النفط والفائدة يخفضان وول ستريت جماعيا
أنهت الأسهم الأميركية تعاملات الاثنين على تراجع جماعي، مع ختام شهر اتسم بالتقلبات الحادة في وول ستريت، بعدما أعاد الصعود القوي في أسعار النفط الخام نتيجة استمرار الحرب في الشرق الأوسط مخاوف التضخم إلى صدارة حسابات المستثمرين، وعزز احتمالات تشديد السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة.
وأظهرت بيانات أولية أن مؤشر «ستاندرد آند بـورز 500» فقـد 27.39 نقطـة، بما يعـادل 0.36 %، ليغلق عند 7684.37 نقطة، بينما تراجع مؤشر «ناسـداك» المجمع 41.51 نقطـة، أو 0.16 %، إلى 26360.91 نقطة، وهبط مؤشر «داو جونز» الصناعي 380.22 نقطة، بما يعادل 0.71 %، لينهي الجلسة عند 53179.77 نقطة.
ضغوط النفط
وجاءت خسائر الأسهم مع ارتفاع أسعار النفط الخام، الذي أضعف شهية المستثمرين تجاه المخاطرة وأعاد إلى الأسواق المخاوف من أن تؤدي تكاليف الطاقة المرتفعة إلى موجة جديدة من الضغوط التضخمية، في وقت يترقب فيه المستثمرون اتجاه السياسة النقدية الأميركية خلال الأشهر المتبقية من العام.
وتزداد حساسية وول ستريت لتحركات الخام لأن ارتفاع أسعار الطاقة لا يقتصر أثره على شركات النفط والمستهلكين، بل يمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج والخدمات وسلاسل الإمداد، وهو ما قد يجعل تباطؤ التضخم أكثر صعوبة ويؤثر بالتالي في قدرة مجلس الاحتياطي الاتحادي على تخفيف سياسته النقدية.
كما يضغط النفط المرتفع بصورة غير مباشرة على تقييمات الأسهم، إذ يؤدي ارتفاع توقعات التضخم إلى زيادة احتمالات بقاء أسعار الفائدة مرتفعة، الأمر الذي يرفع تكلفة التمويل ويخفض القيمة الحالية للأرباح المستقبلية للشركات، خصوصاً أسهم النمو والتكنولوجيا التي تكون عادة أكثر حساسية لتحركات العوائد والفائدة.
عوائد مرتفعة
وانعكست المخاوف التضخمية على سوق السندات الأميركية، حيث ارتفعت عوائد سندات الخزانة القياسية بالتزامن مع انخفاض الأسهم، في إشارة إلى أن المستثمرين بدأوا يعيدون تقييم توقعاتهم لمسار أسعار الفائدة بعدما كانت الأسواق تراهن على سياسة نقدية أقل تشدداً.
ويشكل صعود عوائد السندات منافساً مباشراً للأسهم، إذ تصبح أدوات الدخل الثابت أكثر جاذبية للمستثمرين كلما ارتفعت عوائدها، بينما ترتفع في الوقت نفسه معدلات الخصم المستخدمة في تقييم الشركات، ما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الأسهم. وتزداد أهمية هذه التحركات مع اقتراب اجتماع سبتمبر لمجلس الاحتياطي الاتحادي، إذ باتت الأسواق أكثر تركيزاً على احتمالات رفع الفائدة بدلاً من الرهان على تخفيف السياسة النقدية، في تحول يمكن أن يعيد رسم اتجاهات الاستثمار خلال الأسابيع المقبلة.
نبرة متشددة
وعززت تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي كيفن وورش في ندوة جاكسون هول يوم الجمعة المخاوف بشأن السياسة النقدية، بعدما قرأ المستثمرون خطابه باعتباره إشارة متشددة تجاه التضخم ومسار أسعار الفائدة، بالتزامن مع صدمة جديدة قادمة من أسواق الطاقة.
وقال بيتر توز، رئيس شركة «تشيس إنفستمنت كاونسيل» في شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، إن الأسواق استمعت إلى تصريحات وورش خلال الأسبوع الماضي، وإن الاحتمالات أصبحت تميل الآن إلى رفع سعر الفائدة في سبتمبر، قبل أن يضيف إلى تلك المعادلة استمرار الأعمال القتالية في الشرق الأوسط.
ويعكس هذا التقييم حجم التغير في البيئة الاستثمارية؛ فارتفاع النفط بمفرده يمثل مصدر ضغط على الأسعار، لكن تزامنه مع نبرة نقدية متشددة يجعل المستثمر أمام خطرين في وقت واحد: استمرار التضخم من ناحية، وارتفاع تكلفة الأموال من ناحية أخرى.
