النفط يستعيد مكاسبه بدعم المخزونات الأميركية
استعادت أسعار النفط جانباً مهماً من خسائرها في التعاملات المبكرة الأربعاء، بعدما قفزت بأكثر من ثلاثة دولارات للبرميل، مدفوعة بانخفاض أكبر من المتوقع في مخزونات النفط الخام الأميركية، في وقت ما زالت فيه الأسواق توازن بين المؤشرات الأساسية للعرض والطلب والتطورات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط.
وجاءت هذه المكاسب بعد جلسة اتسمت بتراجعات حادة، إذ تعرضت الأسعار لضغوط قوية عقب إعلان توقف الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما دفع المستثمرين إلى تقليص علاوة المخاطر التي كانت قد أضيفت إلى أسعار النفط خلال فترة التصعيد العسكري. إلا أن بيانات المخزونات الأميركية أعادت التركيز إلى أساسيات السوق، لتمنح الأسعار دفعة قوية في بداية تعاملات الأربعاء.
وسجلت العقود الآجلة لخام برنت ارتفاعاً بلغ 3.04 دولارات، أي ما يعادل 3.6 %، لتصل إلى 87.13 دولاراً للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 2.80 دولار، أو 3.5 %، ليبلغ 82.06 دولار للبرميل، في مؤشر على عودة عمليات الشراء بعد موجة بيع واسعة خلال الجلسة السابقة.
ويرى متعاملون أن هذا الارتفاع يعكس سرعة تفاعل الأسواق مع أي مؤشرات تتعلق بتوازن العرض والطلب، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الإمدادات العالمية، وهو ما يجعل الأسعار أكثر حساسية لأي بيانات أو تطورات جديدة.
بيانات داعمة
وكانت مصادر في السوق قد نقلت عن بيانات معهد البترول الأميركي أن مخزونات النفط الخام تراجعت بنحو 3.3 ملايين برميل خلال الأسبوع المنتهي في 24 يوليو، وهو انخفاض اعتبره المستثمرون مؤشراً إيجابياً على تحسن استهلاك الخام داخل الولايات المتحدة، أكبر مستهلك للنفط في العالم.
ويكتسب هذا التراجع أهمية خاصة لأنه يأتي في فترة يزداد فيها الطلب الموسمي على الوقود مع موسم السفر الصيفي، الأمر الذي يعزز التوقعات باستمرار السحب من المخزونات خلال الأسابيع المقبلة إذا حافظ الاستهلاك على مستوياته الحالية.
وعادة ما ينظر المتعاملون إلى انخفاض المخزونات باعتباره دليلاً على قوة الطلب أو محدودية المعروض، وهو ما يدعم الأسعار ويقلل المخاوف المتعلقة بوجود فائض في السوق.
في المقابل، أظهرت البيانات الأولية ارتفاع مخزونات البنزين بنحو 918 ألف برميل، إضافة إلى زيادة مخزونات نواتج التقطير بمقدار 355 ألف برميل مقارنة بالأسبوع السابق، وهو ما يشير إلى استمرار وفرة نسبية في بعض المنتجات المكررة، رغم تراجع مخزون الخام.
وتترقب الأسواق في وقت لاحق صدور البيانات الرسمية من إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي تحظى بمتابعة واسعة من المستثمرين، إذ غالباً ما تؤدي نتائجها إلى تحركات قوية في الأسعار إذا جاءت مختلفة عن تقديرات السوق أو بيانات معهد البترول الأميركي.
تذبذب واسع
وتعكس التحركات الأخيرة حالة التذبذب الكبيرة التي تسيطر على سوق النفط العالمية، إذ انتقلت الأسعار خلال أيام قليلة من ارتفاعات حادة مدفوعة بالمخاطر الجيوسياسية إلى تراجعات قوية عقب الإعلان عن توقف القتال، قبل أن تعود إلى الارتفاع مجدداً بفعل البيانات الأساسية.
وكان النفط قد فقد أكثر من 7% من قيمته بعد تراجع المخاوف من تعطل الإمدادات نتيجة توقف الهجمات الأميركية والإيرانية، كما هبطت الأسعار خلال جلسة الثلاثاء بنحو 5% لتسجل أدنى مستوياتها في أسبوعين، وسط تفاؤل بإمكانية استئناف المسار الدبلوماسي وتجنب اتساع رقعة الصراع.
ويرى محللون أن هذا السلوك السعري يعكس الحساسية الشديدة للأسواق تجاه الأخبار السياسية، إذ أصبحت التحركات اليومية لا تعتمد فقط على البيانات الاقتصادية، وإنما أيضاً على أي تصريحات أو تطورات عسكرية يمكن أن تؤثر في حركة التجارة العالمية للطاقة.
