تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العالم‭ ‬يواجه‭ ‬موجة‭ ‬احتكار‭ ‬ونقص‭ ‬تهدد‭ ‬الغذاء‭ ‬والوقود‭ ‬والدواء

العالم‭ ‬يواجه‭ ‬موجة‭ ‬احتكار‭ ‬ونقص‭ ‬تهدد‭ ‬الغذاء‭ ‬والوقود‭ ‬والدواء

دخل‭ ‬العالم‭ ‬مرحلة‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬إغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬للشهر‭ ‬الثالث،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تداعيات‭ ‬الأزمة‭ ‬مقتصرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬التجارة‭ ‬البحرية،‭ ‬بل‭ ‬بدأت‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬السلوك‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬العالمي‭ ‬وأنماط‭ ‬التخزين‭ ‬والاحتكار،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعيد‭ ‬إلى‭ ‬الأذهان‭ ‬الفوضى‭ ‬التي‭ ‬رافقت‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬وسط‭ ‬بيئة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وأسواق‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭.‬
فمع‭ ‬استمرار‭ ‬تعطل‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬شرايين‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬بدأت‭ ‬الحكومات‭ ‬والشركات‭ ‬والأفراد‭ ‬يتعاملون‭ ‬مع‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬بمنطق‭ ‬“الخوف‭ ‬من‭ ‬النفاد”،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬موجات‭ ‬شراء‭ ‬جماعية‭ ‬وتخزين‭ ‬واسع‭ ‬للإمدادات‭ ‬الحيوية،‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬الوقود‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬المنتجات‭ ‬الطبية‭ ‬والغذائية‭ ‬وحتى‭ ‬السلع‭ ‬اليومية‭ ‬البسيطة‭.‬
وفي‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬اندفع‭ ‬المستهلكون‭ ‬إلى‭ ‬شراء‭ ‬أكياس‭ ‬القمامة‭ ‬البلاستيكية‭ ‬بكميات‭ ‬ضخمة‭ ‬بعد‭ ‬اضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالنفط‭ ‬والبتروكيماويات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬بينما‭ ‬شهدت‭ ‬أستراليا‭ ‬عمليات‭ ‬شراء‭ ‬واسعة‭ ‬لعبوات‭ ‬الوقود‭ ‬مع‭ ‬سعي‭ ‬السائقين‭ ‬والمزارعين‭ ‬إلى‭ ‬تأمين‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬ارتفاعات‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭.‬
هذا‭ ‬السلوك‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬حالة‭ ‬القلق‭ ‬الشعبي،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬أيضاً‭ ‬كيف‭ ‬تتحول‭ ‬الأزمات‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬أزمات‭ ‬ثقة‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭. ‬فحين‭ ‬يشعر‭ ‬المستهلكون‭ ‬بأن‭ ‬الإمدادات‭ ‬قد‭ ‬تتراجع‭ ‬أو‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬كلفة،‭ ‬يبدأ‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬شراء‭ ‬كميات‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬حاجتهم‭ ‬الفعلية،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬النقص‭ ‬بصورة‭ ‬أسرع‭ ‬ويخلق‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬الذعر‭ ‬والاحتكار‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭.‬

بناء‭ ‬مخزونات‭ ‬ضخمة‭ ‬

وباتت‭ ‬الشركات‭ ‬نفسها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الحلقة،‭ ‬إذ‭ ‬تسارع‭ ‬مؤسسات‭ ‬صناعية‭ ‬وتجارية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬مخزونات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬المواد‭ ‬الخام‭ ‬والسلع‭ ‬الحيوية‭ ‬تحسباً‭ ‬لأي‭ ‬اضطراب‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬يبدو‭ ‬منطقياً‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬فإنه‭ ‬يؤدي‭ ‬عملياً‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬كميات‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬وتسريع‭ ‬حدوث‭ ‬الاختناقات‭.‬
وتظهر‭ ‬التداعيات‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الطبي،‭ ‬حيث‭ ‬أطلقت‭ ‬السلطات‭ ‬الكورية‭ ‬الجنوبية‭ ‬حملات‭ ‬لملاحقة‭ ‬شركات‭ ‬يشتبه‭ ‬بقيامها‭ ‬باحتكار‭ ‬الحقن‭ ‬والمستلزمات‭ ‬الطبية،‭ ‬بعدما‭ ‬أدى‭ ‬نقص‭ ‬مادة‭ ‬النافتا‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬الطاقة‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالقطاع‭ ‬الصحي‭. ‬وهذا‭ ‬التطور‭ ‬يوضح‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لأزمة‭ ‬نفطية‭ ‬أن‭ ‬تمتد‭ ‬بسرعة‭ ‬إلى‭ ‬قطاعات‭ ‬تبدو‭ ‬بعيدة‭ ‬ظاهرياً‭ ‬عن‭ ‬الطاقة‭.‬
كما‭ ‬بدأت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تلعب‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تغذية‭ ‬الهوس‭ ‬بالندرة‭. ‬ففي‭ ‬الهند‭ ‬مثلاً،‭ ‬تحولت‭ ‬بعض‭ ‬المنتجات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬مثل‭ ‬المشروبات‭ ‬الغازية‭ ‬المعلبة‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬اجتماعية‭ ‬يتنافس‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬اقتنائها،‭ ‬بعدما‭ ‬ساهم‭ ‬مؤثرون‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬تضخيم‭ ‬فكرة‭ ‬“الكمية‭ ‬المحدودة”‭ ‬وتحويل‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬إلى‭ ‬رموز‭ ‬للمكانة‭ ‬أو‭ ‬الندرة‭.‬

أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬الممتدة

ويرى‭ ‬خبراء‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السلوكي‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬السلوك‭ ‬الجماعي‭ ‬ليس‭ ‬جديداً،‭ ‬لكنه‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬الأزمات‭ ‬الممتدة‭. ‬فكلما‭ ‬شعر‭ ‬الناس‭ ‬بأن‭ ‬سلعة‭ ‬ما‭ ‬أصبحت‭ ‬نادرة،‭ ‬ارتفعت‭ ‬قيمتها‭ ‬النفسية‭ ‬لديهم،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬بحاجة‭ ‬فعلية‭ ‬إليها‭. ‬ومع‭ ‬الانتشار‭ ‬السريع‭ ‬للمعلومات‭ ‬والصور‭ ‬عبر‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬تنتقل‭ ‬مشاعر‭ ‬الذعر‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭ ‬بسرعة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭.‬
لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬الحالية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬أزمة‭ ‬ورق‭ ‬التواليت‭ ‬أو‭ ‬السلع‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬خلال‭ ‬جائحة‭ ‬كورونا،‭ ‬لأن‭ ‬النقص‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬مرتبط‭ ‬فعلياً‭ ‬بتراجع‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬للطاقة‭ ‬والمواد‭ ‬الخام،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬بحالة‭ ‬ذعر‭ ‬مؤقتة‭. ‬فإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬قلص‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬والبتروكيماويات‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬الإنتاج‭ ‬الصناعي‭ ‬والنقل‭ ‬والتصنيع‭ ‬والتغليف‭ ‬وحتى‭ ‬الإمدادات‭ ‬الزراعية‭.‬
وهنا‭ ‬تواجه‭ ‬الحكومات‭ ‬معضلة‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭: ‬هل‭ ‬تترك‭ ‬الأسعار‭ ‬ترتفع‭ ‬لكبح‭ ‬الطلب‭ ‬وتشجيع‭ ‬الترشيد،‭ ‬أم‭ ‬تتدخل‭ ‬لدعم‭ ‬الأسعار‭ ‬وحماية‭ ‬المستهلكين؟‭ ‬فالكثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬جزء‭ ‬طبيعي‭ ‬من‭ ‬آلية‭ ‬السوق‭ ‬لإعادة‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬العرض‭ ‬والطلب،‭ ‬لأنه‭ ‬يدفع‭ ‬الأفراد‭ ‬والشركات‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وتجنب‭ ‬التخزين‭ ‬المفرط‭.‬
لكن‭ ‬سياسياً،‭ ‬تجد‭ ‬الحكومات‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬السماح‭ ‬بارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬الوقود‭ ‬والسلع‭ ‬الأساسية،‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬الغضب‭ ‬الشعبي‭ ‬والتداعيات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ولذلك‭ ‬اتجهت‭ ‬عشرات‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الضرائب‭ ‬على‭ ‬الوقود‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬ضوابط‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتخفيف‭ ‬الضغط‭ ‬عن‭ ‬المستهلكين‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬تحمل‭ ‬مخاطر‭ ‬كبيرة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬المتوسط،‭ ‬لأنها‭ ‬قد‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المفرط‭ ‬وتزيد‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬النقص‭ ‬الحاد‭. ‬فعندما‭ ‬تبقى‭ ‬الأسعار‭ ‬منخفضة‭ ‬رغم‭ ‬تراجع‭ ‬الإمدادات،‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬المستهلكون‭ ‬بالحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تقليل‭ ‬الطلب،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬استنزاف‭ ‬المخزونات‭ ‬بسرعة‭ ‬أكبر‭.‬
حرية‭ ‬كاملة

