الصين تخفي طلبا نفطيا يفوق البيانات
تكشف تطورات أسواق الطاقة العالمية عن صورة أكثر تعقيداً من تلك التي تعكسها المؤشرات التقليدية للعرض والطلب، إذ تشير تحركات السوق في الصين إلى أن الاستهلاك الفعلي للنفط ربما يكون أقوى مما تظهره البيانات الرسمية، في وقت تواجه فيه روسيا اختلالاً متزايداً بين صادرات الخام والمنتجات المكررة، بينما تبحث سوريا عن إعادة ترتيب مصادر إمداداتها النفطية، بالتزامن مع أزمة حادة في نهر الراين تهدد الصناعة والطاقة وسلاسل الإمداد الأوروبية.
وتجمع هذه التطورات، رغم اختلاف مناطقها، عوامل مؤثرة في أسواق الطاقة، تمتد من تجارة الوقود غير الرسمية في الصين وتعطل المصافي الروسية إلى التحولات السياسية في سوريا والجفاف الذي يفرض ضغوطاً مباشرة على حركة التجارة وإنتاج الكهرباء في أوروبا.
طلب خفي
في الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، باتت قراءة اتجاهات الطلب أكثر صعوبة مع اتساع الفجوة المحتملة بين البيانات الرسمية وحجم الاستهلاك الحقيقي، بعدما عادت مبيعات البنزين والديزل عبر قنوات غير مرخصة إلى الظهور منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
ولا تنشر بكين بيانات مباشرة عن الاستهلاك الفعلي للنفط، ما يدفع الأسواق إلى الاعتماد على «الطلب الظاهري»، المحسوب استناداً إلى إنتاج المصافي وصافي واردات المنتجات النفطية. ووفق هذا المقياس، انخفض إجمالي الطلب الظاهري خلال الربع الثاني من 2026 بنسبة 12 % على أساس سنوي إلى 153.47 مليون طن.
لكن الانخفاض الفعلي ربما يكون أقل حدة، إذ قدر محللو «S&P Global Energy CERA» تراجع الطلب الأساسي على الديزل بنحو 8.2 % خلال الربع الثاني، مقارنة بانخفاض الطلب الظاهري 13.7 % إلى 3.3 مليون برميل يومياً، ما يكشف فجوة بين الاستهلاك المقدر والأرقام التي تظهرها المؤشرات التقليدية.
مصافٍ متراجعة
تزامن ذلك مع انخفاض كبير في نشاط التكرير، إذ هبطت واردات الصين من الخام خلال يونيو إلى 7.15 مليون برميل يومياً، وهو أدنى مستوى في نحو عقد، فيما تراجعت معدلات تشغيل المصافي إلى 12.52 مليون برميل يومياً، مسجلة أدنى مستوى في قرابة أربعة أعوام.
غير أن ارتفاع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط دفع بعض المستهلكين، خصوصاً شركات النقل ومشغلي معدات البناء، إلى البحث عن مصادر أرخص. ونتيجة لذلك، توسعت سوق غير رسمية تعتمد على شاحنات متنقلة غير مرخصة تبيع الديزل والبنزين بأسعار تقل بنحو يوان إلى يوانين للتر عن محطات الوقود التقليدية.
وتحجب هذه السوق جزءاً من الاستهلاك الحقيقي عن قنوات التوزيع الرسمية، في وقت انخفضت مبيعات المنتجات النفطية المحلية لدى «سينوبك» بنسبة 18.9 % على أساس سنوي خلال أبريل-يونيو إلى 35.58 مليون طن.
مخزون شاندونغ
لكن قدرة السوق غير الرسمية على الاستمرار قد تكون محدودة بسبب اعتمادها على المصافي المستقلة، خصوصاً في مقاطعة شاندونغ، حيث انخفضت مخزونات الخام التجارية ومخزونات المصافي من نحو 295 مليون برميل في أبريل إلى 274.8 مليون برميل في يوليو.
وإذا استمر استنزاف المخزونات، فقد تضطر المصافي إلى زيادة مشترياتها من الخام، ما قد يدعم الأسعار العالمية. وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار الخام والوقود، خصوصاً إذا تفاقمت اضطرابات مضيق هرمز، يمكن أن يضغط على الاستهلاك.
وهكذا قد يتزامن انخفاض واردات الصين ومعدلات تشغيل مصافيها مع طلب نهائي أقوى مما توحي به البيانات، الأمر الذي يزيد صعوبة تقدير اتجاهات أكبر سوق مستوردة للخام عالمياً.
