برنت يقفز 1.83 % متجاوزا 97 دولارا
عادت أسعار النفط إلى الارتفاع خلال تعاملات الخميس، لتستعيد مكاسبها بعد فترة من التراجع والتقلبات الحادة، في وقت يواصل فيه المستثمرون تقييم التداعيات المحتملة لتجدد الضربات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران على إمدادات الخام من منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً مع استمرار المخاوف بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة الطاقة العالمية.
وبحلول الساعة 10:35 بتوقيت غرينتش، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 1.74 دولار، بما يعادل 1.83 %، لتصل إلى 97.38 دولار للبرميل، فيما صعدت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 1.90 دولار، أو 2.10 %، إلى 92.82 دولار للبرميل، في تحرك يعكس عودة علاوة المخاطر الجيوسياسية بقوة إلى السوق.
وتأتي المكاسب الجديدة بعدما شهدت أسعار الخام تراجعاً في وقت سابق، مع محاولة المتعاملين استيعاب المؤشرات المتباينة بشأن مسار المواجهة العسكرية، واحتمالات استمرار التصعيد أو اتجاه الأطراف نحو احتواء التوتر، وهي معادلة باتت تحدد تحركات الأسعار بصورة متسارعة من جلسة إلى أخرى.
تقلبات حادة
وأظهرت التداولات الأخيرة درجة مرتفعة من الحساسية تجاه التطورات العسكرية، إذ تأرجح خاما برنت وغرب تكساس الوسيط بين مكاسب وصلت إلى نحو دولارين للبرميل وخسائر بلغت دولاراً خلال جلسة التداول السابقة، فيما سجل الخامان أعلى مستوياتهما منذ 24 يوليو الماضي.
وتكشف تلك التحركات أن سوق النفط لم تعد تتفاعل فقط مع عوامل العرض والطلب التقليدية، بل أصبحت التطورات العسكرية في المنطقة عاملاً مباشراً في التسعير، خصوصاً عندما ترتبط المواجهة بدولة منتجة للنفط مثل إيران وبممر مائي بحجم مضيق هرمز.
ويعد أحدث تصعيد بين واشنطن وطهران أكبر تبادل لإطلاق النار بين الطرفين منذ يوليو، في الوقت الذي تدخل فيه الحرب شهرها السابع، ما يزيد حالة عدم اليقين بشأن الفترة التي قد تستمر خلالها المواجهة، ومدى تأثيرها الفعلي في البنية التحتية للطاقة وحركة الناقلات والإمدادات المتجهة إلى الأسواق العالمية.
تهدئة مؤقتة
وقال المحلل لدى «آي.جي» توني سيكامور، في مذكرة، إن أسعار النفط كانت قد تراجعت وسط ظهور مؤشرات أولية على انحسار حدة أحدث موجة من التوتر، مشيراً إلى عدم تأكيد وقوع تبادل لإطلاق النار منذ نحو منتصف نهار الأربعاء بتوقيت سيدني.
لكن استمرار هذه التهدئة يبقى محل شك، وفق سيكامور، في ظل الطبيعة المتقلبة للمواجهة وقدرة أي تطور عسكري جديد على تغيير اتجاه الأسواق سريعاً.
وتعامل المستثمرون بحذر مع تلك المؤشرات، إذ إن غياب المواجهات لساعات لا يعني بالضرورة انتهاء مرحلة التصعيد، خصوصاً بعدما أظهرت الأشهر الماضية قدرة التطورات العسكرية على التحول سريعاً من هدوء نسبي إلى ضربات متبادلة.
ولهذا، باتت الأسواق تراقب ليس فقط أسعار الخام أو مستويات المخزونات، وإنما أيضاً التحركات العسكرية والتصريحات السياسية وحركة السفن في مضيق هرمز باعتبارها مؤشرات أساسية لتقدير اتجاه الأسعار.
رسائل ترامب
وفي تطور عزز حالة الترقب، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الحملة الأميركية المتجددة ضد إيران لن تستمر «لفترة طويلة جداً»، موضحاً أن القوات الأميركية استهدفت أنظمة رادار وصواريخ إيرانية.
وأشار ترامب إلى أن القوات الأميركية دمرت معدات جديدة حاولت إيران بناءها بالقرب من مضيق هرمز، موضحاً أن بعضها كان دفاعياً والبعض الآخر هجومياً، ومؤكداً استعداد الولايات المتحدة لشن هجوم جديد متى أرادت.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة بالنسبة لأسواق الطاقة لأن العمليات العسكرية تقترب من مضيق هرمز، ما يربط بصورة مباشرة بين التصعيد الأمني ومستقبل تدفقات النفط.
وكلما اقتربت العمليات من المنشآت النفطية أو خطوط الملاحة، ارتفعت مخاوف المتعاملين من اضطرابات أكبر في الإمدادات، وهو ما يدفع عادة إلى إضافة علاوة مخاطر إلى الأسعار تحسباً لاحتمالات نقص الخام المتاح في السوق.
