الذهب يفقد مكاسبه وسط اضطرابات الشرق الأوسط
تراجع سعر الذهب بشكل طفيف بنهاية تعاملات أمس الأربعاء، متأثراً بتغيرات أسواق الطاقة وتطورات التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط مع تكثيف إيران هجماتها على الناقلات في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات المائية لتجارة الطاقة العالمية.
وانخفض سعر المعدن النفيس بما يصل إلى 0.6 %، ليقترب من مستوى 4140 دولاراً للأونصة، متخلياً عن المكاسب التي سجلها بالنسبة نفسها خلال الجلسة السابقة، في ظل تباين العوامل المؤثرة في حركة الذهب بين ارتفاع الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة، وتراجع توقعات تشديد السياسة النقدية الأميركية.
وسجل الذهب الفوري انخفاضاً بنسبة 0.5% إلى 4142.59 دولار للأونصة، فيما تراجعت الفضة بنسبة 0.8 % إلى 60.85 دولار. كما انخفض كل من البلاتين والبلاديوم، بينما ارتفع مؤشر «بلومبرغ» الفوري للدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية، بنسبة 0.1 %.
هرمز يعيد رسم تحركات أسواق الطاقة
وجاء تراجع الذهب بالتزامن مع صعود أسعار النفط، في ظل تصاعد التوترات في مضيق هرمز خلال الأيام الماضية، بعدما كثفت إيران هجماتها على الناقلات العابرة للممر الملاحي الحيوي.
ويكتسب مضيق هرمز أهمية استثنائية بالنسبة لأسواق الطاقة، نظراً لدوره المحوري في حركة شحنات النفط والغاز، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة عبره عاملاً مؤثراً بصورة مباشرة في توقعات الإمدادات والأسعار العالمية.
ورغم تحسن تدفقات الطاقة عبر الممر خلال الفترة الأخيرة، فإن استمرار الهجمات يضيف حالة من عدم اليقين إلى الأسواق، خصوصاً مع تحذيرات مسؤولين بارزين في قطاع النفط من محدودية الحلول الاحتياطية المتاحة للتعامل مع تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، التي دخلت شهرها الثامن.
ويعني ذلك أن أسواق الطاقة لا تتعامل فقط مع التأثير المباشر لأي تعطلات في الإمدادات، وإنما تضع في الحسبان أيضاً قدرة المنتجين والمستهلكين على تعويض أي نقص محتمل إذا طال أمد الاضطرابات.
ارتفاع الطاقة يضغط على المعدن الأصفر
وعلى الرغم من أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تعزز الطلب على الذهب باعتباره أحد أبرز أصول الملاذ الآمن، فإن تأثيرها هذه المرة يبدو أكثر تعقيداً.
فارتفاع أسعار النفط والطاقة يرفع احتمالات زيادة الضغوط التضخمية عالمياً، وهو ما قد يدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول، أو حتى إعادة التفكير في مسار التيسير النقدي.
ويشكل ذلك تحدياً أمام الذهب، الذي لا يوفر عائداً دورياً لحائزيه، إذ تصبح تكلفة الاحتفاظ به أعلى نسبياً عندما ترتفع عوائد السندات وأسعار الفائدة على الأصول المنافسة.
ومنذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر فبراير، فقد الذهب أكثر من 20 % من قيمته، رغم استمرار حالة التوتر الجيوسياسي، في انعكاس واضح لتداخل تأثيرات التضخم والسياسة النقدية وأسواق العملات مع عامل الملاذ الآمن.
تراجع توقعات رفع الفائدة
يقدم دعماً للذهب
في المقابل، تلقى الذهب بعض الدعم من تراجع رهانات المستثمرين على رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال الفترة القريبة.
ومع تراجع عوائد السندات، قلل مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي من احتمالات اللجوء إلى زيادة وشيكة في أسعار الفائدة، بينما يسعّر المتعاملون حالياً احتمالاً يقل عن 20 % لرفع الفائدة خلال اجتماع أكتوبـر، مقارنة بنحو 40 % قبل أسبوع فقط.
ويمثل هذا التحول عاملاً إيجابياً للمعدن النفيس، إذ إن انخفاض احتمالات رفع الفائدة يخفف الضغوط على الذهب، ويحد من جاذبية أدوات الدخل الثابت مقارنة بالأصول التي لا تحقق عائداً، وفي مقدمتها الذهب.
وقال كريستوفر وونغ، استراتيجي الأسواق العالمية لدى «أوفرسي تشاينيز بانكينغ»، إن تراجع العوائد وفر قدراً من الدعم للذهب، لكنها لا تزال مرتفعة، فيما يظل المعدن النفيس يفتقر إلى محفز واضح يمكن أن يدفعه إلى صعود مستمر.
وتعكس هذه الرؤية طبيعة المرحلة الحالية في سوق الذهب، إذ لا تزال هناك عوامل داعمة للصعود، أبرزها التوترات الجيوسياسية وتوجه البنوك المركزية إلى تنويع الاحتياطيات، لكن في المقابل تستمر مستويات العوائد وقوة الدولار واحتمالات التضخم في الحد من قدرة المعدن على استعادة اتجاه صاعد قوي.
وتدخل أسواق الذهب مرحلة تتداخل فيها تأثيرات الحرب والطاقة والسياسة النقدية بصورة غير مسبوقة، مع استمرار التوترات في مضيق هرمز من جهة، وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية من جهة أخرى. وبينما تمنح حالة عدم اليقين الذهب دعماً باعتباره ملاذاً آمناً، فإن ارتفاع أسعار الطاقة واحتمالات التضخم يمثلان عائقاً أمام عودة المعدن إلى موجة صعود قوية، ما يرجح استمرار التقلبات إلى أن تتضح مسارات الحرب وأسعار النفط والسياسة النقدية الأميركية.