الكويت وفرنسا.. شراكة اقتصادية تمتد لقطاعات استراتيجية
تتمتع الكويت وفرنسا بعلاقات اقتصادية وتجارية واستثمارية راسخة، تستند إلى تاريخ طويل من التعاون الاقتصادي، وتستمد أهميتها من تنوع الفرص المتاحة أمام البلدين في قطاعات الطاقة والصناعة والدفاع والبنية التحتية والخدمات المالية والتكنولوجيا والطاقة النظيفة.
ومع تسارع جهود الكويت لتنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، تبرز فرنسا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً يمكن الاستفادة من خبراته الصناعية والتكنولوجية والمالية لدعم التحول الاقتصادي الكويتي.
ولا تقتصر أهمية هذه العلاقات على حجم المبادلات التجارية أو الاستثمارات القائمة، بل تمتد إلى إمكانية بناء شراكات طويلة الأجل تشمل نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات وتطوير الكفاءات الوطنية وتنفيذ المشاريع التنموية، بما يحقق مصالح مشتركة للطرفين.
وفي المقابل، تمثل الكويت بالنسبة إلى الشركات الفرنسية بوابة مهمة إلى السوق الخليجية، ومصدراً للفرص الاستثمارية المرتبطة بمشاريع التنمية والبنية التحتية والطاقة والخدمات المتخصصة.
ويأتي هذا التعاون في مرحلة تتجه فيها الكويت إلى تعزيز مكانتها مركزاً مالياً وتجارياً إقليمياً، فيما تعمل فرنسا على توسيع حضور شركاتها في الأسواق الدولية وتنمية شراكاتها الاقتصادية مع دول الخليج، في ظل التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد.
التبادل التجاري.. 3.3 مليارات يورو
تُظهر أحدث البيانات السنوية المتاحة أن التبادل التجاري بين الكويت وفرنسا بلغ نحو 3.3 مليارات يورو في نهاية العام الماضي ، مسجلاً نمواً ملحوظاً مقارنة بعام 2022. غير أن قراءة هذه الأرقام تستلزم التمييز بين النمو المستدام في التجارة والنمو الاستثنائي الناتج عن صفقات كبيرة أو تسليمات دورية، خصوصاً في قطاع الطيران.
وارتفعت الصادرات الفرنسية إلى الكويت بنسبة 68.5 % خلال 2025 لتبلغ 1.07 مليار يورو، مقابل نحو 634 مليون يورو في 2024، وفق بيانات الخزانة الفرنسية. ويُعزى جانب كبير من هذه القفزة إلى تسليم طائرات لشركة الخطوط الجوية الكويتية، إذ بلغت صادرات الطائرات 597 مليون يورو، مقارنة بـ158 مليون يورو في العام السابق.
وبذلك، لا يعكس نمو الصادرات الفرنسية توسعاً مماثلاً في جميع القطاعات، إذ استقرت الصادرات باستثناء معدات الطيران عند نحو 475 مليون يورو، مقابل 478 مليون يورو في 2024. ويشير هذا الأداء إلى وجود قاعدة تجارية قائمة تحتاج إلى مزيد من التوسع في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والخدمات.
وفي المقابل، ارتفعت الواردات الفرنسية من الكويت بنسبة 13 % لتصل إلى 2.22 مليار يورو ، وتكوّنت بنسبة 99.5 % من المنتجات النفطية المكررة. ويؤكد ذلك الدور الذي تؤديه الكويت في تلبية جانب من احتياجات فرنسا من الطاقة، لكنه يكشف أيضاً عن تفاوت واضح في طبيعة صادرات كل طرف؛ إذ ترتبط الصادرات الكويتية إلى فرنسا أساساً بالطاقة، بينما تتنوع الصادرات الفرنسية بين السلع الصناعية والتكنولوجية والاستهلاكية.
ورغم ارتفاع الصادرات الفرنسية، استمر العجز التجاري لمصلحة الكويت عند 1.152 مليار يورو في 2025، إلا أنه انخفض بنسبة 14 % مقارنة بعام 2024.