مأزق روسي
وفي روسيا، تظهر أزمة مختلفة تتمثل في اتساع الفجوة بين قدرة البلاد على تصدير الخام وإنتاج المشتقات النفطية، بعدما هبطت صادراتها البحرية من المنتجات المكررة خلال يوليو إلى نحو 1.18 مليون برميل يومياً، مقابل 1.51 مليون في يونيو، مسجلة أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات قبل 10 سنوات، وفق «S&P Global Commodities at Sea».
وتراجعت صادرات الديزل وزيت الغاز من 471 ألف برميل يومياً إلى 157 ألفاً، فيما انخفضت صادرات النافثا بنسبة 9% إلى نحو 290 ألف برميل يومياً.
ويرتبط التراجع بالأضرار التي لحقت بالمصافي جراء الهجمات الأوكرانية، والتي أخرجت أكثر من ثلث طاقة التكرير الروسية من الخدمة، لتهبط معدلات تشغيل المصافي إلى أقل من 4 ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من عقدين.
ودفعت أزمة الوقود موسكو إلى تمديد حظر صادرات الديزل حتى يناير 2027، مع السماح للمصافي باستئناف تصدير زيت الغاز اعتباراً من سبتمبر. وفي تحول لافت، بدأت روسيا استيراد منتجات نفطية من كازاخستان وبيلاروس، إضافة إلى شحنات بنزين من الهند، لتعويض النقص المحلي.
خام متدفق
وعلى عكس المنتجات المكررة، بقيت صادرات الخام الروسي مرتفعة، إذ أتاح تراجع نشاط المصافي مزيداً من البراميل للتصدير. وبلغت الشحنات البحرية من الخام 4.32 مليون برميل يومياً في يوليو، بانخفاض 7 % عن يونيو، لكنها ارتفعت 26 % على أساس سنوي وسجلت ثاني أعلى مستوى شهري في 2026.
وشهدت خريطة المشترين تغيرات كبيرة، إذ هبطت صادرات الخام إلى الهند بنسبة 58 % على أساس شهري إلى 994 ألف برميل يومياً، بينما ارتفعت إلى الصين 18 % لتبلغ 1.02 مليون برميل يومياً، وقفزت التدفقات إلى سنغافورة 112% إلى 456 ألف برميل يومياً.
وتعكس هذه الأرقام انقساماً واضحاً في السوق الروسية بين تراجع المنتجات المكررة واستمرار تدفق الخام. وفي الوقت نفسه، يزيد تشديد العقوبات والرقابة على عمليات نقل النفط بين السفن اعتماد التجارة الروسية على «أسطول الظل»، الذي تقدر حصته بنحو 22 % من الأسطول العالمي.
تحول سوري
وفي سوريا، تدرس دمشق تقليص وارداتها من النفط الروسي، في خطوة قد تمثل تحولاً في علاقاتها الاقتصادية مع موسكو، بالتزامن مع بحث الولايات المتحدة تخفيف بعض القيود المفروضة عليها.
وزادت شحنات النفط الروسية إلى سوريا بنحو 75 % منذ بداية العام لتصل إلى قرابة 60 ألف برميل يومياً، ما جعل روسيا المورد الرئيسي للخام إلى البلاد. إلا أن دمشق أبدت استعداداً لتقليص هذه الواردات في مسعى لتحسين العلاقات مع واشنطن ودعم فرص تخفيف العقوبات، بما قد يهيئ بيئة أكثر انفتاحاً أمام الاستثمارات الغربية في قطاع الطاقة.
الراين يجف
وفي أوروبا، فرض الجفاف تحدياً إضافياً بعدما هبط منسوب نهر الراين إلى مستويات استثنائية، معطلاً حركة الشحن ورافعاً تكاليف النقل ومهدداً إمدادات الصناعات الكيماوية والطاقة.
وانخفض منسوب المياه عند منطقة كاوب، إحدى أكثر نقاط النهر ضحالة وأهمية للملاحة، إلى 19 سنتيمتراً في 5 أغسطس، مقابل متوسط تاريخي يبلغ نحو 200 سنتيمتر، ليسجل أدنى مستوى منذ 36 عاماً على الأقل، مع ترجيحات بأنه الأدنى منذ نحو 150 عاماً.
وأجبر انخفاض المياه مشغلي الصنادل على خفض الحمولة إلى أقل من 20 % من طاقتها المعتادة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف نقل المواد الخام والمنتجات وإبطاء الإمدادات إلى المجمعات الصناعية.
وتعد الصناعات الكيماوية الألمانية من الأكثر تعرضاً للأزمة بسبب اعتماد مجمعات صناعية كبرى على النقل النهري. وأعلنت شركات مثل «باسف» و«لانكسيس» حالات قوة قاهرة أو واجهت اضطرابات تشغيلية مرتبطة بصعوبة وصول المواد الأولية، فيما امتدت الضغوط إلى أسواق البوتادايين والميثانول والكحولات والبوليولات.