بيع واسع
وأدت هذه العوامل إلى موجة بيع واسعة النطاق في البورصة الأميركية، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص المخاطر في نهاية الشهر، بعدما تراجعت جاذبية الأسهم أمام ارتفاع عوائد السندات واستمرار الضبابية بشأن تطورات الحرب.
وكان «داو جونز» الأكثر تضرراً بين المؤشرات الرئيسيـة الثلاثـة، إذ فقـد 380.22 نقطة أو 0.71 %، مقابل خسارة بنسبة 0.36 % لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، بينما أظهر «ناسداك» قدراً أكبر من التماسك واكتفى بالتراجع 0.16 %.
ويشير التفاوت بين المؤشرات إلى أن الضغوط لم تكن موزعة بالتساوي على السوق، رغم اتساع نطاق البيع. فأسهم التكنولوجيا والنمو ظلت تستفيد جزئياً من الزخم المرتبط بالذكاء الاصطناعي، ما ساعد «ناسداك» على الحد من خسائره مقارنة بالمؤشرين الآخرين.
زخم الذكاء
وعلى الرغم من التراجع الذي شهدته بعض أسهم التكنولوجيا في الآونة الأخيرة، فإن التداولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ظلت أحد أهم محركات السوق خلال أغسطس، وساعدت مؤشر «ناسداك» على تسجيل أكبر نسبة ارتفاع شهرية بين المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة.
ويكشف استمرار هذا الزخم عن تمسك المستثمرين بالرهانات طويلة الأجل على الشركات المستفيدة من الإنفاق المتزايد على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق والحوسبة، حتى في ظل ارتفاع أسعار الفائدة والمخاطر الجيوسياسية.
لكن استمرار قوة هذه الأسهم سيظل مرتبطاً بقدرة الشركات على تحقيق نمو في الأرباح يبرر التقييمات المرتفعة، خصوصاً إذا استمرت عوائد السندات في الصعود. فكل ارتفاع إضافي في الفائدة يجعل المستثمرين أكثر تشدداً عند تقييم النمو المتوقع، وقد يزيد تقلبات أسهم التكنولوجيا خلال المرحلة المقبلة.
مكاسب أغسطس
ورغم الصورة السلبية لجلسة الاثنين، نجحت المؤشرات الأميركية الرئيسية الثلاثة في إنهاء أغسطس على مكاسب، ما يعكس قدرة السوق على امتصاص سلسلة من الضغوط التي تراوحت بين الحرب وتقلب أسعار الطاقة وتحولات توقعات السياسة النقدية.
وسجل «ناسداك» أفضل أداء شهري من حيث النسبة المئوية بدعم من استمرار الرهانات على الذكاء الاصطناعي، بينما استطاع «داو جونز» تحقيق مكاسب للشهر الخامس على التوالي، في سلسلة تعكس استمرار شهية المستثمرين للأسهم الأميركية على المدى الأوسع رغم التراجعات اليومية.
وتبرز المفارقة بين الخسائر في الجلسة الأخيرة والمكاسب الشهرية طبيعة أغسطس المتقلبة، إذ شهدت وول ستريت تحركات حادة بفعل الأخبار السياسية والاقتصادية، لكن المستثمرين حافظوا في النهاية على قدر من الثقة في قدرة الشركات الأميركية على مواصلة النمو.
مخاطر الحرب
ويظل الشرق الأوسط أحد أبرز مصادر عدم اليقين بالنسبة إلى الأسواق العالمية، بعدما تجدد تبادل الضربات الجوية وتصاعدت الأعمال القتالية بالتزامن مع ضغوط اقتصادية أميركية على طهران، وهو ما أعاد المخاوف من استمرار ارتفاع النفط أو تعرض الإمدادات لمزيد من الاضطرابات.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن طهران لا تزال تسعى إلى حل تفاوضي للحرب، لكن الأسواق تتعامل بحذر مع فرص التهدئة في ظل استمرار المواجهات. وأصبح المستثمرون يراقبون التطورات العسكرية ليس فقط من زاوية المخاطر الجيوسياسية، وإنما من خلال تأثيرها المباشر في تكلفة الطاقة والتضخم والفائدة.
وأي تصعيد جديد يدفع أسعار الخام إلى مستويات أعلى قد يزيد الضغوط على الاحتياطي الاتحادي، بينما يمكن أن تمنح التهدئة وانخفاض النفط الأسواق فرصة لاستعادة بعض الشهية للمخاطرة. ولهذا أصبحت تحركات الخام مؤشراً يومياً مهماً بالنسبة إلى المستثمرين في الأسهم والسندات على حد سواء.