النشاط غير النفطي يسجل أقوى أداء منذ فبراير
اقترب القطاع الخاص غير النفطي في الكويت بصورة كبيرة من استعادة مستويات النشاط التي كان يسجلها قبل اندلاع الحرب والتوترات الإقليمية، بعدما شهد أغسطس 2026 تسارعاً قوياً في وتيرة التعافي، مدعوماً بقفزة في الطلبات الجديدة والإنتاج والمشتريات، إلى جانب عودة الشركات إلى زيادة أعداد العاملين للمرة الأولى منذ ستة أشهر.
وأظهرت أحدث بيانات مؤشر مدراء المشتريات الصادر عن «ستاندرد آند بورز جلوبال» ارتفاع المؤشر الرئيسي للكويت إلى 53.6 نقطة خلال أغسطس، مقابل 50.8 نقطة في يوليو، ليواصل وجوده فوق مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش للشهر الثاني على التوالي.
ويعكس الارتفاع الكبير، البالغ 2.8 نقطة خلال شهر واحد، انتقال القطاع الخاص غير النفطي من مرحلة العودة المحدودة للنمو التي شهدها في يوليو إلى توسع أكثر قوة ووضوحاً خلال أغسطس، في واحدة من أبرز الإشارات حتى الآن على قدرة النشاط الاقتصادي غير النفطي على تجاوز التداعيات التي خلفتها الحرب.
وتكتسب قراءة أغسطس أهمية إضافية مع اقتراب مستوى تحسن النشاط من المستويات التي سجلها القطاع في فبراير الماضي، أي قبل اندلاع الحرب مباشرة، لتشير البيانات إلى أن الاقتصاد غير النفطي قطع شوطاً كبيراً في استعادة الزخم الذي فقده خلال الأشهر التالية لاندلاع الصراع.
صدمة مارس
وكان فبراير آخر شهر قبل الحرب يسجل فيه القطاع الخاص غير النفطي مستويات قوية من النشاط، قبل أن تتغير الصورة بصورة حادة في مارس مع تصاعد التوترات الإقليمية.
وأدت تداعيات الحرب إلى انكماش النشاط في الكويت للمرة الأولى منذ أوائل عام 2023، قبل أن يبدأ القطاع رحلة تدريجية لاستعادة نشاطه خلال الأشهر التالية.
وظلت وتيرة النشاط تحت الضغوط لبعض الوقت، قبل أن يشهد يوليو نقطة تحول مهمة مع عودة مؤشر مدراء المشتريات إلى منطقة النمو مسجلاً 50.8 نقطة، بعد خمسة أشهر من بقائه دون المستوى المحايد.
وجاء أغسطس ليؤكد أن التحسن لم يكن مؤقتاً، إذ تسارعت وتيرة النمو بصورة قوية وارتفع المؤشر إلى 53.6 نقطة، لتصبح ظروف التشغيل في القطاع الخاص غير النفطي أقرب كثيراً إلى المستويات التي سبقت اندلاع الحرب.
قفزة في الطلب
وكان تحسن الطلب أحد المحركات الرئيسية للتعافي، حيث ارتفعت الطلبات الجديدة والإنتاج للشهر الثاني على التوالي، وسجل كلاهما أقوى وتيرة نمو منذ فبراير الماضي.
وساهمت مجموعة من العوامل في زيادة المبيعات، في مقدمتها سياسات التسعير التنافسية التي اتبعتها الشركات، إلى جانب تكثيف الحملات التسويقية وقدرة المؤسسات على تقديم منتجات وخدمات عالية الجودة.
ويشير ذلك إلى أن الشركات لم تعتمد فقط على عودة الظروف الاقتصادية إلى طبيعتها، وإنما اتجهت أيضاً إلى تبني استراتيجيات أكثر نشاطاً لاستقطاب العملاء واستعادة المبيعات التي تأثرت خلال فترة الحرب.
كما ساعدت قوة تدفقات الأعمال الجديدة الشركات على زيادة إنتاجها لمواكبة ارتفاع الطلب، الأمر الذي عزز النشاط التجاري وساهم في دفع قراءة المؤشر الرئيسية إلى أعلى مستوياتها منذ اندلاع الصراع.
