تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النفط‭ ‬يتماسك‭ ‬رغم‭ ‬تقلبات‭ ‬المشهد‭ ‬الجيوسياسي

النفط‭ ‬يتماسك‭ ‬رغم‭ ‬تقلبات‭ ‬المشهد‭ ‬الجيوسياسي

منذ‭ ‬اندلاع‭ ‬التوترات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران،‭ ‬تحوّل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬مجدداً‭ ‬إلى‭ ‬محور‭ ‬الاهتمام‭ ‬الرئيسي‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬كل‭ ‬حركة‭ ‬لناقلة‭ ‬نفط‭ ‬أو‭ ‬تصريح‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬تطور‭ ‬عسكري‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬اتجاهات‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭. ‬وبينما‭ ‬شهدت‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الماضية‭ ‬موجة‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬الحادة،‭ ‬بدأت‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬في‭ ‬تقليص‭ ‬خسائرها‭ ‬بعدما‭ ‬ظهرت‭ ‬مؤشرات‭ ‬أولية‭ ‬على‭ ‬عودة‭ ‬تدفقات‭ ‬الخام‭ ‬عبر‭ ‬المضيق‭ ‬الحيوي‭ ‬الذي‭ ‬تمر‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬تجارة‭ ‬النفط‭ ‬العالمية‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬تراجعت‭ ‬خلال‭ ‬التعاملات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالقمم‭ ‬التي‭ ‬بلغتها‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬الأزمة،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬المشهد‭ ‬باعتباره‭ ‬مجرد‭ ‬تصحيح‭ ‬سعري‭ ‬مؤقت،‭ ‬بل‭ ‬باعتباره‭ ‬مرحلة‭ ‬جديدة‭ ‬تعيد‭ ‬تقييم‭ ‬مخاطر‭ ‬الإمدادات‭ ‬ومستقبل‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭. ‬فالمستثمرون‭ ‬وشركات‭ ‬الطاقة‭ ‬والحكومات‭ ‬باتوا‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬تأثيره‭ ‬على‭ ‬المنطقة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليشمل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬بأكمله‭.‬

أهمية‭ ‬المضيق
يمثل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬حساسية‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬إذ‭ ‬يربط‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ببحر‭ ‬العرب‭ ‬والمحيط‭ ‬الهندي،‭ ‬وتستخدمه‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬المصدرة‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز‭ ‬لنقل‭ ‬إنتاجها‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬الآسيوية‭ ‬والأوروبية‭ ‬والعالمية‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬ينظر‭ ‬إليه‭ ‬باعتباره‭ ‬الشريان‭ ‬الرئيسي‭ ‬لتجارة‭ ‬الطاقة‭ ‬الدولية‭.‬
وتكمن‭ ‬أهمية‭ ‬المضيق‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬الكميات‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬عبره‭ ‬يومياً،‭ ‬حيث‭ ‬تعبر‭ ‬ملايين‭ ‬البراميل‭ ‬من‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬والمكثفات‭ ‬والمنتجات‭ ‬النفطية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬شحنات‭ ‬ضخمة‭ ‬من‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬المسال‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬للملاحة‭ ‬فيه‭ ‬ينعكس‭ ‬فوراً‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬الطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬ويرفع‭ ‬مستويات‭ ‬القلق‭ ‬لدى‭ ‬المستوردين‭ ‬الكبار‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭.‬
وعلى‭ ‬مدى‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬ظل‭ ‬المضيق‭ ‬حاضراً‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬الأزمات‭ ‬الإقليمية،‭ ‬لكن‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أعادت‭ ‬التذكير‭ ‬مجدداً‭ ‬بمدى‭ ‬هشاشة‭ ‬الإمدادات‭ ‬العالمية‭ ‬عندما‭ ‬تتقاطع‭ ‬السياسة‭ ‬مع‭ ‬الطاقة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬الحيوية‭.‬

