الذهب يفقد حصانته.. ويواجه أسبوعاً من الخسائر
تعرضت أسعار الذهب لموجة بيع حادة خلال الأسبوع، بعدما تحولت قفزة أسعار الطاقة إلى مصدر ضغط على المعدن النفيس، في مفارقة اقتصادية تعكس تغير أولويات المستثمرين بين البحث عن الملاذات الآمنة والخوف من استمرار التضخم وتشديد السياسة النقدية الأميركية. ورغم تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تمنح الذهب عادة دعماً قوياً، فإن ارتفاع النفط أعاد المخاوف بشأن مسار أسعار الفائدة إلى الواجهة، ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم تكلفة الاحتفاظ بالمعدن الذي لا يدر عائداً.
وانخفض الذهب في التعاملات الفورية بنسبة 4.06 % خلال الأسبوع، ليصل إلى 3995.52 دولار للأونصة، مسجلاً أسوأ أداء أسبوعي منذ يونيو الماضي، بينما تراجعت العقود الأميركية الآجلة تسليم ديسمبر بنسبة 4.09 % إلى 4010 دولارات للأونصة.
وتكشف هذه الخسائر عن تحول مهم في سلوك الأسواق، إذ لم تعد المخاطر الجيوسياسية وحدها كافية لدفع الذهب إلى الارتفاع، بعدما أصبحت توقعات التضخم والفائدة وتحركات السيولة عوامل أكثر تأثيراً في تحديد اتجاه الأسعار.
مفارقة الطاقة
شكل ارتفاع أسعار النفط أحد أبرز أسباب الضغط على الذهب، رغم أن التوترات التي تدفع أسعار الخام للصعود غالباً ما تعزز الطلب على الأصول الآمنة.
وتكمن المفارقة في أن زيادة تكاليف الطاقة قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار النقل والإنتاج والسلع، بما يزيد مخاطر استمرار التضخم لفترة أطول من المتوقع. وعندما تتزايد هذه المخاطر، ترتفع احتمالات إبقاء الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة أو اللجوء إلى تشديد إضافي إذا استدعت الظروف الاقتصادية ذلك.
ويضع هذا السيناريو الذهب أمام تحدٍ مزدوج؛ فمن جهة، تدعم الاضطرابات الجيوسياسية جاذبيته باعتباره وسيلة للتحوط، ومن جهة أخرى، تؤدي توقعات الفائدة المرتفعة إلى تعزيز جاذبية السندات والأصول المدرة للدخل.
ولهذا، فإن العلاقة بين النفط والذهب ليست إيجابية بصورة دائمة، إذ تتوقف على طبيعة الصدمة الاقتصادية وكيفية استجابة البنوك المركزية لها.
تكلفة الاحتفاظ
يتعرض الذهب لضغوط عندما ترتفع عوائد السندات، لأن المستثمر يستطيع الحصول على دخل من أدوات الدين، بينما يعتمد العائد من المعدن النفيس على ارتفاع سعره عند البيع.
ومع زيادة توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية، ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، خصوصاً لدى المؤسسات التي تدير محافظ كبيرة وتقارن باستمرار بين عوائد الأصول المختلفة.
وتزداد حساسية السوق لهذه التحولات عندما تكون أسعار الذهب مرتفعة بالفعل، إذ قد تدفع التغيرات المحدودة في توقعات الفائدة بعض المستثمرين إلى جني الأرباح أو تقليص انكشافهم على المعدن.
ولا يعني ذلك أن الذهب يفقد دوره باعتباره مخزناً للقيمة على المدى الطويل، لكنه يوضح أن أداءه قصير الأجل يتأثر بالسيولة والعوائد الحقيقية وتوقعات السياسة النقدية، وليس بالمخاطر السياسية وحدها.
ضغوط السيولة
أضاف تراجع أسهم التكنولوجيا مصدراً آخر للضغط على سوق الذهب، بعدما اضطر بعض المستثمرين إلى بيع أصول سائلة لتغطية متطلبات الهامش المرتبطة بمراكزهم الاستثمارية.
وتحدث هذه العمليات عندما تتراجع قيمة الاستثمارات الممولة بالاقتراض، فتطالب شركات الوساطة المستثمرين بتقديم ضمانات إضافية أو تقليص مراكزهم. وفي مثل هذه الظروف، قد يبيع المستثمر الذهب ليس بسبب تغير نظرته إلى قيمته، وإنما للحصول على سيولة عاجلة.
وتفسر هذه الآلية سبب تعرض الملاذات الآمنة أحياناً لخسائر متزامنة مع انخفاض الأسهم، رغم أن العلاقة التقليدية بينهما قد توحي بتحركهما في اتجاهين متعاكسين.
كما أن تزايد عمليات البيع لتغطية المراكز يمكن أن يضاعف التقلبات، خصوصاً إذا تزامن مع جني الأرباح وتراجع شهية المخاطرة في الأسواق العالمية.
الملاذ الآمن أمام اختبار جديد
تكشف خسائر الذهب الأسبوعية أن الأسواق دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، لم يعد فيها تصاعد التوترات الجيوسياسية ضمانة لتحقيق مكاسب للمعدن النفيس، خصوصاً عندما تتزامن هذه التوترات مع ارتفاع أسعار النفط ومخاوف التضخم.
وسيظل اتجاه الذهب خلال الفترة المقبلة مرتبطاً بمدى استمرار صعود الطاقة، وتطور توقعات الفائدة الأميركية، وحجم الضغوط التي تتعرض لها أسواق الأسهم والسيولة.
فإذا تراجعت مخاوف التضخم وانخفضت توقعات العوائد، فقد يستعيد المعدن بعض جاذبيته الاستثمارية. أما استمرار ارتفاع النفط وتزايد احتمالات التشديد النقدي، فقد يبقيان الضغوط قائمة.
وبذلك، لا تعكس خسارة الذهب أكثر من 4 % خلال أسبوع تراجعاً في أهمية المعدن باعتباره ملاذاً آمناً، بقدر ما تكشف أن المستثمرين باتوا يمنحون تكلفة الأموال وتوقعات الفائدة وزناً أكبر عند تحديد وجهة استثماراتهم، حتى في أوقات الاضطرابات العالمية.