الأسواق الخارجية
ولم يقتصر تحسن الطلب على السوق المحلية، إذ شهدت الشركات الكويتية انتعاشاً في طلبات التصدير الجديدة خلال أغسطس.
ونجحت بعض المؤسسات في تأمين مبيعات وأعمال جديدة من عملاء في دول مجاورة، ما وفر دعماً إضافياً للطلب وأسهم في توسيع قاعدة الأعمال الجديدة.
ويمثل تعافي الطلب الخارجي مؤشراً مهماً بالنسبة إلى النشاط غير النفطي، خصوصاً بعد الاضطرابات التي شهدتها حركة الأعمال والتجارة في المنطقة خلال الأشهر الأولى من الحرب.
عودة الثقة
وانعكس التحسن القوي في الطلب والإنتاج بصورة إيجابية على معنويات الشركات وتوقعاتها للأشهر المقبلة، إذ ارتفعت مستويات التفاؤل بشأن النشاط خلال الاثني عشر شهراً المقبلة مقارنة بيوليو.
واقتربت ثقة الشركات من المستويات التي كانت تسجلها قبل اندلاع التوترات الإقليمية، ما يشير إلى تراجع حالة الحذر التي سيطرت على قرارات المؤسسات خلال الأشهر السابقة.
ويكتسب هذا التطور أهمية خاصة في ضوء ما أظهرته بيانات يوليو، عندما عادت الشركات إلى التفاؤل مع تحسن الأوضاع وعودة النشاط، إلا أن معدلات النمو والثقة كانت لا تزال أدنى من مستويات ما قبل الحرب.
وجاءت بيانات أغسطس لتكشف عن تحسن إضافي في التوقعات، بالتزامن مع قوة أكبر في الطلب والإنتاج، ما عزز رؤية الشركات بشأن استمرار النشاط خلال الفترة المقبلة.
التوظيف يتحرك
ومن أبرز التطورات الإيجابية خلال أغسطس عودة التوظيف إلى النمو، إذ رفعت شركات القطاع الخاص غير النفطي أعداد العاملين لديها للمرة الأولى منذ ستة أشهر.
وتعكس عودة الشركات إلى التوظيف تحسناً في احتياجاتها التشغيلية مع ارتفاع مستويات الأعمال الجديدة والإنتاج، إلا أن معدل خلق الوظائف ظل متواضعاً مقارنة بالقوة التي شهدها الطلب.
وأدى هذا التفاوت بين الزيادة الكبيرة في حجم الأعمال والنمو المحدود للقوى العاملة إلى استمرار تراكم الأعمال غير المنجزة للشهر الثاني على التوالي.
وتشير زيادة الأعمال المتراكمة إلى أن الشركات قد تحتاج إلى تعزيز قدراتها التشغيلية والتوسع بصورة أكبر في التوظيف خلال الفترة المقبلة إذا استمر الطلب عند مستوياته الحالية.
طفرة المشتريات
وأرسلت مشتريات الشركات إشارة قوية أخرى إلى تحسن التوقعات المستقبلية، بعدما كثفت المؤسسات عمليات شراء مستلزمات الإنتاج خلال أغسطس.
وجاءت زيادة المشتريات في إطار مساعي الشركات إلى إعادة بناء المخزونات التي تراجعت خلال الفترة السابقة، في ظل الاستعداد للتعامل مع المستويات الأعلى من الطلب والإنتاج.
وسجل نشاط الشراء أسرع وتيرة نمو منذ بدء دراسة مؤشر مدراء المشتريات للكويت في سبتمبر 2018، بما يعكس تحولاً كبيراً في سلوك الشركات مقارنة بالأشهر التي أعقبت اندلاع الحرب.
وتزامن ذلك مع ارتفاع مخزونات مستلزمات الإنتاج إلى أعلى مستوى مسجل في تاريخ الدراسة، ما يعكس استعداد المؤسسات لتلبية الطلب المتوقع والحفاظ على قدرتها على زيادة الإنتاج.
تحسن سلاسل الإمداد
وفي الوقت نفسه، تحسن أداء الموردين خلال أغسطس، وساعدت قدرتهم على الاستجابة السريعة لطلبات الشركات على تقليص فترات التسليم.
