النفط بين قمة بكين ونار هرمز
دخلت أسواق النفط مرحلة من الترقب الحذر مع انطلاق القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جين بينغ في بكين، في وقت لا تزال فيه الحرب المرتبطة بإيران ترخي بظلالها الثقيلة على الإمدادات العالمية وأسعار الطاقة والتجارة الدولية. وبينما يراهن المستثمرون على أن تحمل القمة إشارات تهدئة سياسية أو تفاهمات اقتصادية تخفف من توتر الأسواق، تبقى الأنظار مركزة على مضيق هرمز الذي تحول مجدداً إلى مركز الخطر الأكبر في سوق النفط العالمية.
واستقرت أسعار الخام بعد موجة تذبذب حادة شهدتها الأسواق خلال الأيام الماضية، إذ تداول خام برنت قرب مستوى 106 دولارات للبرميل، بينما حافظ خام غرب تكساس الوسيط على تماسكه فوق حاجز 101 دولار. ورغم تراجع الأسعار قليلاً مقارنة بالقمم التي سجلتها مع بداية التصعيد، فإن السوق لا تزال تتعامل مع علاوة مخاطر مرتفعة تعكس حجم القلق من استمرار تعطل الإمدادات.
وجاء هذا الاستقرار النسبي مدفوعاً بحالة انتظار لما ستسفر عنه المحادثات بين واشنطن وبكين، خصوصاً أن الصين أصبحت الطرف الأكثر تأثيراً في معادلة النفط الإيرانية، كونها أكبر مشترٍ للخام الإيراني، بينما تستخدم الولايات المتحدة العقوبات والضغوط المالية لمحاولة خنق صادرات طهران وتقليص تدفقاتها نحو آسيا.
طمأنة للأسواق
وفي كلمته الافتتاحية خلال القمة، حاول ترمب إرسال رسائل طمأنة للأسواق حين قال إن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين ستكون “أفضل من أي وقت مضى”، إلا أن المتعاملين يدركون أن التصريحات السياسية وحدها لم تعد كافية لتغيير المزاج العام للأسواق ما لم تُترجم إلى خطوات عملية تتعلق بالطاقة والتجارة والعقوبات.
وتكمن المشكلة الأساسية حالياً في أن الحرب لم تعد مرتبطة فقط بالمواجهات العسكرية أو التوترات السياسية، بل تحولت إلى أزمة لوجستية عالمية تضرب شرايين التجارة والطاقة في آن واحد. فإغلاق مضيق هرمز فعلياً أمام جزء كبير من حركة الناقلات أدى إلى اختناق غير مسبوق في تدفقات النفط القادمة من الخليج العربي، وهو ما انعكس فوراً على المخزونات العالمية وأسعار النقل البحري.
تدفقات الخام
ووفق البيانات الأخيرة، انخفضت تدفقات الخام والوقود عبر مضيق هرمز بنحو 6 ملايين برميل يومياً خلال الربع الأول من العام، بعد اندلاع الأعمال العدائية في أواخر فبراير. وهذا الرقم يعادل تقريباً ثلث الكميات المعتادة التي كانت تمر عبر الممر البحري الحيوي، ما يكشف حجم التأثير الذي تعرضت له السوق العالمية خلال فترة قصيرة.
وباتت شركات الشحن والطاقة تواجه تحديات تشغيلية ضخمة مع محدودية حركة الناقلات داخل الخليج العربي، حيث لم تتمكن سوى أعداد قليلة من السفن من مغادرة المنطقة خلال ذروة التصعيد. كما ارتفعت تكاليف التأمين البحري بصورة كبيرة، بينما فضلت شركات كثيرة تجنب المرور عبر المناطق الخطرة، ما أدى إلى تأخير عمليات التسليم وارتفاع تكاليف الشحن.
الحل الدبلوماسي
وفي هذا السياق، ترى المؤسسات المالية الكبرى أن السوق لا تزال تعيش على أمل الحل الدبلوماسي، حتى وإن بدا بعيداً في الوقت الراهن. فالمتعاملون يراهنون على أن أي انفراجة سياسية، سواء بين واشنطن وطهران أو عبر الوساطات الدولية، قد تؤدي في النهاية إلى استئناف تدفقات النفط وتخفيف الاختناق الحالي، لكن المشكلة تكمن في أن الجدول الزمني لذلك لا يزال غامضاً.
ورغم صمود وقف إطلاق النار منذ أوائل أبريل، فإن المؤشرات السياسية لا توحي بوجود تقدم حقيقي نحو تسوية شاملة. فالولايات المتحدة تواصل تشديد ضغوطها الاقتصادية، بينما تتمسك إيران بمواقفها، ما يجعل الأسواق تتعامل مع الأزمة باعتبارها أزمة طويلة نسبياً وليست مجرد اضطراب مؤقت.
وزادت واشنطن الضغوط مؤخراً عبر فرض عقوبات إضافية على كيانات وبنوك مرتبطة ببيع النفط الإيراني إلى الصين، في خطوة تؤكد أن ملف الطاقة أصبح أحد أبرز أدوات الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى. وتستهدف هذه العقوبات تقليص قدرة إيران على تصدير النفط والالتفاف على القيود الغربية، لكنها في الوقت نفسه تزيد من تعقيد سوق الطاقة العالمية عبر تقليص المعروض المتاح.