ممر استراتيجي
ويظل مضيق هرمز في قلب حسابات أسواق النفط، إذ يراقب المتعاملون أعداد السفن التي تتمكن من المرور عبره باعتبارها مؤشراً عملياً على مستوى الاضطراب في حركة التجارة.
وأظهرت بيانات شحن أولية صادرة عن «كبلر» الأربعاء أن أربع سفن شحن للسلع الأولية فقط عبرت مضيق هرمز، مقارنة بمتوسط بلغ نحو 13 سفينة خلال فترة العشرة أيام السابقة.
ويشير هذا التراجع إلى أن حركة الشحن لا تزال تواجه ضغوطاً كبيرة رغم الحديث عن احتمالات تراجع حدة المواجهة العسكرية.
وقال سيكامور إنه في حال استمر انحسار التوتر، رغم شكوكه الكبيرة في ذلك، فمن الممكن أن تعود حركة شحنات النفط الخارجة من المضيق إلى المستويات التي سجلتها في نهاية الأسبوع الماضي، بما في ذلك عبر سفن تغلق أجهزة الإرسال والاستقبال وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى.
وتبرز هذه الممارسات حجم التعقيدات التي تواجه شركات الشحن والناقلات في التعامل مع الظروف الأمنية الاستثنائية، إذ أصبحت عملية نقل الخام عبر المنطقة تتطلب ترتيبات أكثر حذراً في ظل المخاطر المتزايدة.
قيود إيرانية
في المقابل، زادت إيران الضغوط على حركة الملاحة بعدما أدرجت المزيد من السفن على قائمة تعتبرها غير ممتثلة للتوجيهات، ما يجعل هذه السفن معرضة للغرامات أو المصادرة أو الاحتجاز إذا حاولت الإبحار عبر المضيق.
وتضيف تلك الإجراءات طبقة جديدة من المخاطر إلى حركة التجارة، حتى في حال انخفض مستوى الضربات العسكرية المباشرة، لأن أمن الإمدادات لا يرتبط فقط بوقوع الهجمات، وإنما أيضاً بقدرة السفن على المرور بصورة منتظمة وآمنة.
ويعني ذلك أن عودة الملاحة إلى طبيعتها قد تحتاج إلى أكثر من مجرد توقف مؤقت للضربات، إذ يتطلب استقرار السوق تراجع المخاطر التي تواجه الناقلات واستعادة شركات الشحن الثقة بإمكانية المرور دون التعرض للاحتجاز أو الاستهداف.
ومن هنا، فإن الأسواق قد تظل شديدة الحساسية تجاه أي إعلان إيراني يتعلق بالسفن المسموح لها بالعبور، بالتوازي مع متابعة التحركات الأميركية في المنطقة.
تدفقات قياسية
وفي مقابل بيانات «كبلر» التي أظهرت انخفاض عدد السفن العابرة، قدمت واشنطن صورة مختلفة من حيث حجم النفط المتدفق عبر المضيق، إذ قالت الولايات المتحدة الثلاثاء إن 17 مليون برميل من النفط عبرت مضيق هرمز يوم الاثنين.
ووصفت واشنطن هذه الكمية بأنها أكبر حجم من النفط الخام يعبر الممر المائي منذ بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ما يوضح أن عدد السفن وحده قد لا يعكس بصورة كاملة حجم الإمدادات الفعلية التي تستطيع المرور.
وتشكل كمية 17 مليون برميل مؤشراً مهماً للأسواق، لأنها تظهر إمكانية تمرير أحجام كبيرة من النفط في فترات معينة رغم المخاطر الأمنية، إلا أن السؤال الرئيسي يتعلق بمدى القدرة على الحفاظ على تلك التدفقات بصورة منتظمة ومستدامة.
فالأسواق تحتاج إلى استقرار تدفقات الخام وليس مجرد تسجيل مستويات مرتفعة في يوم واحد، خصوصاً أن التذبذب الكبير في حركة الشحن يرفع تكاليف النقل والتأمين ويزيد حالة عدم اليقين لدى المشترين والمصدرين على السواء.
علاوة المخاطر
وتشير عودة برنت إلى مستويات تتجاوز 97 دولاراً إلى أن المستثمرين ما زالوا يضعون احتمال اضطراب الإمدادات ضمن حساباتهم، حتى مع ظهور إشارات متقطعة إلى تراجع حدة المواجهة.
وتتحرك الأسعار حالياً بين قوتين متعارضتين؛ الأولى تتمثل في المخاوف من تجدد الضربات واتساع نطاقها بما يهدد حركة النفط عبر مضيق هرمز، والثانية تتمثل في احتمالات التهدئة واستمرار تدفقات الخام، وهو ما قد يقلص علاوة المخاطر التي اكتسبتها الأسعار.
ويجعل ذلك تصريحات واشنطن وطهران والتحركات العسكرية وحركة الناقلات عناصر شديدة التأثير في اتجاه السوق خلال الفترة المقبلة، بينما قد يؤدي أي هجوم جديد قرب المضيق أو تهديد مباشر للملاحة إلى إعادة الأسعار سريعاً إلى مسار صعودي أقوى.