الطاقة تقود أوروبا إلى مأزق اقتصادي مع تصاعد الحرب
تواجه أوروبا اختبارًا اقتصاديًا معقدًا في ظل تداعيات الحرب على إيران، حيث أعادت صدمة الطاقة تشكيل المشهد الاقتصادي للقارة، كاشفة عن هشاشة هيكلها المعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة. ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، ارتفعت أسعار النفط والغاز، ما انعكس سريعًا على مؤشرات الاقتصاد الكلي، خصوصًا التضخم والنمو.
أظهرت البيانات أن معدل التضخم في منطقة اليورو ارتفع إلى 2.6% خلال مارس، مقارنة بـ1.9% في فبراير، مدفوعًا بشكل رئيسي بزيادة تكاليف الطاقة، في حين خُفضت توقعات النمو لعام 2026 إلى نحو 1.1%، ما يعكس تباطؤًا ملحوظًا في النشاط الاقتصادي . هذا التدهور يعكس تأثيرًا مباشرًا لأسعار الطاقة على القدرة الشرائية للمستهلكين وتكاليف الإنتاج للشركات.
تعتمد أوروبا على استيراد نحو 80% من احتياجاتها من الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، خاصة مع المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز، أحد أهم ممرات شحن النفط عالميًا . ومع أي تهديد للإمدادات، ترتفع الأسعار بشكل حاد، وهو ما يترجم فورًا إلى ضغوط تضخمية داخل الاقتصاد الأوروبي.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة بات يؤثر بشكل مباشر على تنافسية الشركات الأوروبية، حيث تصل أسعار الكهرباء في أوروبا إلى نحو ضعف مستوياتها في الولايات المتحدة، بينما تتجاوز أسعار الغاز عدة أضعاف نظيرتها الأمريكية . هذا الفارق يضعف قدرة الصناعات الأوروبية على المنافسة عالميًا، خاصة في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
من جانب آخر، امتدت تداعيات الحرب إلى سلاسل الإمداد العالمية، مع اضطرابات في الشحن وارتفاع تكاليف النقل، ما أدى إلى تأخر وصول السلع وزيادة أسعارها. ويؤكد خبراء أن هذه العوامل مجتمعة تضغط على الأداء الاقتصادي، وقد تمتد آثارها إلى القطاع الصناعي إذا استمر التصعيد.
وتبرز مخاوف إضافية في قطاع الطيران، حيث تشير تقديرات إلى أن احتياطيات وقود الطائرات في أوروبا قد تكفي لأسابيع محدودة فقط، ما يهدد بتعطيل الرحلات في حال استمرار اضطراب الإمدادات .
في المحصلة، تكشف الأزمة الحالية عن اختلالات هيكلية في الاقتصاد الأوروبي، أبرزها الاعتماد الكبير على الطاقة المستوردة، ما يجعل القارة أكثر عرضة للصدمات الجيوسياسية، ويضعها أمام تحدٍ استراتيجي لإعادة هيكلة منظومتها الطاقية نحو مصادر أكثر استقرارًا واستدامة.