النفط فوق 100 دولار وسط تصاعد مخاطر الإمدادات
واصلت أسعار النفط ارتفاعها الحاد، أمس الخميس، مدفوعة بتجدد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، بعدما أفادت تقارير بأن البيت الأبيض طلب من وزارة الدفاع الأميركية إعداد خيارات عسكرية يمكن تنفيذها قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر، بالتزامن مع اضطراب جانب من الإنتاج الأميركي في خليج المكسيك بفعل إعصار «إساياس».
وقفز خام برنت إلى ما فوق مستوى 102 دولار للبرميل، قبل أن تتسارع مكاسبه خلال التعاملات إلى مستويات أعلى من ذلك، فيما اقترب خام غرب تكساس الوسيط من 90 دولاراً قبل أن يتجاوزها لاحقاً. وأظهرت بيانات السوق أن برنت ارتفع بنحو 4 % إلى أكثر من 102 دولار، بينما صعد الخام الأميركي إلى قرابة 92 دولاراً، في انعكاس مباشر لتزايد علاوة المخاطر الجيوسياسية ومخاوف الإمدادات.
خيارات عسكرية تعيد
علاوة المخاطر إلى السوق
وجاءت القفزة في أسعار الخام بعد تقرير نشرته مجلة «ذا أتلانتيك» استناداً إلى مسؤولين في الإدارة الأميركية، أفاد بأن الرئيس دونالد ترمب يدرس خيارات لشن ضربات ضد إيران قبل انتخابات التجديد النصفي.
ولا يعني إعداد الخيارات العسكرية أن قراراً نهائياً بالهجوم قد اتُخذ، إذ لا تزال طبيعة الأهداف وحجم الضربات وتوقيتها موضع نقاش داخل الإدارة الأميركية. وتشير التقارير إلى احتمال تنفيذ عملية محدودة قبل الانتخابات، على أن تتبعها تحركات عسكرية أكبر في مرحلة لاحقة.
ويكتسب هذا التطور أهمية كبيرة بالنسبة إلى أسواق الطاقة، لأن أي تحرك عسكري أميركي مباشر ضد إيران قد يدفع طهران إلى الرد على أهداف ومصالح أميركية أو حلفائها في المنطقة، أو تكثيف الضغوط على حركة الملاحة، خصوصاً في مضيق هرمز.
وبالنسبة إلى سوق النفط، فإن المخاطر لا ترتبط فقط باحتمال فقدان كميات فعلية من الخام، وإنما أيضاً باحتمال ارتفاع تكلفة التأمين والشحن وتغيير مسارات الناقلات، وهي عوامل يمكن أن ترفع الأسعار حتى في حال استمرار تدفق جزء كبير من الإمدادات.
مضيق هرمز في قلب معادلة الإمدادات
يمثل مضيق هرمز أحد أهم مفاتيح سوق النفط العالمي، نظراً لمرور كميات ضخمة من الخام والمنتجات النفطية عبره يومياً. وأعلنت القيادة المركزية الأميركية أن نحو 20 مليون برميل من النفط الخام كانت تتدفق عبر المضيق، وهو مستوى يقارب حجم التدفقات اليومية قبل اندلاع الصراع، وإن كان أعلى من تقديرات قدمها عدد من مسؤولي قطاع الطاقة خلال مؤتمر هذا الأسبوع.
ورغم تحسن حركة الصادرات من الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة، فإن استدامة هذا التحسن لا تزال موضع شك في ظل استمرار الهجمات على السفن وارتفاع تكاليف الخدمات اللوجستية.
وأشارت تقارير حديثة إلى أن إيران هددت بإغلاق ما وصفته بـ«المسارات غير القانونية» في مضيق هرمز، بينما تحدث مستشار في الحرس الثوري الإيراني عن انخفاض كبير في حركة السفن عبر المضيق مقارنة بالمستويات التي سبقت الحرب. وتزيد هذه التطورات من حساسية السوق تجاه أي حادث جديد في الممر المائي.
هجمات الناقلات تضيف طبقة
جديدة من المخاطر
ولم يعد الخطر على أسواق النفط مقتصراً على منشآت الإنتاج أو خطوط الأنابيب، بل امتد بصورة متزايدة إلى قطاع النقل البحري.
وشملت أحدث الحوادث تعرض ناقلة لهجوم في المياه قبالة قطر، مع ورود تقارير عن سقوط ضحايا. ويُنظر إلى الحادث باعتباره تطوراً مهماً، نظراً لوقوعه في عمق الخليج العربي وفي منطقة ترتبط مباشرة بشبكة تصدير الطاقة العالمية.
كما تواصلت الهجمات المرتبطة بالصراع الإقليمي في مناطق أخرى، إذ نفذت جماعة الحوثيين المدعومة من إيران هجمات على أهداف في السعودية، ورد التحالف الذي تقوده الرياض بضربات على مواقع في اليمن. ويعني اتساع نطاق هذه العمليات أن المخاطر باتت تشمل عدداً أكبر من طرق نقل الطاقة، من الخليج العربي إلى البحر الأحمر وباب المندب.
«إساياس» يوقف ربع إنتاج
خليج المكسيك
وفي الولايات المتحدة، حصل النفط على دفعة إضافية من جانب العرض بعدما أجبرت العاصفة «إساياس» شركات الطاقة على وقف جزء كبير من إنتاج خليج المكسيك.