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يحذر‭ ‬اقتصاديون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ترك‭ ‬السوق‭ ‬يتحرك‭ ‬بحرية‭ ‬كاملة‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬قاسية‭ ‬اجتماعياً،‭ ‬لأن‭ ‬الفئات‭ ‬الفقيرة‭ ‬والدول‭ ‬النامية‭ ‬ستكون‭ ‬الأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأسعار‭. ‬فالأغنياء‭ ‬والشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬يستطيعون‭ ‬شراء‭ ‬الإمدادات‭ ‬بأي‭ ‬تكلفة‭ ‬تقريباً،‭ ‬بينما‭ ‬تواجه‭ ‬الأسر‭ ‬محدودة‭ ‬الدخل‭ ‬خطر‭ ‬الحرمان‭ ‬من‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭.‬
ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬دعوات‭ ‬متزايدة‭ ‬لتطبيق‭ ‬سياسات‭ ‬أكثر‭ ‬توازناً‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬دعم‭ ‬الأسعار‭ ‬وتشجيع‭ ‬الترشيد‭ ‬السلوكي‭. ‬ففي‭ ‬أستراليا‭ ‬مثلاً،‭ ‬أطلقت‭ ‬الحكومة‭ ‬حملة‭ ‬إعلامية‭ ‬واسعة‭ ‬تحث‭ ‬السائقين‭ ‬على‭ ‬خفض‭ ‬استهلاك‭ ‬الوقود‭ ‬عبر‭ ‬خطوات‭ ‬بسيطة‭ ‬مثل‭ ‬إزالة‭ ‬الأمتعة‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬أو‭ ‬ضبط‭ ‬ضغط‭ ‬الإطارات‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭.‬
وتعكس‭ ‬هذه‭ ‬الحملات‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬تعامل‭ ‬الحكومات‭ ‬مع‭ ‬الأزمات،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التركيز‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬ضخ‭ ‬الأموال‭ ‬والدعم،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬وتقليل‭ ‬حالة‭ ‬الذعر‭ ‬الجماعي‭.‬
أما‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الفقيرة،‭ ‬فتبدو‭ ‬الخيارات‭ ‬أكثر‭ ‬صعوبة‭. ‬ففي‭ ‬نيبال،‭ ‬لجأت‭ ‬شركة‭ ‬النفط‭ ‬الحكومية‭ ‬إلى‭ ‬بيع‭ ‬أسطوانات‭ ‬غاز‭ ‬الطهي‭ ‬وهي‭ ‬نصف‭ ‬ممتلئة‭ ‬لتوزيع‭ ‬الكميات‭ ‬المحدودة‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬السكان‭. ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية،‭ ‬بينها‭ ‬نقص‭ ‬الأسطوانات‭ ‬نفسها‭ ‬وانتشار‭ ‬عمليات‭ ‬تعبئة‭ ‬سرية‭ ‬وغير‭ ‬آمنة‭.‬
تصميم‭ ‬دقيق‭ ‬للغاية

ومع‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة،‭ ‬بدأت‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬أفكار‭ ‬كانت‭ ‬تبدو‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬مثل‭ ‬التقنين‭ ‬وضبط‭ ‬الأسعار‭ ‬وتحديد‭ ‬حصص‭ ‬الشراء‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الخبراء‭ ‬يحذرون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الأدوات‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تصميم‭ ‬دقيق‭ ‬للغاية،‭ ‬لأن‭ ‬أي‭ ‬تدخل‭ ‬غير‭ ‬مدروس‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬نتائج‭ ‬عكسية‭ ‬مثل‭ ‬السوق‭ ‬السوداء‭ ‬أو‭ ‬تراجع‭ ‬الإنتاج‭ ‬أو‭ ‬زيادة‭ ‬التخزين‭ ‬السري‭.‬
ففرض‭ ‬سقوف‭ ‬سعرية‭ ‬صارمة‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬الشركات‭ ‬إلى‭ ‬تقليص‭ ‬الإنتاج‭ ‬بسبب‭ ‬انخفاض‭ ‬الأرباح،‭ ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يشجع‭ ‬المستهلكين‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬كميات‭ ‬أكبر‭ ‬ما‭ ‬دام‭ ‬السعر‭ ‬منخفضاً‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬فإن‭ ‬أنظمة‭ ‬التقنين،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة،‭ ‬قد‭ ‬تضعف‭ ‬الحوافز‭ ‬لدى‭ ‬المنتجين‭ ‬والمستثمرين‭ ‬لتوسيع‭ ‬الطاقة‭ ‬الإنتاجية‭.‬
ولهذا،‭ ‬يقترح‭ ‬بعض‭ ‬الخبراء‭ ‬نماذج‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬مراقبة‭ ‬هوامش‭ ‬الربح‭ ‬بين‭ ‬أسعار‭ ‬الجملة‭ ‬والتجزئة‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬أسعار‭ ‬ثابتة،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بمنع‭ ‬التلاعب‭ ‬والاحتكار‭ ‬دون‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الحوافز‭ ‬الاقتصادية‭ ‬للإنتاج‭ ‬والتوريد‭.‬
لكن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحالية‭ ‬تتجاوز‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬مجرد‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الأسعار‭ ‬أو‭ ‬التخزين،‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬أمام‭ ‬الصدمات‭ ‬الجيوسياسية‭. ‬فالعالم‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬لعقود‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬طويلة‭ ‬ومعقدة‭ ‬وعالية‭ ‬الكفاءة‭ ‬يكتشف‭ ‬اليوم‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الكفاءة‭ ‬نفسها‭ ‬جعلته‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاضطراب‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬أي‭ ‬اختناق‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬أو‭ ‬النقل‭.‬

رجوع لأعلى