وسجلت مواعيد التسليم أكبر تحسن منذ فبراير الماضي، الأمر الذي وفر دعماً إضافياً للشركات في ظل الزيادة القوية في مشتريات مستلزمات الإنتاج.
ويشكل تحسن سلاسل الإمداد عاملاً مهماً في دعم مسار التعافي، إذ يسمح للشركات بالحصول على احتياجاتها بصورة أسرع والاحتفاظ بمستويات مناسبة من المخزون لمواجهة الطلب.
ضغوط التكاليف
وعلى الرغم من الصورة الإيجابية التي أظهرتها غالبية مكونات المؤشر، فإن الشركات واجهت في المقابل ارتفاعاً في ضغوط التكاليف خلال أغسطس.
وسجل تضخم أسعار مستلزمات الإنتاج أعلى مستوى خلال ستة أشهر، مع إبلاغ الشركات عن زيادات في مجموعة من بنود التكلفة، شملت الأجور والصيانة والتسويق والمواد الخام والمرافق.
كما ارتفعت تكاليف التوظيف بأسرع وتيرة منذ بداية عام 2026، بالتزامن مع عودة الشركات إلى زيادة أعداد العاملين لديها.
وتشير هذه التطورات إلى أن استمرار قوة الطلب قد يضع الشركات أمام تحد متزايد يتعلق بالموازنة بين التوسع في النشاط والحفاظ على هوامش الربحية.
رفع أسعار البيع
ودفعت زيادة تكاليف التشغيل الشركات إلى رفع أسعار بيع منتجاتها وخدماتها خلال أغسطس بوتيرة ملحوظة، في محاولة لتمرير جانب من ارتفاع المصروفات إلى العملاء.
وفي المقابل، ظلت المنافسة عاملاً مؤثراً في قرارات التسعير، إذ لجأت بعض المؤسسات إلى تقديم خصومات بهدف دعم المبيعات واستقطاب عملاء جدد.
ويكشف هذا التباين عن معادلة تواجه الشركات بين الحاجة إلى تعويض ارتفاع التكاليف من جهة، والمحافظة على الأسعار التنافسية التي كانت أحد المحركات الأساسية لنمو الطلب من جهة أخرى.
منتصف الربع الثالث
ويعزز أداء أغسطس المؤشرات الإيجابية بشأن مسار الاقتصاد غير النفطي في منتصف الربع الثالث من العام، بعدما كان القطاع قد بدأ الربع بعودة محدودة للنمو خلال يوليو.
فالانتقال من قراءة 50.8 نقطة في يوليو إلى 53.6 نقطة في أغسطس يعني أن النشاط لم يكتفِ بتجاوز منطقة الانكماش، وإنما انتقل إلى وتيرة توسع أكثر قوة.
كما أن اتساع نطاق التحسن ليشمل الإنتاج والطلبات والتصدير والتوظيف والمشتريات والمخزونات والثقة يشير إلى أن التعافي أصبح أكثر شمولاً مقارنة بالمراحل الأولى التي أعقبت الحرب.
صورة أكثر إيجابية
وقال مدير الاقتصاد في «ستاندرد آند بورز جلوبال ماركت إنتليجنس» أندرو هاركر إن تعافي القطاع الخاص غير النفطي في الكويت انتقل إلى وتيرة أعلى خلال أغسطس، مع قدرة الشركات بصورة متزايدة على الحصول على أعمال جديدة وزيادة إنتاجها لمواكبة الطلب.
وأشار هاركر إلى أن الصورة أصبحت أكثر إيجابية في منتصف الربع الثالث، بعدما كان النشاط قد واجه تداعيات الحرب خلال الأشهر السابقة. وتكتسب تلك الرؤية أهمية عند مقارنتها بتقييم «ستاندرد آند بورز جلوبال» في يوليو، حين أشارت إلى أن عودة النمو جاءت بعد فترة من الهدوء النسبي واستئناف حركة الطيران، بينما ظلت معدلات النمو والثقة أقل من تلك المسجلة مباشرة قبل الحرب.
أما في أغسطس، فقد اقترب مستوى التحسن من قراءة فبراير، وتسارعت الطلبات والإنتاج إلى أقوى وتيرة منذ ذلك الشهر، بالتزامن مع استعادة الشركات جانباً أكبر من ثقتها بالمستقبل.