العقوبات الأميركية تشعل النفط وتهدد الإمدادات
أنهت أسعار النفط تعاملات الأسبوع على ارتفاع قوي، بعدما أعادت التهديدات الأميركية بتشديد العقوبات على إيران وشركائها التجاريين مخاطر الإمدادات إلى صدارة حسابات المستثمرين، في وقت لا تزال فيه حركة الطاقة عبر مضيق هرمز بعيدة عن مستوياتها الطبيعية. وصعد خـام بـرنت في جلسة الجمعة 61 سنتاً، أو 0.65 %، ليغلق عند 94.39 دولار للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 23 سنتاً، أو 0.26 %، إلى 87.06 دولار.
مكاسب أسبوعية
وعلى مستوى الأسبوع، حقق برنت مكاسب بلغت 6.39 %، مقابل ارتفاع 5.66 % للخام الأميركي، بعدما لامس الخامان في الجلسة السابقة أعلى مستوياتهما منذ 24 يوليو، ما يعكس عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية بقوة إلى الأسعار. وجاءت هذه المكاسب في ظل قناعة متزايدة لدى المتعاملين بأن استمرار المواجهة بين واشنطن وطهران قد يبقي جزءاً مهماً من إمدادات الشرق الأوسط خارج المسارات الطبيعية لفترة أطول من المتوقع.
وتحولت العقوبات الأميركية إلى المحرك الأبرز للسوق بعد تهديد الرئيس دونالد ترامب بفرض عقوبات اقتصادية على الدول والشركات التي تواصل التعامل مع إيران. ولا تقتصر مخاوف المستثمرين على قدرة الإجراءات الجديدة على تقليص الصادرات الإيرانية مباشرة، وإنما تمتد إلى احتمال دفع المشترين وشركات الشحن والتأمين والمؤسسات المالية إلى تجنب التعاملات المرتبطة بطهران، بما قد يضيق الخيارات المتاحة أمام النفط الإيراني ويزيد تكلفة نقله وتسويقه.
ضغط أميركي
وتكتسب الخطوة الأميركية أهمية إضافية لأن واشنطن تسعى إلى نقل المواجهة من نطاق العقوبات المباشرة على إيران إلى دائرة أوسع تشمل الأطراف التي توفر لطهران منافذ تجارية ومالية. ومن شأن نجاح هذه السياسة أن يرفع المخاطر أمام المشترين، خصوصاً في آسيا، ويجعل الحصول على النفط الإيراني أكثر تعقيداً حتى بالنسبة إلى الجهات التي اعتادت التعامل مع منظومة العقوبات خلال السنوات الماضية.
لكن التأثير الفوري للعقوبات الإضافية قد يظل محدوداً نسبياً، نظراً إلى أن صادرات إيران تواجه بالفعل قيوداً واسعة بفعل الحصار البحري الأميركي. ويرى محللون أن الخطر الأكبر يكمن في رد الفعل الإيراني وما قد يصاحبه من زيادة حوادث الملاحة أو تعطيل إضافي لحركة السفن، خصوصاً أن مضيق هرمز لا يزال يعمل بأقل كثيراً من طاقته المعتادة.
مأزق هرمز
ويظل المضيق نقطة الضعف الرئيسية في معادلة الطاقة العالمية. وأظهرت بيانات شركة «كبلر» أن سبع سفن سلع فقط عبرت هرمز يوم الخميس، بما يعادل نصف العدد المسجل في اليوم السابق، في مؤشر على استمرار الاضطراب الشديد في أحد أهم شرايين تجارة الطاقة الدولية. وقبل اندلاع الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر الممر المائي.
ومع اقتراب الحرب من إكمال ستة أشهر، باتت السوق تتعامل مع اضطرابات هرمز باعتبارها عاملاً ممتداً وليس صدمة مؤقتة. وهذه النقلة مهمة في تسعير الخام، لأن استمرار القيود يعني ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وإعادة توجيه الشحنات، ويجبر المشترين على البحث عن بدائل أبعد جغرافياً، ما يزيد تكلفة البرميل الفعلية حتى عندما تكون كميات النفط المتاحة عالمياً كافية نظرياً.
