العقود الأميركية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بنسبة 1.8 % إلى 4180 دولاراً للأوقية، متفوقة في أدائها على الأسعار الفورية، وسط استمرار اهتمام المستثمرين بتوقعات حركة المعدن خلال الأشهر المقبلة.
وامتدت المكاسب إلى المعادن النفيسة الأخرى، إذ ارتفعت الفضة بنسبة 1.1 % لتصل إلى 56.26 دولار للأوقية، فيما صعد البلاتين بنسبة 0.3 % إلى 1611.15 دولار، وزاد البـلاديوم بنسبــة 1.3 % مسجلاً 1107.83 دولارات.
ويعكس صعود المعادن النفيسة بالتزامن مع تراجع الدولار تحسن جاذبيتها للمستثمرين من حائزي العملات الأخرى، إذ يؤدي انخفاض العملة الأميركية عادة إلى تقليل التكلفة النسبية لشراء الذهب والمعادن المسعرة بالدولار.
وساهمت تصريحات لبعض مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي في تخفيف التأثير السلبي لبيانات التضخم، بعدما قلصت المخاوف من تشديد نقدي أكثر حدة، ما انعكس على حركة الدولار وأتاح للذهب فرصة استعادة جزء من خسائره.
صمود تاريخي
وقال خالد الخطيب، رئيس قسم تحليل الأسواق العالمية في «MH Market»، إن اللافت في أداء الذهب خلال الفترة الأخيرة يتمثل في قدرته على الصمود فوق مستوى 4000 دولار، رغم ارتفاع التضخم الأميركي والتضخم الأساسي وتزايد توقعات تبني الاحتياطي الفيدرالي سياسة نقدية أكثر تشدداً.
وأوضح، في مقابلة مع «العربية Business»، أن استمرار تداول الذهب فوق هذا المستوى يعكس قوة الطلب على المعدن النفيس، بالتزامن مع بدء انتقال تأثير أسعار النفط المرتفعة إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.
وأشار إلى أن الارتداد الأخير جاء مدفوعاً بتصريحات بعض أعضاء الاحتياطي الفيدرالي، التي ساعدت على تهدئة المخاوف بشأن مسار الفائدة، وأدت إلى تراجع الدولار، ما وفر دعماً مباشراً لأسعار الذهب.
وتوقع الخطيب استمرار تحرك المعدن الأصفر خلال الفترة القريبة ضمن نطاق يتراوح بين 4100 و4200 دولار للأوقية، في انتظار بيانات اقتصادية جديدة قد تمنح المستثمرين رؤية أوضح بشأن اتجاه الأسعار.
وتبرز بيانات مؤشر أسعار المنتجين الأميركي باعتبارها أحد العوامل التي قد تؤثر على توقعات التضخم، وبالتالي على احتمالات رفع الفائدة، خصوصاً إذا أظهرت استمرار انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات.
ورغم أن ارتفاع عوائد السندات الأميركية يمثل عادة عاملاً سلبياً للذهب، باعتباره أصلاً لا يدر عائداً، فإن الخطيب أشار إلى أن زيادة تكلفة الاقتراض قد تعزز في المقابل المخاوف بشأن الديون الأميركية، ما يدعم الطلب على المعدن بوصفه أداة للتحوط.
سيناريوهات الصعود
ورجح الخطيب استمرار الاتجاه الصعودي للذهب على المدى الطويل، رغم احتمالات تعرضه لتقلبات خلال الأشهر المقبلة نتيجة استمرار التضخم وارتفاع عوائد السندات.
ولم يستبعد وصول الأسعار إلى مستوى 5000 دولار للأوقية خلال عام 2027، إذا تزامنت مجموعة من العوامل الداعمة، أبرزها تصاعد المخاوف المرتبطة بالديون الأميركية وتكاليف الاقتراض واستمرار الاضطرابات في أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.
وأوضح أن بلوغ هذا المستوى يتطلب تجاوز الذهب محطات سعرية مهمة، تبدأ باختراق مستوى 4500 دولار، ثم الوصول إلى 4800 دولار، قبل إمكانية استهداف الحاجز النفسي البالغ 5000 دولار.
وفي المقابل، حذر من أن استمرار ارتفاع التضخم أو أسعار النفط قد يدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى مزيد من التشدد، ما قد يضغط على الذهب ويؤدي إلى تراجعه دون مستوى 4000 دولار.
وأشار إلى أن كسر هذا المستوى قد يفتح المجال أمام انخفاض الأسعار باتجاه 3700 دولار، قبل احتمال استئناف الاتجاه الصعودي، ما يعكس اتساع نطاق السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة.
الذهب يواجه اختبار الفائدة
وتضع التطورات الأخيرة الذهب أمام معادلة معقدة، إذ يستفيد من ضعف الدولار والمخاوف الاقتصادية، لكنه يواجه ضغوطاً محتملة من ارتفاع عوائد السندات واستمرار التشديد النقدي الأميركي.
ويرى الخطيب أن المنطقة الواقعة بين 3950 و4000 دولار قد تمثل مستويات شراء مناسبة للمستثمرين طويلي الأجل القادرين على تحمل التقلبات، مع التأكيد أن استمرار الصعود ليس مضموناً.
وفي ظل هذه المعطيات، ستظل بيانات التضخم وتحركات الدولار وعوائد السندات وقرارات الاحتياطي الفيدرالي عوامل حاسمة في تحديد اتجاه الذهب، بينما يبقى مستوى 4000 دولار محوراً رئيسياً لتقييم قوة السوق، وسط توقعات متباينة بين تصحيح سعري محتمل واستمرار المسار الصعودي نحو مستويات قياسية جديدة.