تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬بين‭ ‬قمة‭ ‬بكين‭ ‬ونار‭ ‬هرمز

النفط‭ ‬بين‭ ‬قمة‭ ‬بكين‭ ‬ونار‭ ‬هرمز

دخلت‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬الترقب‭ ‬الحذر‭ ‬مع‭ ‬انطلاق‭ ‬القمة‭ ‬المرتقبة‭ ‬بين‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترمب‭ ‬ونظيره‭ ‬الصيني‭ ‬شي‭ ‬جين‭ ‬بينغ‭ ‬في‭ ‬بكين،‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬الحرب‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬ترخي‭ ‬بظلالها‭ ‬الثقيلة‭ ‬على‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬وأسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية‭. ‬وبينما‭ ‬يراهن‭ ‬المستثمرون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬القمة‭ ‬إشارات‭ ‬تهدئة‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬تفاهمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬توتر‭ ‬الأسواق،‭ ‬تبقى‭ ‬الأنظار‭ ‬مركزة‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬مجدداً‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭.‬
واستقرت‭ ‬أسعار‭ ‬الخام‭ ‬بعد‭ ‬موجة‭ ‬تذبذب‭ ‬حادة‭ ‬شهدتها‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية،‭ ‬إذ‭ ‬تداول‭ ‬خام‭ ‬برنت‭ ‬قرب‭ ‬مستوى‭ ‬106‭ ‬دولارات‭ ‬للبرميل،‭ ‬بينما‭ ‬حافظ‭ ‬خام‭ ‬غرب‭ ‬تكساس‭ ‬الوسيط‭ ‬على‭ ‬تماسكه‭ ‬فوق‭ ‬حاجز‭ ‬101‭ ‬دولار‭. ‬ورغم‭ ‬تراجع‭ ‬الأسعار‭ ‬قليلاً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالقمم‭ ‬التي‭ ‬سجلتها‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬التصعيد،‭ ‬فإن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬علاوة‭ ‬مخاطر‭ ‬مرتفعة‭ ‬تعكس‭ ‬حجم‭ ‬القلق‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬تعطل‭ ‬الإمدادات‭.‬
وجاء‭ ‬هذا‭ ‬الاستقرار‭ ‬النسبي‭ ‬مدفوعاً‭ ‬بحالة‭ ‬انتظار‭ ‬لما‭ ‬ستسفر‭ ‬عنه‭ ‬المحادثات‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وبكين،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬أصبحت‭ ‬الطرف‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً‭ ‬في‭ ‬معادلة‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية،‭ ‬كونها‭ ‬أكبر‭ ‬مشترٍ‭ ‬للخام‭ ‬الإيراني،‭ ‬بينما‭ ‬تستخدم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬العقوبات‭ ‬والضغوط‭ ‬المالية‭ ‬لمحاولة‭ ‬خنق‭ ‬صادرات‭ ‬طهران‭ ‬وتقليص‭ ‬تدفقاتها‭ ‬نحو‭ ‬آسيا‭.‬

طمأنة‭ ‬للأسواق

وفي‭ ‬كلمته‭ ‬الافتتاحية‭ ‬خلال‭ ‬القمة،‭ ‬حاول‭ ‬ترمب‭ ‬إرسال‭ ‬رسائل‭ ‬طمأنة‭ ‬للأسواق‭ ‬حين‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬ستكون‭ ‬“أفضل‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى”،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المتعاملين‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية‭ ‬وحدها‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬كافية‭ ‬لتغيير‭ ‬المزاج‭ ‬العام‭ ‬للأسواق‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تُترجم‭ ‬إلى‭ ‬خطوات‭ ‬عملية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والعقوبات‭.‬
وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬الأساسية‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بالمواجهات‭ ‬العسكرية‭ ‬أو‭ ‬التوترات‭ ‬السياسية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أزمة‭ ‬لوجستية‭ ‬عالمية‭ ‬تضرب‭ ‬شرايين‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬فإغلاق‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬فعلياً‭ ‬أمام‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬الناقلات‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬اختناق‭ ‬غير‭ ‬مسبوق‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭ ‬وأسعار‭ ‬النقل‭ ‬البحري‭.‬

‭ ‬تدفقات‭ ‬الخام‭ ‬

ووفق‭ ‬البيانات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬انخفضت‭ ‬تدفقات‭ ‬الخام‭ ‬والوقود‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بنحو‭ ‬6‭ ‬ملايين‭ ‬برميل‭ ‬يومياً‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬العام،‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬الأعمال‭ ‬العدائية‭ ‬في‭ ‬أواخر‭ ‬فبراير‭. ‬وهذا‭ ‬الرقم‭ ‬يعادل‭ ‬تقريباً‭ ‬ثلث‭ ‬الكميات‭ ‬المعتادة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬الحيوي،‭ ‬ما‭ ‬يكشف‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬الذي‭ ‬تعرضت‭ ‬له‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭.‬
وباتت‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬والطاقة‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬تشغيلية‭ ‬ضخمة‭ ‬مع‭ ‬محدودية‭ ‬حركة‭ ‬الناقلات‭ ‬داخل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تتمكن‭ ‬سوى‭ ‬أعداد‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬من‭ ‬مغادرة‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬ذروة‭ ‬التصعيد‭. ‬كما‭ ‬ارتفعت‭ ‬تكاليف‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة،‭ ‬بينما‭ ‬فضلت‭ ‬شركات‭ ‬كثيرة‭ ‬تجنب‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬المناطق‭ ‬الخطرة،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬تأخير‭ ‬عمليات‭ ‬التسليم‭ ‬وارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭.‬