تراجع‭ ‬الأسعار‭ ‬رغم‭ ‬التوتر
المفارقة‭ ‬التي‭ ‬لفتت‭ ‬انتباه‭ ‬الأسواق‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأخيرة‭ ‬تمثلت‭ ‬في‭ ‬انخفاض‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬التوتر‭ ‬السياسي‭ ‬والعسكري‭. ‬ففي‭ ‬الظروف‭ ‬التقليدية‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تدفع‭ ‬المخاطر‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬الأسعار‭ ‬نحو‭ ‬مستويات‭ ‬أعلى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬بدأوا‭ ‬يراهنون‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬احتواء‭ ‬الأزمة‭ ‬وعودة‭ ‬حركة‭ ‬الشحن‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬طبيعتها‭.‬
ويعكس‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬تغيراً‭ ‬في‭ ‬نظرة‭ ‬الأسواق‭ ‬للمخاطر‭ ‬الفعلية،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬علاوة‭ ‬المخاطر‭ ‬التي‭ ‬أضيفت‭ ‬إلى‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭ ‬للأزمة‭ ‬بدأ‭ ‬بالتلاشي‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬مؤشرات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬إيجابية‭. ‬كما‭ ‬ساهمت‭ ‬التوقعات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بإعفاءات‭ ‬مؤقتة‭ ‬وتخفيف‭ ‬بعض‭ ‬القيود‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬المخاوف‭ ‬بشأن‭ ‬انقطاع‭ ‬الإمدادات‭.‬
وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته،‭ ‬فإن‭ ‬الأسواق‭ ‬تدرك‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تحسن‭ ‬في‭ ‬الأوضاع‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬انتهاء‭ ‬الأزمة‭ ‬بالكامل،‭ ‬لذلك‭ ‬بقيت‭ ‬الأسعار‭ ‬فوق‭ ‬مستوياتها‭ ‬المسجلة‭ ‬قبل‭ ‬التصعيد،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬استمرار‭ ‬وجود‭ ‬هامش‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬وعدم‭ ‬اليقين‭.‬

عودة‭ ‬الناقلات
أحد‭ ‬أهم‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬استند‭ ‬إليها‭ ‬المستثمرون‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تقييم‭ ‬الأوضاع‭ ‬تمثل‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬ناقلتي‭ ‬نفط‭ ‬تحملان‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬مليوني‭ ‬برميل‭ ‬عبر‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬اعتبرته‭ ‬الأسواق‭ ‬دليلاً‭ ‬عملياً‭ ‬على‭ ‬تحسن‭ ‬الثقة‭ ‬الملاحية‭ ‬وعودة‭ ‬النشاط‭ ‬البحري‭ ‬تدريجياً‭.‬
وتحظى‭ ‬حركة‭ ‬الناقلات‭ ‬بأهمية‭ ‬استثنائية‭ ‬خلال‭ ‬الأزمات‭ ‬لأنها‭ ‬تقدم‭ ‬صورة‭ ‬واقعية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬التصريحات‭ ‬السياسية‭. ‬فعندما‭ ‬تستأنف‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬عملياتها‭ ‬وتبدأ‭ ‬الناقلات‭ ‬بالمرور‭ ‬بصورة‭ ‬طبيعية،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يرسل‭ ‬إشارة‭ ‬مباشرة‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬بأن‭ ‬المخاطر‭ ‬التشغيلية‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬قابلية‭ ‬للإدارة‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬زيادة‭ ‬أعداد‭ ‬السفن‭ ‬العابرة‭ ‬تعني‭ ‬عملياً‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬النفط‭ ‬إلى‭ ‬الأسواق‭ ‬المستهلكة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يخفف‭ ‬من‭ ‬مخاوف‭ ‬نقص‭ ‬المعروض‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬احتمالات‭ ‬حدوث‭ ‬قفزات‭ ‬سعرية‭ ‬حادة‭. ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تعامل‭ ‬المستثمرون‭ ‬بإيجابية‭ ‬مع‭ ‬بيانات‭ ‬تتبع‭ ‬السفن‭ ‬التي‭ ‬أظهرت‭ ‬تحسناً‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬العبور‭.‬

الدبلوماسية‭ ‬والطاقة
أثبتت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مجدداً‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬السياسة‭ ‬والطاقة‭ ‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬ترابطاً‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬مضى‭. ‬فكل‭ ‬تقدم‭ ‬في‭ ‬المحادثات‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬ينعكس‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭ ‬أيضاً‭.‬
وتراقب‭ ‬الأسواق‭ ‬عن‭ ‬كثب‭ ‬أي‭ ‬مؤشرات‭ ‬تتعلق‭ ‬باستمرار‭ ‬الحوار‭ ‬أو‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬تفاهمات‭ ‬جديدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬النفط‭ ‬دون‭ ‬عراقيل‭. ‬ويعتقد‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المحللين‭ ‬أن‭ ‬العامل‭ ‬السياسي‭ ‬سيظل‭ ‬المحدد‭ ‬الأساسي‭ ‬لاتجاه‭ ‬الأسعار‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة،‭ ‬متجاوزاً‭ ‬في‭ ‬تأثيره‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التقليدية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالعرض‭ ‬والطلب‭.‬
كما‭ ‬أن‭ ‬المستثمرين‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬تفاهمات‭ ‬مؤقتة‭ ‬باعتبارها‭ ‬فرصة‭ ‬لتقليل‭ ‬احتمالات‭ ‬التصعيد‭ ‬العسكري،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭ ‬وأسعار‭ ‬الشحن‭ ‬وسلوك‭ ‬المتعاملين‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬العقود‭ ‬الآجلة‭.‬

حالة‭ ‬من‭ ‬الترقب
رغم‭ ‬المؤشرات‭ ‬الإيجابية،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الأسواق‭ ‬تعيش‭ ‬حالة‭ ‬واضحة‭ ‬من‭ ‬الحذر‭. ‬فالثقة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬تبقى‭ ‬محدودة‭ ‬للغاية،‭ ‬والتجارب‭ ‬السابقة‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬التفاهمات‭ ‬المؤقتة‭ ‬قد‭ ‬تتعرض‭ ‬للانهيار‭ ‬بسرعة‭ ‬نتيجة‭ ‬أي‭ ‬تطورات‭ ‬مفاجئة‭.‬
ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬يتجنب‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬اتخاذ‭ ‬رهانات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬ويفضلون‭ ‬مراقبة‭ ‬التطورات‭ ‬يوماً‭ ‬بيوم‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬التذبذب‭ ‬المرتفعة‭ ‬التي‭ ‬تشهدها‭ ‬أسواق‭ ‬النفط،‭ ‬حيث‭ ‬تنتقل‭ ‬الأسعار‭ ‬بين‭ ‬الصعود‭ ‬والهبوط‭ ‬تبعاً‭ ‬لأي‭ ‬خبر‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬عسكري‭ ‬جديد‭.‬
ويؤكد‭ ‬محللون‭ ‬أن‭ ‬السوق‭ ‬دخلت‭ ‬مرحلة‭ ‬من‭ ‬التأرجح‭ ‬بين‭ ‬التفاؤل‭ ‬والتشاؤم،‭ ‬إذ‭ ‬تتعايش‭ ‬توقعات‭ ‬استقرار‭ ‬الإمدادات‭ ‬مع‭ ‬مخاوف‭ ‬عودة‭ ‬التصعيد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يفسر‭ ‬الحركة‭ ‬المتقلبة‭ ‬للأسعار‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الأخيرة‭.‬

