العلماء يرسمون خريطة كنوز الألماس النادر
قد يبدو الألماس مجرد حجر ثمين تحدد قيمته الندرة والنقاء والبريق، لكن بعض أغلى الأحجار في العالم تحمل وراءها رحلة جيولوجية تمتد مئات الكيلومترات تحت سطح الأرض. والآن، بدأ العلماء يقتربون من تحويل أسرار هذه الرحلة إلى أداة يمكن أن تساعد شركات التعدين في معرفة أين تبحث عن الماسات العملاقة قبل إنفاق الملايين على عمليات التنقيب.
وتوصل باحثون إلى مؤشرات كيميائية وجيولوجية قد تساعد في تحديد المناطق الأكثر احتمالاً لوجود ألماس «كليبير» (CLIPPIR)، وهي فئة شديدة الندرة تجمع بين الأحجام الكبيرة والنقاء الاستثنائي، ما يفتح الباب أمام استكشاف أكثر دقة وأقل اعتماداً على الاحتمالات.
ألماس استثنائي
يمثل «كليبير» أقل من 1 % من إجمالي الألماس، لكنه يضم بعض أشهر وأثمن الأحجار المكتشفة. وقد تتجاوز بعض الماسات الخام من هذه الفئة 100 قيراط، ومن أبرز أمثلتها «كولينان»، التي بلغ وزنها عند اكتشافها 3106 قراريط، قبل تقطيعها إلى عدة أحجار تاريخية، بينها «نجمة أفريقيا الكبرى» البالغ وزنها 530 قيراطاً.
ولا تكمن أهمية هذه الأحجار في قيمتها التجارية فقط، وإنما في الظروف الاستثنائية اللازمة لتكوينها، والتي توفر للعلماء نافذة نادرة على العمليات التي تجري في أعماق الأرض.
رحلة عميقة
يتشكل معظم ألماس المجوهرات على أعماق تتراوح بين 150 و200 كيلومتر تحت القارات القديمة، لكن ألماس «كليبير» يرتبط بمناطق أعمق بكثير، تصل إلى المنطقة الانتقالية من الوشاح الواقعة تقريباً بين 410 و660 كيلومتراً تحت سطح الأرض.
وفي هذه البيئة، تسمح الضغوط ودرجات الحرارة الهائلة للكربون بالتبلور خلال فترات طويلة. وتوفر الشوائب المعدنية المحبوسة داخل الألماس دليلاً على منشئه العميق، ومن بينها معدن «غارنت الماجوريت» المرتبط بالضغوط العالية.
ويعتقد الباحثون أن تكوين ألماسة ضخمة وعالية النقاء يحتاج إلى بيئة مستقرة نسبياً تسمح للسوائل الغنية بالكربون ببناء البلورة تدريجياً.
بصمة الكنز
للوصول إلى هذه الأحجار، ركز الباحثون على معدن «الأوليفين»، الموجود بكثرة في صخور «الكمبرلايت» التي تصعد من أعماق الأرض خلال ثورات بركانية سريعة.
وتعمل صهارات الكمبرلايت مثل «مصاعد طبيعية»، إذ تلتقط الصخور والمعادن في طريقها إلى السطح، وقد تحمل معها الألماس. ومن خلال تحليل آلاف حبيبات الأوليفين، يستطيع العلماء الحصول على معلومات عن البيئة التي عبرتها الصهارة.
ووجد الباحثون أن صخور الكمبرلايت المرتبطة بألماس «كليبير» تحتوي على كميات ملحوظة من الأوليفين الغني بالحديد، خصوصاً في المناطق العميقة من جذور القارات، لتتحول هذه البصمة إلى مؤشر محتمل للمواقع الواعدة.
محيط قديم
تبدأ قصة بعض هذه الماسات، على الأرجح، من قاع محيط قديم. وتشير النتائج إلى أن قشرة محيطية تعرضت لتغيرات كيميائية بفعل مياه البحر والسوائل الساخنة، قبل أن تنغمس في أعماق الأرض مع اندساس إحدى الصفائح التكتونية تحت أخرى.
وانتقلت معها مواد من بينها الكربون، الذي تمكن جزء منه من الوصول إلى أعماق كبيرة، حيث دخل في عمليات انتهت بتكوين بلورات الألماس.
وبذلك، قد تكون الماسة التي تباع لاحقاً بمبالغ هائلة نتاج رحلة بدأت بقاع محيط، واستمرت داخل باطن الأرض لفترات جيولوجية هائلة قبل أن تعيدها الانفجارات البركانية إلى السطح.
تنقيب أذكى
هنا تتحول المعرفة الجيولوجية إلى قيمة اقتصادية. فالتنقيب التقليدي عن الألماس عملية مكلفة، كما أن العثور على صخور الكمبرلايت لا يضمن وجود أحجار عالية القيمة.
لكن امتلاك بصمة كيميائية مرتبطة بألماس «كليبير» قد يسمح للشركات بفحص الصخور أولاً، واستبعاد المواقع الأقل احتمالاً، ثم توجيه الأموال والمعدات إلى المناطق الأكثر وعداً.
ولا تعني البصمة أن كل موقع يحملها يحتوي بالضرورة على ماسة عملاقة، لكنها قد تقلل مساحة البحث وتساعد في اتخاذ قرارات استثمارية أكثر دقة، ما يخفض الوقت والأموال المهدرة في عمليات استكشاف غير مثمرة.
ثروة أفريقية
تكتسب النتائج أهمية خاصة في جنوب أفريقيا، صاحبة التاريخ الطويل في اكتشاف الماسات الاستثنائية. ولا يزال منجم «كولينان»، الذي تديره «بترا دايموندز»، ينتج أحجاراً نادرة، بينها ماسة زرقاء بوزن 41.82 قيراطاً.
لكن الإمكانات لا تقتصر على جنوب أفريقيا، إذ يمكن تطبيق المؤشرات الجديدة في مناطق أخرى غنية بصخور الكمبرلايت، ومنها أجزاء من سيراليون وأنغولا.
وإذا أثبتت الدراسات المستقبلية موثوقية هذه الطريقة، فقد تتجاوز قيمتها مجرد زيادة فرص العثور على الألماس، لتشمل خفض تكلفة الاستكشاف وتحسين كفاءة توجيه رؤوس الأموال.
الجيولوجيا تقود الاستثمار
لا تزال أسئلة مهمة بلا إجابة، بينها سبب ارتباط ألماس «كليبير» تحديداً بالبيئات الغنية بالحديد، والآلية الدقيقة التي تسمح بتكوين هذه الأحجار الضخمة والنقية، ومدى انتشار الظروف المناسبة لها في أعماق الأرض.
ويعمل العلماء على دمج التحليلات النظائرية للألماس وشوائبه مع دراسة الصخور التي حملتها صهارات الكمبرلايت إلى السطح، لبناء خريطة أكثر دقة للبيئات المنتجة للماس النادر.
وهنا تتغير العلاقة بين العلم والثروة: فبدلاً من البحث الواسع أملاً في العثور على الحجر الثمين، قد تصبح التركيبة الكيميائية للصخور هي التي تخبر شركات التعدين أين تحفر. وفي صناعة يمكن لماسة واحدة استثنائية أن تحمل قيمة هائلة، قد تصبح معرفة مكان البحث عن الألماس لا تقل قيمة عن الألماس نفسه.