وأُوقف أكثر من 510 آلاف برميل يومياً من إنتاج الخام، أي نحو ربع الإنتاج النفطي البحري في المنطقة، مع إجلاء العاملين وتعليق عمليات في عدد من المنصات قبل اقتراب الإعصار من الساحل الأميركي.
وتحولت «إساياس» بالفعل إلى أول إعصار في موسم الأطلسي لعام 2026، مع وصول سرعة الرياح إلى نحو 75 ميلاً في الساعة، فيما كانت التوقعات تشير إلى اقترابه من ساحل الخليج الأميركي بين مساء الجمعة وبداية السبت.
ويأتي توقف الإنتاج الأميركي في توقيت حساس بالنسبة للسوق، إذ يضيف انقطاعاً مؤقتاً في الإمدادات إلى المخاوف الناجمة عن الشرق الأوسط، بما يعزز قدرة العوامل الجيوسياسية والمناخية مجتمعة على دفع الأسعار إلى مستويات أعلى.
تراجع المخزونات يعزز
الضغوط الصعودية
وتزامنت هذه التطورات مع مؤشرات على استمرار قوة الطلب على الخام الأميركي في الأسواق الخارجية. وأظهرت البيانات الرسمية أن إجمالي صادرات الولايات المتحدة من النفط الخام والمنتجات النفطية ارتفع إلى أعلى مستوى منذ مايو خلال الأسبوع الماضي، ما يعكس استمرار الطلب الخارجي على الإمدادات الأميركية.
وفي المقابل، أشارت بيانات المخزونات إلى انخفاض مخزونات الخام والديزل بأكثر من المتوقع، وهو عامل إضافي يدعم الأسعار، خصوصاً في ظل مخاوف من أن تؤدي الاضطرابات الجيوسياسية إلى استمرار السحب من المخزونات التجارية والاستراتيجية.
ويكتسب اتجاه المخزونات أهمية أكبر عندما يقترن بانقطاعات الإنتاج، إذ إن انخفاض المعروض المحلي بالتزامن مع استمرار الطلب الخارجي قد يؤدي إلى تشديد السوق الأميركية ورفع هوامش الأسعار.
تحسن صادرات الشرق الأوسط
لا يبدد المخاطر
ورغم القفزة الحالية في أسعار النفط، فإن الصورة المتعلقة بالإمدادات ليست قاتمة بالكامل.
فصادرات الطاقة من الشرق الأوسط بدأت في التعافي خلال الأسابيع الأخيرة، كما عادت بعض البنية التحتية الرئيسية إلى العمل بعد تعرضها لأضرار خلال الصراع. ووصلت كميات النفط التي جرى ضخها عبر خط أنابيب شرق ـ غرب السعودي إلى نحو 5.8 مليون برميل، بعد استئناف التشغيل عقب إغلاقه في وقت سابق نتيجة أضرار ناجمة عن هجوم بطائرات مسيرة.
إلا أن عودة التدفقات لا تعني اختفاء المخاطر، إذ يمكن لهجوم واحد على منشأة رئيسية أو ناقلة نفطية أن يعيد حسابات السوق خلال ساعات.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في سوق النفط حالياً: الإمدادات تتعافى، لكن تكلفة ومخاطر نقلها ترتفعان.
تكاليف الشحن تتحول إلى عنصر رئيسي في التسعير
أدى تصاعد المخاطر الأمنية إلى ارتفاع غير مسبوق في تكلفة نقل الخام لمسافات طويلة.
وبحسب بيانات نقلتها تقارير السوق، ارتفعت تكلفة استئجار ناقلة نفط عملاقة لنقل الخام الأميركي إلى آسيا إلى نحو 77 مليون دولار، مقارنة بمتوسط بلغ حوالي 9.2 مليون دولار في عام 2025.
وهذا الارتفاع لا ينعكس فقط على شركات النقل، بل ينتقل تدريجياً إلى تكلفة وصول النفط إلى المستهلك النهائي، ما يعني أن السعر الفعلي للبرميل بالنسبة للمصافي قد يتجاوز بكثير سعر العقود الآجلة المعلن في الأسواق.
كما أن ارتفاع تكاليف التأمين ومخاطر المرور في المناطق المتوترة يدفع بعض شركات الشحن إلى البحث عن مسارات أطول وأكثر تكلفة، وهو ما يرفع زمن الرحلة ويزيد استهلاك الوقود ويضغط على توافر الناقلات.
لماذا يتحرك برنت بقوة أكبر؟
يظهر في التطورات الأخيرة اختلاف مهم بين خام برنت وخام غرب تكساس الوسيط.
فبرنت يمثل معياراً عالمياً أكثر تعرضاً لتطورات الشرق الأوسط، ولذلك يتفاعل بصورة مباشرة مع أخبار مضيق هرمز وهجمات السفن واحتمالات التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران.
أما خام غرب تكساس، فيرتبط بصورة أكبر بتوازنات السوق الأميركية، ولذلك يتأثر أيضاً بزيادة أو انخفاض الإنتاج المحلي، وحالة المخزونات، وقدرة المصافي الأميركية على استيعاب الخام.
ولهذا فإن توقف أكثر من 510 آلاف برميل يومياً من إنتاج خليج المكسيك يضغط بصورة مباشرة على السوق الأميركية، في حين أن أي اضطراب في تدفقات الشرق الأوسط يضيف علاوة مخاطر أكبر إلى الأسعار العالمية.