الحل‭ ‬الدبلوماسي

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬ترى‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الكبرى‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعيش‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬الحل‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدا‭ ‬بعيداً‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الراهن‭. ‬فالمتعاملون‭ ‬يراهنون‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬انفراجة‭ ‬سياسية،‭ ‬سواء‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬الوساطات‭ ‬الدولية،‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬استئناف‭ ‬تدفقات‭ ‬النفط‭ ‬وتخفيف‭ ‬الاختناق‭ ‬الحالي،‭ ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الجدول‭ ‬الزمني‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬غامضاً‭.‬
ورغم‭ ‬صمود‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬منذ‭ ‬أوائل‭ ‬أبريل،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬السياسية‭ ‬لا‭ ‬توحي‭ ‬بوجود‭ ‬تقدم‭ ‬حقيقي‭ ‬نحو‭ ‬تسوية‭ ‬شاملة‭. ‬فالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬تواصل‭ ‬تشديد‭ ‬ضغوطها‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬بينما‭ ‬تتمسك‭ ‬إيران‭ ‬بمواقفها،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأسواق‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬باعتبارها‭ ‬أزمة‭ ‬طويلة‭ ‬نسبياً‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬اضطراب‭ ‬مؤقت‭.‬
وزادت‭ ‬واشنطن‭ ‬الضغوط‭ ‬مؤخراً‭ ‬عبر‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬كيانات‭ ‬وبنوك‭ ‬مرتبطة‭ ‬ببيع‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬إلى‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬ملف‭ ‬الطاقة‭ ‬أصبح‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أدوات‭ ‬الصراع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭. ‬وتستهدف‭ ‬هذه‭ ‬العقوبات‭ ‬تقليص‭ ‬قدرة‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬والالتفاف‭ ‬على‭ ‬القيود‭ ‬الغربية،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬سوق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية‭ ‬عبر‭ ‬تقليص‭ ‬المعروض‭ ‬المتاح‭.‬
وتظهر‭ ‬صور‭ ‬الأقمار‭ ‬الاصطناعية‭ ‬الأخيرة‭ ‬استمرار‭ ‬التراجع‭ ‬الحاد‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬داخل‭ ‬ميناء‭ ‬جزيرة‭ ‬خرج،‭ ‬وهو‭ ‬المنفذ‭ ‬الرئيسي‭ ‬لصادرات‭ ‬النفط‭ ‬الإيرانية‭. ‬فقد‭ ‬بدت‭ ‬الأرصفة‭ ‬شبه‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬الناقلات‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مناسبة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬نجاح‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬الأميركي‭ ‬في‭ ‬تعطيل‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬حركة‭ ‬التصدير‭ ‬الإيرانية‭.‬
لكن‭ ‬الضغوط‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬الإيراني‭ ‬فقط،‭ ‬إذ‭ ‬تواجه‭ ‬السوق‭ ‬تطوراً‭ ‬حساساً‭ ‬آخر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬قرب‭ ‬انتهاء‭ ‬الإعفاء‭ ‬الأميركي‭ ‬المتعلق‭ ‬بالنفط‭ ‬الروسي‭. ‬فهذا‭ ‬الإعفاء‭ ‬كان‭ ‬يسمح‭ ‬بشراء‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬الموجود‭ ‬على‭ ‬متن‭ ‬الناقلات‭ ‬في‭ ‬المياه‭ ‬الدولية،‭ ‬وانتهاؤه‭ ‬يعني‭ ‬عملياً‭ ‬تضييق‭ ‬الخناق‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬الإمدادات‭ ‬التي‭ ‬تعتمد‭ ‬عليها‭ ‬بعض‭ ‬المصافي‭ ‬الآسيوية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الهند‭.‬
وتعد‭ ‬الهند‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الدول‭ ‬تعرضاً‭ ‬للتأثر‭ ‬بهذا‭ ‬القرار،‭ ‬بعدما‭ ‬أصبحت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬مستوردي‭ ‬النفط‭ ‬الروسي‭ ‬المخفض‭ ‬السعر‭. ‬وقد‭ ‬استفادت‭ ‬نيودلهي‭ ‬من‭ ‬الخصومات‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬قدمتها‭ ‬موسكو‭ ‬بعد‭ ‬العقوبات‭ ‬الغربية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬انتهاء‭ ‬الإعفاء‭ ‬الأميركي‭ ‬قد‭ ‬يضع‭ ‬المصافي‭ ‬الهندية‭ ‬أمام‭ ‬معادلة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬تتعلق‭ ‬بتأمين‭ ‬الإمدادات‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬هوامش‭ ‬الربحية‭.‬