أبرز الصادرات الفرنسية إلى الكويت
تتوزع الصادرات الفرنسية إلى السوق الكويتية على مجموعة من القطاعات، تشمل الطيران والصناعات التحويلية والمعدات الكهربائية والإلكترونية والمنتجات الغذائية والسلع الاستهلاكية.
وتتضمن مجموعة المنتجات الصناعية الأخرى المواد الكيميائية بنحو 110 ملايين يورو، والمنسوجات بنحو 61 مليوناً، والمنتجات المصنعة بنحو 39 مليوناً، والأدوية بنحو 31 مليون يورو، إلى جانب مستحضرات التجميل وغيرها. وتوضح هذه الأرقام تنوع القاعدة التصديرية الفرنسية، رغم الوزن الكبير لصفقات الطيران في إجمالي صادرات 2025.
وتستفيد الشركات الفرنسية كذلك من الطلب الكويتي على المنتجات عالية الجودة، بما في ذلك الأدوية والمستلزمات الطبية والأغذية والعلامات التجارية الفاخرة ومستحضرات التجميل والسيارات، فضلاً عن المعدات الصناعية والحلول الهندسية. ويمكن أن يسهم التوسع في هذه المجالات في تعزيز العلاقات التجارية بعيداً عن التذبذبات التي قد تنتج عن مواعيد تسليم الطائرات أو تغيرات أسعار الطاقة.
الاستثمارات المتبادلة.. إمكانات أكبر من الأرقام الحالية
تمثل الاستثمارات المتبادلة أحد أهم محاور العلاقة الاقتصادية بين البلدين، خصوصاً في ظل امتلاك الكويت قاعدة استثمارية سيادية كبيرة، ووجود مؤسسات فرنسية متخصصة في إدارة الأصول وتمويل الشركات والابتكار والاستثمار طويل الأجل.
وتشير البيانات الفرنسية الرسمية إلى أن رصيد الاستثمارات المباشرة الكويتية في فرنسا بلغ نحو 1.2 مليار يورو ، بينما وصل رصيد الاستثمارات المباشرة الفرنسية في الكويت إلى نحو 133 مليون يورو. وتكشف هذه الأرقام عن أهمية الاستثمارات الكويتية في السوق الفرنسية، مقابل وجود مجال لزيادة الاستثمارات الفرنسية المباشرة في السوق الكويتية.
الشراكة بين الهيئة العامة للاستثمار والمؤسسات الفرنسية
تُعد الهيئة العامة للاستثمار الكويتية إحدى الجهات المحورية في تطوير الاستثمارات الثنائية، بالنظر إلى دورها في إدارة الأصول وتنويع المحافظ الاستثمارية والاستثمار طويل الأجل في الأسواق الدولية.
وفي هذا السياق، يشكل التعاون مع بنك الاستثمار العام الفرنسي، المعروف باسم بي بي إي فرانس، أحد المسارات التي يمكن أن تتيح توجيه رؤوس الأموال نحو الشركات المبتكرة والمشاريع الصناعية والتكنولوجية، إلى جانب الأدوات الاستثمارية التي تدعم النمو والتوسع الدولي.
وقد شهد هذا التعاون تطوراً ملموساً في مايو 2024 مع إنشاء الصندوق الفرنسي الكويتي، في إطار تعزيز الحوار الاستثماري بين الجانبين. كما أكدت زيارة وزير التجارة الخارجية والجاذبية الفرنسي نيكولا فوريسييه إلى الكويت في ديسمبر 2025 أهمية تطوير تدفقات الاستثمار الثنائي، ولا سيما في المجالات الابتكارية ذات المنافع المشتركة.
وتتجاوز أهمية هذه الشراكة توفير التمويل، إذ يمكن أن تسهم في ربط المستثمرين الكويتيين بالشركات الفرنسية الناشئة والمتوسطة، وتسهيل الوصول إلى فرص استثمارية في قطاعات التكنولوجيا والصناعة والطاقة والصحة، مع إمكانية بناء شراكات تسمح بنقل المعرفة والخبرات إلى السوق الكويتية.
