تدخل الأزمة المالية اللبنانية مرحلة جديدة من التعقيد، مع تزايد المؤشرات إلى صعوبة إقرار مشروع قانون استعادة الانتظام المالي خلال الأشهر المتبقية من العام، في ظل استمرار الخلاف حول المعضلة التي عطلت المعالجة منذ سبع سنوات: تحديد حجم الخسائر وكيفية توزيعها بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف.
ولا يبدو التأخير تشريعياً فقط، بل يعكس غياب معادلة نهائية يمكنها التوفيق بين حماية حقوق المودعين، وتحميل الأطراف المختلفة مسؤولياتها، وإعادة بناء قطاع مصرفي قادر على استئناف التمويل والائتمان.
وتبرز هنا أهمية التدقيق الجنائي الدولي الذي تستكمله «ألفاريز آند مارسال» في حسابات مصرف لبنان للفترة الممتدة من 2015 حتى نهاية 2023، بالتوازي مع تقييمات مستقلة لميزانيات المصارف، باعتبار النتائج المنتظرة نقطة انطلاق ضرورية قبل توزيع الخسائر.
فجوة ضخمة
تكشف الأرقام المتداولة حجم التعقيد الذي تواجهه أي خطة إنقاذ، إذ تدور حقوق المودعين العالقة حول 80 مليار دولار، بالتوازي مع رقم مماثل تقريباً يمثل حقوق المصارف لدى مصرف لبنان.
وفي مقابل هذه الالتزامات الضخمة، تبلغ الاحتياطيات السائلة من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي نحو 11.5 مليار دولار فقط، ما يكشف عن فجوة كبيرة بين الحقوق القائمة والأصول السائلة المتاحة.
وهذا الاختلال يجعل استعادة الودائع كاملة وفوراً أمراً بالغ الصعوبة، ويفرض البحث عن برنامج طويل الأجل يحدد مصادر التمويل وآلية السداد وترتيب الأولويات.
وتبقى مسؤولية الدولة عن جانب من الخسائر إحدى أكثر النقاط حساسية، خصوصاً في ظل بيانات تمويلية من البنك المركزي لمصلحة القطاع العام، ينتظر أن يحسم التدقيق حجمها النهائي، مع وجود مطالبة أولية بسداد نحو 25 مليار دولار.
وبالتالي، فإن الخلاف لا يدور فقط حول قيمة الفجوة، بل حول الطرف الذي ينبغي أن يتحمل كل جزء منها.
تدقيق حاسم
يرى حاكم مصرف لبنان كريم سعيد أن تحديد حجم العجز بدقة يجب أن يسبق أي قرار بشأن توزيع المسؤوليات والأعباء، وهو ما يمنح نتائج التدقيق أهمية محورية في بناء خطة تحظى بالمصداقية.
فأي خطة تعتمد أرقاماً غير نهائية قد تعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها، خصوصاً إذا ترتب عليها توزيع خسائر بمليارات الدولارات بين المودعين والمصارف والدولة.
وتزداد القضية تعقيداً مع توصية صندوق النقد الدولي بالحد قدر الإمكان من استخدام الأموال العامة في إعادة رسملة البنك المركزي، في حين يصعب تصور معالجة شاملة من دون تحديد مسؤولية الدولة والتزاماتها المالية.
لذلك، فإن استكمال التدقيق وتقييم ميزانيات المصارف لا يمثلان مجرد إجراءات محاسبية، بل يشكلان الأساس الذي ستبنى عليه عملية تحديد المؤسسات القابلة للاستمرار وحجم الرسملة المطلوبة والحقوق الممكن استردادها.
خطة مزدوجة
وتتركز النقاشات داخل القطاع المالي على إمكانية بناء خطة مزدوجة تجمع بين برمجة سداد الحقوق المستحقة للمودعين وبين إعادة هيكلة القطاع المالي واستعادة قدرته على أداء وظائفه الأساسية.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن معالجة الودائع وحدها لن تكون كافية إذا بقي الجهاز المصرفي عاجزاً عن توفير الائتمان وتمويل الاقتصاد، كما أن إعادة رسملة المصارف من دون معالجة حقوق المودعين لن تستعيد الثقة.
والهدف النهائي يتجاوز إعادة فتح قنوات التمويل المحلية إلى تمكين لبنان تدريجياً من العودة إلى الأسواق المالية الدولية، مدعوماً باتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي.
الأرقام تحدد طريق الإنقاذ اللبناني
بعد سبع سنوات من الأزمة، تبدو المشكلة الأساسية في لبنان أقل ارتباطاً بنقص المقترحات وأكثر ارتباطاً بعدم حسم الأرقام والمسؤوليات.
فوجود نحو 80 مليار دولار من حقوق المودعين، مقابل 11.5 مليار دولار فقط من الاحتياطيات السائلة، يكشف حجم الهوة التي ينبغي ردمها، بينما تضع المطالبات المحتملة على الدولة بقيمة 25 مليار دولار مسؤوليتها في قلب النقاش.
ومن دون تحديد نهائي للخسائر وتوزيع واضح وعادل للأعباء، سيظل قانون الانتظام المالي معرضاً للتأجيل. أما نجاح التدقيق في توفير قاعدة أرقام موثوقة، فقد يشكل البداية الفعلية للانتقال من إدارة الأزمة إلى إعادة بناء النظام المالي اللبناني.