النحاس يقفز 17.5 % ويتفوق على الذهب
في عام بدا فيه الذهب المرشح الطبيعي لقيادة سوق المعادن، نجح النحاس في خطف الأضواء بعدما حقق مكاسب تفوق المعدن الأصفر بأكثر من خمسة أضعاف منذ بداية العام، مدفوعاً بطفرة الطلب المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والكهرباء، بالتزامن مع اضطرابات في المناجم ومخاوف من عجز الإمدادات عن مواكبة الاحتياجات المتزايدة.
وارتفعت أسعار النحاس في بورصة نيويورك بنحو 17.52 % منذ بداية العام، مقابل مكاسب بلغت 3.35 % للذهب، فيما يواصل المعدن الأحمر التداول قرب أعلى مستوياته التاريخية في بورصة لندن للمعادن، بعدما سجل 14.527 ألف دولار للطن المتري في أواخر يناير.
لكن صعود النحاس لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد العالمي يدخل دورة توسع قوية، فرغم شهرة المعدن بلقب «دكتور كوبر» بسبب استخدامه مؤشراً مبكراً على النشاط الاقتصادي، فإن الارتفاع الحالي تحركه عوامل أخرى، أبرزها محدودية المعروض والطلب الهيكلي المتنامي من قطاعات الكهرباء والذكاء الاصطناعي.
طلب متسارع
يُستخدم النحاس على نطاق واسع في البناء والصناعة والإلكترونيات، ولذلك يرتبط الطلب عليه تاريخياً بالنشاط الاقتصادي، إذ يشير ارتفاع استهلاكه عادة إلى زيادة الاستثمار والإنتاج، بينما قد يكون تراجعه علامة على تباطؤ الصناعة.
إلا أن المعادلة تغيرت جزئياً مع طفرة الذكاء الاصطناعي، إذ لا تحتاج مراكز البيانات إلى الخوادم والرقائق فقط، وإنما إلى بنية كهربائية ضخمة، ويقع النحاس في قلبها بفضل قدرته العالية على توصيل الكهرباء ومقاومة التآكل.
ويضاف إلى ذلك التحول نحو المركبات الكهربائية، التي تحتاج إلى ما يتراوح بين ثلاثة وأربعة أمثال كمية النحاس المستخدمة في السيارات التقليدية العاملة بالبنزين، ما يضيف مصدراً طويل الأجل للطلب.
كما تلقى المعدن دعماً من الولايات المتحدة، حيث أقبل مستثمرون على شراء النحاس تحسباً لفرض تعريفات جمركية جديدة على الواردات، ما عزز المنافسة على الإمدادات المتاحة.
ويرى فريق أبحاث السلع لدى بنك «بانمور ليبروم» أن النحاس أصبح أكثر جاذبية للمستثمرين، إلا أن المقارنة مع الذهب تظل مرتبطة باختلاف محركات المعدنين.
فالذهب يعتمد بدرجة أكبر على التضخم وأسعار الفائدة والدولار والمخاطر الجيوسياسية، بينما يتحرك النحاس استناداً إلى النشاط الصناعي والاستثمارات في شبكات الكهرباء ومراكز البيانات والبنية التحتية. ولذلك فإن تفوقه هذا العام لا يعني تخلي المستثمرين عن الذهب، وإنما يعكس قوة العوامل الداعمة للمعدن الأحمر.
إمدادات مضغوطة
في الوقت الذي يتزايد فيه الطلب، تواجه الإمدادات اضطرابات في عدد من أهم الدول المنتجة. وتنتج تشيلي، أكبر منتج منفرد للنحاس عالمياً، نحو 5.3 ملايين طن، لكنها شهدت خلال يوليو عواصف وثلوجاً وأمطاراً غزيرة عطلت عمليات التعدين في وقت تعاني فيه السوق بالفعل من شح المعروض.