آفاق الاستثمار الكويتي في فرنسا
توفر فرنسا فرصاً استثمارية متنوعة أمام المؤسسات الكويتية، تشمل العقارات التجارية والضيافة والخدمات اللوجستية والبنية التحتية والطاقة والصناعات المتقدمة والتكنولوجيا والرعاية الصحية.
كما يمكن للمستثمرين الكويتيين الاستفادة من البيئة الصناعية الفرنسية ومنظومة البحث والتطوير والابتكار، سواء عبر الاستثمار المباشر في الشركات أو المشاركة في الصناديق المتخصصة أو تمويل مشاريع التوسع الدولي.
وفي المقابل، تستطيع الشركات الفرنسية توسيع استثماراتها داخل الكويت من خلال تأسيس كيانات محلية أو الدخول في تحالفات مع شركات كويتية، بما يدعم تنفيذ المشاريع التنموية ويعزز مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني.
وقد أشار الجانب الفرنسي في ديسمبر 2025 إلى قرب افتتاح مكتب لمجموعة الاستثمار الفرنسية «أرديان» في الكويت، باعتباره مؤشراً على تنامي الاهتمام بتطوير الروابط الاستثمارية بين البلدين.
الحضور الفرنسي في السوق الكويتية
يمثل وجود الشركات الفرنسية في الكويت أحد الأعمدة العملية للعلاقات الاقتصادية، إذ لا يقتصر دورها على تصدير السلع، بل يشمل تقديم الخدمات الفنية والاستشارية والهندسية والتشغيلية، والمشاركة في المشاريع الكبرى، وتوفير حلول متخصصة للقطاعين العام والخاص.
ووفق بيانات وزارة الخارجية الفرنسية المحدثة في أبريل 2026، توجد في الكويت 39 شركة فرنسية تحقق إيرادات تبلغ نحو 585 مليون يورو، وتوظف 2,139 شخصاً. وإلى جانب هذه الشركات، توجد أكثر من 50 شركة فرنسية أخرى من خلال شركاء محليين واتفاقيات امتياز تجاري
أبرز الشركات والمجموعات الفرنسية في السوق الكويتية:
الطاقة والنفط والغاز
تتمتع الشركات الفرنسية بخبرات في قطاع الطاقة، وفي مقدمتها توتال إنرجيز، إلى جانب الشركات العاملة في الهندسة والمعدات والخدمات الفنية. ويتيح هذا القطاع فرصاً للتعاون في تطوير العمليات الصناعية ورفع الكفاءة وتحسين الأداء البيئي، فضلاً عن مشروعات الطاقة منخفضة الانبعاثات.
الطيران والنقل
تمثل إيرباص نموذجاً بارزاً للعلاقات التجارية، إذ أسهمت تسليمات طائرات A321neo وA330 إلى الخطوط الجوية الكويتية في الزيادة الكبيرة للصادرات الفرنسية خلال 2025. كما تشمل الفرص المستقبلية تطوير المطارات والخدمات الفنية والصيانة والتدريب وتحسين كفاءة النقل.
الهندسة والطاقة الذكية
تمتلك شركات مثل شنايدر إلكتريك، وإيجيس وإيفاج، خبرات في إدارة الطاقة والهندسة والبنية التحتية والمشاريع الحضرية. ويمكن الاستفادة من هذه الخبرات في المباني الذكية، وتحديث المرافق، وإدارة شبكات الطاقة والمياه والنقل.
المياه والبيئة والخدمات
تعمل فيوليا في مجالات المياه وإدارة النفايات والخدمات البيئية، فيما توفر شركات فرنسية أخرى خدمات الاختبار والتفتيش والاستشارات الفنية. وتكتسب هذه المجالات أهمية مع التوسع العمراني واحتياجات الكويت إلى رفع كفاءة إدارة الموارد.