السعودية تحصّن تجارة العالم بمسارات بديلة
أكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن الاستثمارات التي نفذتها المملكة في تطوير مسارات بديلة للنقل والإمداد أثبتت أهميتها في ضمان استمرار تدفقات الطاقة والتجارة خلال الاضطرابات العالمية، مشدداً على أن بناء اقتصادات قادرة على مواجهة الأزمات يتطلب تنويع مصادر النمو وتعزيز البنية التحتية والمحافظة على هوامش مالية كافية للتعامل مع الصدمات المستقبلية.
وأوضح الجدعان، خلال مشاركته في الاجتماع الثالث لوزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة العشرين، المنعقد الخميس في العاصمة التايلاندية بانكوك تحت الرئاسة الأميركية، أن الاقتصاد العالمي أظهر قدرة ملحوظة على التكيف مع الاضطرابات المتكررة، إلا أن استمرار هذه القدرة يتطلب استثمارات وسياسات اقتصادية طويلة الأجل.
وأشار إلى أن المرونة الاقتصادية أصبحت عنصراً أساسياً في مواجهة حالة عدم اليقين، مؤكداً ضرورة فهم تكلفتها وآليات تمويلها والوسائل التي تتيح للدول تطوير قدراتها على الاستجابة للأزمات.
استثمارات استراتيجية
وشدد الجدعان على أن استثمارات السعودية في المسارات البديلة ساهمت في استمرار إمدادات الطاقة وحركة التجارة، رغم التحديات التي واجهت الممرات التقليدية خلال الفترة الماضية.
وتعكس هذه الاستثمارات أهمية تنويع شبكات النقل والإمداد، بما يحد من الاعتماد على مسارات محدودة قد تتعرض للتعطل نتيجة الصراعات الجيوسياسية أو الأزمات الاقتصادية.
كما تبرز دور البنية التحتية في حماية تدفقات السلع الأساسية، وتقليل احتمالات انتقال الاضطرابات اللوجستية إلى الأسواق المحلية والعالمية.
وأكد أن توفر مصادر طاقة موثوقة بأسعار مناسبة، إلى جانب استمرار تدفق السلع، يمثل عاملاً رئيسياً في الحد من الضغوط التضخمية وتخفيف الأعباء على الميزانيات الوطنية.
حماية النمو
وأوضح وزير المالية أن نجاح السياسات الاقتصادية لا يقاس فقط بقدرتها على احتواء التداعيات المباشرة للأزمات، بل أيضاً بمدى محافظتها على مقومات النمو والاستثمارات المستقبلية.
وأشار إلى أن الحكومات تواجه تحدياً يتمثل في تحقيق التوازن بين الاستجابة للاحتياجات العاجلة ومواصلة تنفيذ برامج التحول الاقتصادي طويلة المدى.
وأضاف أن إدارة الصدمات الممتدة تتطلب المحافظة على هوامش مالية تسمح بالتدخل عند الضرورة، مع تجنب استنزاف الموارد المتاحة خلال المراحل الأولى من الأزمات.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل تكرار الاضطرابات العالمية، التي قد تتداخل آثارها على التجارة والطاقة والأسعار والمالية العامة.
تنويع المخاطر
وأكد الجدعان أن تعزيز الصمود الاقتصادي يتطلب تقليل الانكشاف على المخاطر من خلال تنويع الأنشطة الاقتصادية، وتوطيد أمن الطاقة والغذاء، وتطوير سلاسل إمداد أكثر قدرة على مواجهة الاضطرابات.
وأشار إلى أن الاقتصادات التي تعتمد على مصادر محدودة للنمو أو على ممرات تجارية بعينها تصبح أكثر عرضة لتداعيات الأزمات الممتدة.
وفي المقابل، يساعد تنوع القطاعات الإنتاجية وتعدد مسارات الإمداد على توزيع المخاطر، بما يعزز قدرة الدول على المحافظة على النشاط الاقتصادي عند حدوث اضطرابات مفاجئة.
كما أن الاستثمار في البنية التحتية المرنة لا يقتصر أثره على أوقات الأزمات، بل يمكن أن يسهم في رفع كفاءة التجارة وتحسين قدرة الاقتصادات على المنافسة خلال الفترات الطبيعية.
تعاون دولي
ودعا وزير المالية السعودي إلى تعزيز التعاون الدولي لمواجهة التحديات الاقتصادية المشتركة، مؤكداً أن استقرار أسواق الطاقة واستمرار حركة التجارة يتطلبان تنسيقاً فعالاً بين الاقتصادات الكبرى.
وأوضح أن السياسات المالية مطالبة بحماية أسس النمو، خصوصاً في ظل الضغوط التي تفرضها الاضطرابات المتكررة على الميزانيات الحكومية.
ويكتسب هذا التعاون أهمية إضافية مع تزايد الترابط بين الاقتصادات، إذ يمكن أن تنتقل آثار تعطل الإمدادات أو ارتفاع تكاليف الطاقة سريعاً من منطقة إلى أخرى.
وتطرق الجدعان إلى أهمية الاستعداد للتحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الجاهزية لهذه التقنية لم تعد مسألة فنية منفصلة عن السياسات الاقتصادية.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من أجندة أوسع تستهدف تعزيز النمو المستدام ورفع قدرة الاقتصادات على التكيف مع المتغيرات.
ويعكس هذا التوجه اتساع مفهوم المرونة الاقتصادية ليشمل تطوير القدرات التقنية والبشرية، إلى جانب الاستثمارات التقليدية في الطاقة والنقل والبنية التحتية.
وتؤكد تصريحات الجدعان أن مواجهة الصدمات العالمية لم تعد تعتمد على الإجراءات المالية الطارئة وحدها، بل أصبحت ترتبط بقدرة الدول على بناء منظومات اقتصادية متنوعة ومترابطة.
وتقدم تجربة السعودية في تطوير مسارات الإمداد البديلة مثالاً على أهمية الاستثمارات الاستباقية في تقليل آثار الاضطرابات وحماية استمرارية التجارة.
وفي ظل استمرار حالة عدم اليقين، تبرز الحاجة إلى سياسات تجمع بين حماية الاستقرار الاقتصادي اليوم والمحافظة على الموارد اللازمة لتمويل النمو والتحول خلال السنوات المقبلة.