كما أدت اضطرابات الإمدادات وحظر تصدير مركزات النحاس في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى زيادة المخاوف، خصوصاً أن البلاد تنتج نحو 3.3 ملايين طـن وتمثل قرابة 14 % من الإنتاج العالمي.
وتأتي بيرو في المرتبة التالية بإنتاج 2.6 مليون طن، ثم الصين بنحو 1.8 مليون طن، بينما تنتج الولايات المتحدة وإندونيسيا نحو 1.1 مليون طن لكل منهما، وروسيا قرابة 900 ألف طن.
ولا تكمن المشكلة في الاضطرابات الحالية وحدها، وإنما في صعوبة زيادة الإنتاج بسرعة. فقد انخفض متوسط تركيز النحاس في المناجم العالمية بنحو 40 % منذ عام 1991، ما يعني الحاجة إلى استخراج ومعالجة كميات أكبر من الخام للحصول على الكمية نفسها من المعدن.
كما أصبحت المشروعات الجديدة أكثر تكلفة وتعقيداً، وتشير التقديرات إلى أن منجم النحاس الجديد قد يحتاج نحو 17 عاماً منذ مرحلة الاكتشاف وحتى الوصول إلى الإنتاج التجاري.
وتظهر ضغوط السوق بوضوح في الصين، التي تستحوذ على نحو 60 % من استهلاك النحاس العالمي، إذ انخفضت مخزونات المعدن في بورصة شنغهاي للعقود الآجلة إلى نحو 69 ألف طن بنهاية يوليو، وهو أدنى مستوى في قرابة عامين ونصف العام.
فجوة مستقبلية
يضع بطء تطوير المناجم الجديدة سوق النحاس أمام خطر تحول نقص الإمدادات من اضطراب مؤقت إلى مشكلة هيكلية طويلة الأجل، خصوصاً إذا استمرت استثمارات الذكاء الاصطناعي والكهرباء والمركبات الكهربائية في التوسع بالمعدلات الحالية.
وتقدر «إس أند بي جلوبال» أن فجوة المعروض العالمي من النحاس قد تصل إلى نحو 10 ملايين طن بحلول 2040 إذا لم يحدث توسع كبير في الإنتاج، وهو رقم يكشف حجم التحدي أمام صناعة التعدين خلال السنوات المقبلة.
وتعني هذه التوقعات أن السوق قد تحتاج إلى استثمارات ضخمة في المناجم الجديدة، إلى جانب زيادة إعادة تدوير النحاس وتحسين كفاءة استخدام المعدن، حتى تتمكن الإمدادات من مواكبة الطلب.
كما يعيد ذلك تفسير الرسالة الاقتصادية التي يرسلها ارتفاع النحاس. فصعود «دكتور كوبر» لم يعد دليلاً مباشراً على قوة المصانع والاقتصاد العالمي، بل يمكن أن يكون انعكاساً لفجوة متزايدة بين احتياجات الاقتصاد الحديث وقدرة قطاع التعدين على توفير المعدن.
المناجم تواجه اختبار عصر الكهرباء
تفوق النحاس على الذهب هذا العام يعكس تحولاً أعمق في سوق المعادن؛ فمكاسب بلغت 17.52 % واقتراب الأسعار من القمة التاريخية عند 14.527 ألف دولار للطن يأتيان في وقت تتزايد فيه احتياجات مراكز البيانات وشبكات الكهرباء والمركبات الكهربائية، بينما تواجه المناجم صعوبة في زيادة الإنتاج.
ومع حاجة المشروعات الجديدة إلى نحو 17 عاماً للوصول إلى الإنتاج، واحتمال بلوغ فجوة المعروض 10 ملايين طن بحلول 2040، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط إلى أي مستوى يمكن أن ترتفع أسعار النحاس، وإنما ما إذا كانت المناجم تستطيع توفير ما يكفي من المعدن لعصر الذكاء الاصطناعي والكهرباء قبل أن تتحول ندرته إلى قيد فعلي على الاستثمار والنمو العالمي.