بدائل المعروض
وفي المقابل، تمنع وفرة بعض البدائل الأسعار من الاندفاع بصورة أكبر. ويشير محللون إلى أن خطوط الأنابيب ومسارات الشحن البديلة والنفط الصخري الأميركي، إلى جانب تحسن الإمدادات الفنزويلية وقدرة الإمارات على تصدير كميات بعيداً عن بعض القيود، توفر صمام أمان نسبي للسوق. ولذلك لم يعد مضيق هرمز العامل الوحيد الذي يحدد اتجاه الأسعار، رغم احتفاظه بأكبر علاوة للمخاطر في الوقت الحالي.
وتعني هذه البدائل أن أي صعود جديد للنفط سيعتمد على حجم الخسائر الفعلية في الإمدادات، وليس على التوتر السياسي وحده. فإذا استطاعت الدول المنتجة والمستهلكة إعادة توزيع التدفقات وتعويض البراميل المفقودة، قد تبقى الأسعار تحت السيطرة. أما إذا ترافق تشديد العقوبات مع حوادث شحن جديدة أو انخفاض إضافي في صادرات المنطقة، فقد تواجه السوق فجوة يصعب سدها بسرعة.
النفط الإيراني
وتظهر آثار الضغوط بالفعل في السوق الآسيوية، إذ تراجعت عروض الخام الإيراني للمشترين الصينيين، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار ونقص الشحنات المتاحة. وتشير بيانات ومصادر تجارية إلى أن صادرات إيران هبطت بشدة مقارنة بمتوسطات العام الماضي، فيما تقلصت كميات الخام الإيراني المخزنة عائماً خارج نطاق الحصار، الأمر الذي يدفع المصافي الصينية إلى البحث بصورة أكبر عن بدائل من العراق والبرازيل ودول أخرى.
وتكتســب الصين أهمية خاصة في هذه المعادلة، كونها تستحوذ على أكثر من 80 % من النفط الإيراني المنقول بحراً، ما يجعل قدرة واشنطن على التأثير في المشترين الصينيين عاملاً حاسماً في تحديد فاعلية المرحلة الجديدة من العقوبات. وفي المقابل، فإن أي مواجهة اقتصادية أوسع مع بكين بسبب مشترياتها من الخام الإيراني قد توسع الأزمة من سوق الطاقة إلى العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
مخاطر روسية
ولا تقتصر الضغوط على الشرق الأوسط، إذ أضافت الحرب الروسية الأوكرانية مصدراً آخر للقلق بعدما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن قوات بلاده ضربت مصفاة نفط روسية في مدينة بيرم، على بعد أكثر من 1600 كيلومتر من الحدود الأوكرانية. وتأتي الضربة ضمن سلسلة هجمات تستهدف البنية التحتية للطاقة الروسية، بما يضيف مخاطر جديدة إلى سوق تعاني أصلاً اضطراب الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
ويؤدي تزامن الضغوط على إيران وروسيا مع اضطراب هرمز إلى زيادة حساسية أسواق الوقود، ولا سيما الديزل، إذ ارتفعت هوامش التكرير بقوة خلال الفترة الأخيرة. كما تجاوز متوسط سعر الديزل بالتجزئة في الولايات المتحدة 5.55 دولار للغالون خلال الأسبوع، في مؤشر على انتقال جزء من أزمة الإمدادات إلى المستهلك النهائي، وهو ما قد يعيد الطاقة إلى قلب حسابات التضخم والسياسة النقدية.
الأسواق تترقب جولة
صعود جديدة
يدخل النفط الأسبوع الجديد محاطاً بمزيج معقد من العوامل الصعودية والضغوط المضادة؛ فالعقوبات الأميركية المرتقبة، وانخفاض الصادرات الإيرانية، وتعطل هرمز، والهجمات على منشآت الطاقة الروسية تدعم الأسعار، بينما تعمل الإمدادات البديلة ومسارات النقل الجديدة على الحد من الارتفاعات. وستظل نقطة التحول الرئيسية مرتبطة بمدى قدرة واشنطن على فرض عقوبات فعالة على شركاء إيران، ورد طهران عليها، وحجم حركة السفن عبر هرمز. وإذا تراجعت التدفقات بصورة أكبر، فإن تجاوز برنت حاجز 100 دولار سيعود بقوة إلى حسابات المتعاملين، أما تحسن الملاحة أو ظهور بوادر تفاوض جديدة فقد يسحب سريعاً جزءاً من علاوة المخاطر التي دفعت الخام إلى أقوى مستوياته في نحو شهر.