زيادة‭ ‬المنافسة‭ ‬

ومن‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬أي‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬الروسية‭ ‬أو‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬المنافسة‭ ‬على‭ ‬الخام‭ ‬القادم‭ ‬من‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأميركا‭ ‬اللاتينية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يرفع‭ ‬الأسعار‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة،‭ ‬خاصة‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬أزمة‭ ‬هرمز‭ ‬دون‭ ‬حل‭.‬
وفي‭ ‬خضم‭ ‬هذه‭ ‬التطورات،‭ ‬أطلقت‭ ‬وكالة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭ ‬تحذيراً‭ ‬واضحاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬ستظل‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الإمدادات‭ ‬حتى‭ ‬أكتوبر‭ ‬المقبل،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬انتهاء‭ ‬الحرب‭ ‬خلال‭ ‬الشهر‭ ‬القادم‭. ‬ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التحذير‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬استعادة‭ ‬التدفقات‭ ‬الطبيعية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬طويل،‭ ‬بسبب‭ ‬اضطراب‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬وتراجع‭ ‬المخزونات‭ ‬وصعوبة‭ ‬إعادة‭ ‬تشغيل‭ ‬بعض‭ ‬المسارات‭ ‬التجارية‭ ‬بسرعة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬انخفاض‭ ‬المخزونات‭ ‬العالمية‭ ‬بوتيرة‭ ‬قياسية‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬حساسية‭ ‬السوق‭ ‬تجاه‭ ‬أي‭ ‬تطور‭ ‬مفاجئ‭. ‬ففي‭ ‬الظروف‭ ‬الطبيعية،‭ ‬تستطيع‭ ‬المخزونات‭ ‬امتصاص‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الصدمات‭ ‬المؤقتة،‭ ‬لكن‭ ‬تراجعها‭ ‬الحالي‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تعطل‭ ‬إضافي‭ ‬قد‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الأسعار‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬هامش‭ ‬أمان‭ ‬كافٍ‭.‬

اختبار‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية

وتواجه‭ ‬منظمة‭ ‬أوبك‭ ‬وحلفاؤها‭ ‬بدورهم‭ ‬اختباراً‭ ‬بالغ‭ ‬الحساسية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة‭. ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬هناك‭ ‬حاجة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقرار‭ ‬السوق‭ ‬ومنع‭ ‬حدوث‭ ‬نقص‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الإمدادات،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬ترغب‭ ‬الدول‭ ‬المنتجة‭ ‬في‭ ‬إغراق‭ ‬السوق‭ ‬بكميات‭ ‬كبيرة‭ ‬قد‭ ‬تؤدي‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬الأسعار‭ ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تسوية‭ ‬سياسية‭ ‬مفاجئة‭.‬
كما‭ ‬تدرك‭ ‬أوبك‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الأسعار‭ ‬فوق‭ ‬100‭ ‬دولار‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭ ‬قد‭ ‬يخلق‭ ‬تباطؤاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬عالمياً‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الطلب‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إدارة‭ ‬التوازن‭ ‬الحالي‭ ‬شديدة‭ ‬التعقيد‭.‬
وتبدو‭ ‬آسيا‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بالأزمة‭ ‬الحالية،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬بسبب‭ ‬اعتمادها‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬نفط‭ ‬الخليج‭ ‬وروسيا،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬لأن‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬الصناعية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تدفقات‭ ‬مستقرة‭ ‬ومنخفضة‭ ‬التكلفة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬تنافسيتها‭. ‬ولذلك‭ ‬بدأت‭ ‬بعض‭ ‬المصافي‭ ‬الآسيوية‭ ‬بالفعل‭ ‬بإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬سلاسل‭ ‬التوريد‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬بدائل‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أعلى‭ ‬تكلفة‭.‬

موجة‭ ‬تضخم‭ ‬

أما‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬فإن‭ ‬الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬موجة‭ ‬تضخم‭ ‬جديدة‭ ‬تقودها‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭. ‬فارتفاع‭ ‬النفط‭ ‬لا‭ ‬يؤثر‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬الوقود،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬النقل‭ ‬والصناعة‭ ‬والغذاء‭ ‬والكهرباء‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬الإنتاج‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬المستهلكين‭ ‬والحكومات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬أنحاء‭ ‬العالم‭.‬
وتخشى‭ ‬الأسواق‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬تعطيل‭ ‬خطط‭ ‬البنوك‭ ‬المركزية‭ ‬لخفض‭ ‬أسعار‭ ‬الفائدة،‭ ‬إذ‭ ‬قد‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬مضطرة‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬النقدية‭ ‬المتشددة‭ ‬لفترة‭ ‬أطول‭ ‬لمواجهة‭ ‬التضخم‭ ‬المرتفع،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يبطئ‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭ ‬ويضغط‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية‭.‬

رجوع لأعلى