قرارات الإنتاج
وفي الوقت ذاته، تواصل الأسواق متابعة توجهات تحالف «أوبك+»، بعدما أشارت مصادر إلى أن التحالف يدرس وقف زيادات الإنتاج لمدة ثلاثة أشهر اعتباراً من أكتوبر المقبل، وذلك بعد الانتهاء من إلغاء التخفيضات الطوعية التي سبق أن اعتمدها لدعم الأسعار.
ويرى مراقبون أن التحالف يسعى من خلال هذه الخطوة إلى الحفاظ على استقرار السوق وتجنب حدوث فائض في المعروض خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع استمرار الضبابية بشأن نمو الاقتصاد العالمي ومستويات الطلب على الطاقة.
كما أن أي قرار يتعلق بالإنتاج سيكون له تأثير مباشر في حركة الأسعار، نظراً للدور المحوري الذي تلعبه دول «أوبك+» في موازنة السوق العالمية، إذ يراقب المستثمرون عن كثب أي إشارات تصدر عن التحالف بشأن سياساته المستقبلية.
الطلب العالمي
إلى جانب التطورات الجيوسياسية وقرارات الإنتاج، يظل الطلب العالمي عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه أسعار النفط، إذ تراقب الأسواق مؤشرات النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة والصين وأوروبا باعتبارها من أكبر مراكز استهلاك الطاقة.
ويؤكد محللون أن استمرار تحسن النشاط الصناعي وزيادة حركة النقل والسفر سيدعمان استهلاك الوقود، في حين أن أي تباطؤ اقتصادي قد يحد من وتيرة الطلب ويضغط على الأسعار، حتى في ظل استمرار القيود على الإنتاج.
كما أن الأسواق تتابع مؤشرات التضخم وأسعار الفائدة في الاقتصادات الكبرى، نظراً لتأثيرها المباشر في وتيرة النمو الاقتصادي، وبالتالي في مستويات الطلب على النفط والمنتجات البترولية.
ترقب المستثمرين
ويحافظ المستثمرون على نهج حذر في بناء مراكزهم الاستثمارية، إذ يفضل كثير منهم انتظار صدور البيانات الرسمية للمخزونات الأميركية، إضافة إلى متابعة أي مستجدات تتعلق بسياسة «أوبك+» والتطورات السياسية في الشرق الأوسط.
ويرى خبراء أن السوق دخلت مرحلة تتسم بسرعة تغير المعطيات، ما يجعل التحركات السعرية اليومية أكثر ارتباطاً بالأخبار الفورية، سواء كانت اقتصادية أو جيوسياسية، وهو ما يزيد من مستويات التذبذب ويصعّب توقع الاتجاهات على المدى القصير.
سيناريوهات الأسعار
ويرجح محللون أن تواصل أسعار النفط تحركاتها ضمن نطاق واسع خلال الفترة المقبلة، في ظل تداخل عوامل الدعم والضغط على السوق. فمن جهة، يوفر انخفاض المخزونات الأميركية واحتمال تثبيت إنتاج «أوبك+» دعماً للأسعار، بينما قد يحد تحسن الأوضاع الجيوسياسية أو تباطؤ الطلب العالمي من استمرار موجة الصعود.
كما ستبقى بيانات المخزونات الأسبوعية الأميركية وقرارات كبار المنتجين والتطورات الأمنية في منطقة الخليج عناصر رئيسية في رسم اتجاه السوق خلال الأسابيع المقبلة، في وقت يترقب فيه المستثمرون مؤشرات أوضح بشأن مستقبل التوازن بين العرض والطلب.
الأسواق تترقب وضوح الرؤية المقبلة
وتدخل سوق النفط مرحلة دقيقة تتشابك فيها الاعتبارات الاقتصادية مع التطورات السياسية، الأمر الذي يجعل أي تغير في مستويات الإنتاج أو المخزونات أو الأوضاع الأمنية قادراً على إحداث تحركات واسعة في الأسعار خلال فترة وجيزة. وبين ترقب بيانات الطاقة الأميركية، ومراقبة قرارات «أوبك+»، ومتابعة المستجدات في الشرق الأوسط، تبدو الأسواق أمام مرحلة يغلب عليها الحذر، مع استمرار إعادة تقييم توقعات العرض والطلب بصورة شبه يومية، وهو ما يرجح بقاء التقلبات مرتفعة حتى تتضح صورة التوازن في السوق العالمية.