المخزونات‭ ‬الأميركية‭ ‬تحت‭ ‬المجهر
في‭ ‬موازاة‭ ‬متابعة‭ ‬تطورات‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬تركز‭ ‬الأسواق‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬أوضاع‭ ‬المخزونات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬مؤشراً‭ ‬مهماً‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭.‬
وتكتسب‭ ‬البيانات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بعدما‭ ‬هبطت‭ ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬الخام‭ ‬في‭ ‬الاحتياطي‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأميركي‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوى‭ ‬لها‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1983‭. ‬ويعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬قدرة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الاحتياطي‭ ‬كأداة‭ ‬سريعة‭ ‬لاحتواء‭ ‬الصدمات‭ ‬أصبحت‭ ‬أقل‭ ‬مقارنة‭ ‬بفترات‭ ‬سابقة‭.‬
ويثير‭ ‬هذا‭ ‬التراجع‭ ‬تساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬السوق‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬اضطرابات‭ ‬كبيرة‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬التوترات‭ ‬لفترة‭ ‬طويلة‭. ‬كما‭ ‬يدفع‭ ‬الحكومات‭ ‬والمستثمرين‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬مستويات‭ ‬الإنتاج‭ ‬والمخزون‭ ‬بعناية‭ ‬أكبر‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة‭.‬
ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬تشير‭ ‬توقعات‭ ‬المحللين‭ ‬إلى‭ ‬احتمال‭ ‬تراجع‭ ‬مخزونات‭ ‬النفط‭ ‬التجارية‭ ‬أيضاً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يوفر‭ ‬دعماً‭ ‬للأسعار‭ ‬إذا‭ ‬استمر‭ ‬الطلب‭ ‬العالمي‭ ‬عند‭ ‬مستوياته‭ ‬الحالية‭.‬

بين‭ ‬التفاؤل‭ ‬والحذر
في‭ ‬المحصلة،‭ ‬تبدو‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭ ‬اليوم‭ ‬عالقة‭ ‬بين‭ ‬عاملين‭ ‬متناقضين؛‭ ‬الأول‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬المؤشرات‭ ‬الإيجابية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بعودة‭ ‬الناقلات‭ ‬وتقدم‭ ‬المسار‭ ‬الدبلوماسي،‭ ‬والثاني‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬عدم‭ ‬اليقين‭ ‬السياسي‭ ‬وغياب‭ ‬الثقة‭ ‬الكاملة‭ ‬بين‭ ‬الأطراف‭ ‬المعنية‭.‬
وقد‭ ‬نجح‭ ‬عبور‭ ‬الناقلات‭ ‬واستئناف‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬التدفقات‭ ‬النفطية‭ ‬في‭ ‬تهدئة‭ ‬مخاوف‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتقليص‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تكبدتها‭ ‬الأسعار،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافياً‭ ‬لإعادة‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬الاستقرار‭ ‬الكامل‭. ‬فالمتعاملون‭ ‬يدركون‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬تغير‭ ‬مفاجئ‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬قد‭ ‬يعيد‭ ‬المخاطر‭ ‬إلى‭ ‬الواجهة‭ ‬خلال‭ ‬ساعات‭.‬
وبينما‭ ‬يواصل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬لعب‭ ‬دوره‭ ‬التاريخي‭ ‬كمركز‭ ‬ثقل‭ ‬للطاقة‭ ‬العالمية،‭ ‬يبقى‭ ‬مستقبل‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬مرهوناً‭ ‬بمدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجهود‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬على‭ ‬ترسيخ‭ ‬الاستقرار‭ ‬وضمان‭ ‬استمرار‭ ‬تدفق‭ ‬الإمدادات‭. ‬وحتى‭ ‬يتحقق‭ ‬ذلك،‭ ‬ستظل‭ ‬الأسواق‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬مساحة‭ ‬ضيقة‭ ‬بين‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬التهدئة‭ ‬والخشية‭ ‬من‭ ‬عودة‭ ‬التصعيد،‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬يعكس‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الممر‭ ‬البحري‭ ‬الاستثنائي‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬ملامح‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬وأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى