تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشبكات‭ ‬تخنق‭ ‬طفرة‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬عالمياً

الشبكات‭ ‬تخنق‭ ‬طفرة‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬عالمياً

تكشف‭ ‬الطفرة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬عن‭ ‬مفارقة‭ ‬متزايدة‭ ‬تهدد‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬التي‭ ‬حققها‭ ‬القطاع؛‭ ‬فالعالم‭ ‬ينتج‭ ‬كميات‭ ‬قياسية‭ ‬من‭ ‬الكهرباء‭ ‬النظيفة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬دائماً‭ ‬شبكات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬نقل‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬تخزينها‭ ‬واستخدامها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬المناسب‭.‬
وباتت‭ ‬المشكلة‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬من‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬أستراليا‭ ‬واليابان‭ ‬والهند،‭ ‬حيث‭ ‬يضطر‭ ‬مشغلو‭ ‬شبكات‭ ‬الكهرباء‭ ‬إلى‭ ‬مطالبة‭ ‬بعض‭ ‬محطات‭ ‬الرياح‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬بخفض‭ ‬إنتاجها،‭ ‬رغم‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬توليد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الكهرباء‭.‬
وتعرف‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬تقليص‭ ‬الإنتاج‮»‬،‭ ‬وتحدث‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬المعروض‭ ‬من‭ ‬الكهرباء‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬الشبكة‭ ‬على‭ ‬استيعابه‭ ‬أو‭ ‬نقله‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬الاستهلاك‭ ‬أو‭ ‬تخزينه‭ ‬للاستخدام‭ ‬لاحقاً‭.‬
وتحولت‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬تحدٍ‭ ‬تقني‭ ‬إلى‭ ‬خطر‭ ‬اقتصادي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬إجبار‭ ‬محطة‭ ‬شمسية‭ ‬أو‭ ‬مزرعة‭ ‬رياح‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬إنتاجها‭ ‬يعني‭ ‬فقدان‭ ‬إيرادات‭ ‬كان‭ ‬المستثمر‭ ‬يتوقع‭ ‬تحقيقها‭ ‬عند‭ ‬بناء‭ ‬المشروع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬صعوبة‭ ‬حساب‭ ‬العائد‭ ‬المتوقع‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الجديدة‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬عدم‭ ‬استغلال‭ ‬الكهرباء‭ ‬النظيفة‭ ‬المتاحة‭ ‬إلى‭ ‬إبطاء‭ ‬عملية‭ ‬تقليص‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الفحم‭ ‬والغاز،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭.‬

فجوة‭ ‬صينية
وتقدم‭ ‬الصين‭ ‬المثال‭ ‬الأكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬على‭ ‬حجم‭ ‬الأزمة،‭ ‬بعدما‭ ‬توسعت‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬مشروعات‭ ‬الشمس‭ ‬والرياح‭ ‬بوتيرة‭ ‬هائلة،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬تتطور‭ ‬شبكات‭ ‬النقل‭ ‬والتخزين‭ ‬بالسرعة‭ ‬نفسها‭.‬
وخلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬2026،‭ ‬جرى‭ ‬تقليص‭ ‬نحو‭ ‬360‭ ‬تيراواط‭/‬ساعة‭ ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬النظيفة‭ ‬في‭ ‬الصين،‭ ‬بزيادة‭ ‬49‭ % ‬مقارنة‭ ‬بالفترة‭ ‬نفسها‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬السابق،‭ ‬وفق‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬‮«‬غلوبال‭ ‬إنرجي‭ ‬مونيتور‮»‬‭ ‬و«مركز‭ ‬أبحاث‭ ‬الطاقة‭ ‬والهواء‭ ‬النظيف‮»‬‭. ‬ويكشف‭ ‬حجم‭ ‬الكهرباء‭ ‬غير‭ ‬المستغلة‭ ‬عن‭ ‬اتساع‭ ‬الاختناق؛‭ ‬فالكمية‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬تقليصها‭ ‬تكفي،‭ ‬وفق‭ ‬تقديرات‭ ‬التقرير،‭ ‬لتغطية‭ ‬استهلاك‭ ‬المكسيك‭ ‬من‭ ‬الكهرباء‭ ‬لمدة‭ ‬تقارب‭ ‬عاماً‭ ‬كاملاً‭.‬
وتظهر‭ ‬المشكلة‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬إنشاء‭ ‬مشروعات‭ ‬ضخمة‭ ‬للطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والرياح‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬مراكز‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الرئيسية،‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬خطوط‭ ‬نقل‭ ‬طويلة‭ ‬وعالية‭ ‬القدرة‭ ‬لإيصال‭ ‬الكهرباء‭ ‬إلى‭ ‬المدن‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭.‬
لكن‭ ‬بناء‭ ‬محطات‭ ‬الشمس‭ ‬والرياح‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬إنشاء‭ ‬خطوط‭ ‬النقل‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬قدرات‭ ‬إنتاجية‭ ‬جاهزة‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬الشبكة‭ ‬الاستفادة‭ ‬منها‭ ‬بالكامل‭.‬

اختناق‭ ‬هيكلي
وتزداد‭ ‬الأزمة‭ ‬تعقيداً‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬النظام‭ ‬الكهربائي‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬ترتبط‭ ‬المشكلة‭ ‬فقط‭ ‬بنقص‭ ‬خطوط‭ ‬النقل،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التخزين‭ ‬والمرونة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬موازنة‭ ‬الإنتاج‭ ‬المتغير‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬والرياح‭. ‬كما‭ ‬تلعب‭ ‬محطات‭ ‬الفحم‭ ‬دوراً‭ ‬في‭ ‬المعادلة‭ ‬الصينية‭. ‬فعقود‭ ‬التوريد‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬تشغيل‭ ‬بعض‭ ‬المحطات‭ ‬الجديدة‭ ‬تفرض‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بجانب‭ ‬من‭ ‬الكهرباء‭ ‬المولدة‭ ‬من‭ ‬الوقود‭ ‬الأحفوري،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬الأوقات‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬فيها‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬متاحة‭.‬
وقال‭ ‬يوان‭ ‬رين،‭ ‬المحلل‭ ‬لدى‭ ‬‮«‬وود‭ ‬ماكنزي‮»‬،‭ ‬إن‭ ‬تقليص‭ ‬الإنتاج‭ ‬في‭ ‬الصين‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬مشكلة‭ ‬هيكلية‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬اختناق‭ ‬مؤقت‮»‬،‭ ‬متوقعاً‭ ‬استمرار‭ ‬الضغوط‭ ‬حتى‭ ‬نهاية‭ ‬العقد‭.‬
ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬إضافة‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الألواح‭ ‬الشمسية‭ ‬وتوربينات‭ ‬الرياح‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬كافية‭ ‬وحدها‭ ‬لتحقيق‭ ‬التحول‭ ‬المطلوب‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الطاقة،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تتزامن‭ ‬معها‭ ‬استثمارات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬الشبكات‭ ‬والبطاريات‭ ‬والتخزين‭ ‬وإدارة‭ ‬الطلب‭.‬
وتظهر‭ ‬صعوبة‭ ‬قياس‭ ‬المشكلة‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬الفارق‭ ‬الكبير‭ ‬بين‭ ‬الأرقام‭ ‬الرسمية‭ ‬والتقديرات‭ ‬المستقلة‭.‬
فقد‭ ‬قالت‭ ‬إدارة‭ ‬الطاقة‭ ‬الوطنية‭ ‬الصينيــة‭ ‬إن‭ ‬8‭.‬6‭ % ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬و9‭.‬1‭ % ‬من‭ ‬إنتاج‭ ‬الرياح‭ ‬جرى‭ ‬تقليصه‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام‭. ‬لكن‭ ‬‮«‬غلوبال‭ ‬إنرجي‭ ‬مونيتور‮»‬‭ ‬و«مركز‭ ‬أبحاث‭ ‬الطاقة‭ ‬والهواء‭ ‬النظيف‮»‬‭ ‬قدرا‭ ‬النسبة‭ ‬بنحو‭ ‬26‭.‬1‭% ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬إنتاج‭ ‬الرياح‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية،‭ ‬بعد‭ ‬تعديل‭ ‬البيانات‭ ‬وفق‭ ‬تأثيرات‭ ‬الطقس‭ ‬ومحاولة‭ ‬احتساب‭ ‬التخفيضات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬الأرقام‭ ‬المعلنة‭.‬

رجوع لأعلى