وتظهر صور الأقمار الاصطناعية الأخيرة استمرار التراجع الحاد في النشاط داخل ميناء جزيرة خرج، وهو المنفذ الرئيسي لصادرات النفط الإيرانية. فقد بدت الأرصفة شبه خالية من الناقلات في أكثر من مناسبة، ما يعكس نجاح الحصار البحري الأميركي في تعطيل جزء كبير من حركة التصدير الإيرانية.
لكن الضغوط لا تقتصر على النفط الإيراني فقط، إذ تواجه السوق تطوراً حساساً آخر يتمثل في قرب انتهاء الإعفاء الأميركي المتعلق بالنفط الروسي. فهذا الإعفاء كان يسمح بشراء النفط الروسي الموجود على متن الناقلات في المياه الدولية، وانتهاؤه يعني عملياً تضييق الخناق على جزء مهم من الإمدادات التي تعتمد عليها بعض المصافي الآسيوية، وفي مقدمتها الهند.
وتعد الهند من أكثر الدول تعرضاً للتأثر بهذا القرار، بعدما أصبحت خلال السنوات الماضية واحدة من أكبر مستوردي النفط الروسي المخفض السعر. وقد استفادت نيودلهي من الخصومات الكبيرة التي قدمتها موسكو بعد العقوبات الغربية، إلا أن انتهاء الإعفاء الأميركي قد يضع المصافي الهندية أمام معادلة أكثر تعقيداً تتعلق بتأمين الإمدادات والحفاظ على هوامش الربحية.
زيادة المنافسة
ومن المتوقع أن يؤدي أي تراجع في الإمدادات الروسية أو الإيرانية إلى زيادة المنافسة على الخام القادم من الشرق الأوسط وإفريقيا وأميركا اللاتينية، وهو ما قد يرفع الأسعار بصورة أكبر خلال الأشهر المقبلة، خاصة إذا استمرت أزمة هرمز دون حل.
وفي خضم هذه التطورات، أطلقت وكالة الطاقة الدولية تحذيراً واضحاً من أن السوق ستظل تعاني من نقص حاد في الإمدادات حتى أكتوبر المقبل، حتى في حال انتهاء الحرب خلال الشهر القادم. ويعكس هذا التحذير حقيقة أن استعادة التدفقات الطبيعية تحتاج إلى وقت طويل، بسبب اضطراب سلاسل الإمداد وتراجع المخزونات وصعوبة إعادة تشغيل بعض المسارات التجارية بسرعة.
كما أن انخفاض المخزونات العالمية بوتيرة قياسية يزيد من حساسية السوق تجاه أي تطور مفاجئ. ففي الظروف الطبيعية، تستطيع المخزونات امتصاص جزء من الصدمات المؤقتة، لكن تراجعها الحالي يعني أن أي تعطل إضافي قد ينعكس مباشرة على الأسعار دون وجود هامش أمان كافٍ.
اختبار بالغ الحساسية
وتواجه منظمة أوبك وحلفاؤها بدورهم اختباراً بالغ الحساسية في هذه المرحلة. فمن جهة، هناك حاجة للحفاظ على استقرار السوق ومنع حدوث نقص حاد في الإمدادات، ومن جهة أخرى لا ترغب الدول المنتجة في إغراق السوق بكميات كبيرة قد تؤدي لاحقاً إلى انهيار الأسعار إذا تم التوصل إلى تسوية سياسية مفاجئة.
كما تدرك أوبك أن استمرار الأسعار فوق 100 دولار لفترة طويلة قد يخلق تباطؤاً اقتصادياً عالمياً ينعكس سلباً على الطلب مستقبلاً، وهو ما يجعل إدارة التوازن الحالي شديدة التعقيد.
وتبدو آسيا الأكثر تأثراً بالأزمة الحالية، ليس فقط بسبب اعتمادها الكبير على نفط الخليج وروسيا، بل أيضاً لأن اقتصاداتها الصناعية تحتاج إلى تدفقات مستقرة ومنخفضة التكلفة للحفاظ على تنافسيتها. ولذلك بدأت بعض المصافي الآسيوية بالفعل بإعادة ترتيب سلاسل التوريد والبحث عن بدائل أكثر أمناً، حتى وإن كانت أعلى تكلفة.
موجة تضخم
أما على مستوى الاقتصاد العالمي، فإن الخطر الأكبر يتمثل في عودة موجة تضخم جديدة تقودها أسعار الطاقة. فارتفاع النفط لا يؤثر فقط على الوقود، بل يمتد إلى النقل والصناعة والغذاء والكهرباء والخدمات اللوجستية، ما يرفع تكاليف الإنتاج ويضغط على المستهلكين والحكومات في مختلف أنحاء العالم.
وتخشى الأسواق من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى تعطيل خطط البنوك المركزية لخفض أسعار الفائدة، إذ قد تجد نفسها مضطرة للإبقاء على السياسة النقدية المتشددة لفترة أطول لمواجهة التضخم المرتفع، وهو ما قد يبطئ النمو الاقتصادي العالمي ويضغط على الاستثمارات والأسواق المالية.