النفط يهبط مع ارتفاع صادرات الشرق الأوسط والسحب من المخزونات
تراجعت أسعار النفط أمس الإثنين، إذ أضاف ارتفاع صادرات الخام من الشرق الأوسط والسحب من مخزونات النفط لدى دول مجموعة السبع إلى الإمدادات، مما عوض المخاوف من مزيد من الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية النفطية في الخليج وسط الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وانخفضت العقود الآجلة لخام برنت 42 سنتا بما يعادل 0.41 %، إلى 101.83 دولار للبرميل، بينما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 90.35 دولار للبرميل، متراجعاً 76 سنتاً أو 0.83 %..
وتخلى برنت عن معظم مكاسبه الأسبوع الماضي، بينما انخفض خام غرب تكساس الوسيط 1.6 % بعد أن اتفقت دول مجموعة السبع يوم الجمعة على السحب من احتياطيات الطوارئ 100 مليون برميل من الديزل والخام، وتعهدت بالامتناع عن فرض قيود على صادرات الطاقة بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وسيضيف السحب من المخزونات إلى صادرات الخام من الشرق الأوسط التي ارتفعت فوق مستويات ما قبل الحرب في أربعة من الأيام السبعة خلال الأسبوع الأخير من سبتمبر ، حسبما أظهرت بيانات الشحن يوم الاثنين، رغم الهجمات على السفن العابرة لمضيق هرمز.
وقال المحلل لدى كيه.سي.إم تريد تيم ووترر: «قرار مجموعة السبع السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية يخفف بعض القلق الفوري بشأن الإمدادات من الأسعار».
وأضاف «هذا المزيج كاف لكبح الأسعار في الوقت الحالي، رغم أن مخاطر وقوع مزيد من الأضرار بالبنية التحتية للطاقة في منطقة الخليج لم تختف».
وفي الوقت نفسه، خفضت أرامكو أسعار خام نوفمبر لآسيا إلى أدنى مستوياتها في ست سنوات.
لماذا يبقى النفط فوق 100 دولار
رغم عودة البراميل؟
وفي سياق متصل عاد النفط إلى التدفق عبر مضيق هرمز بمستويات تقترب من تلك المسجلة قبل الحرب، لكن الأسعار لم تستجب لزيادة الإمدادات. فمع وصول تدفقات الخام عبر المضيق إلى نحو 80 % من مستويات ما قبل الحرب، لا يزال «برنت» فوق 100 دولار للبرميل، في سوق أصبحت فيها تكلفة نقل الخام وتأمينه، إلى جانب استنزاف المخزونات واختناقات التكرير، عوامل لا تقل أهمية عن حجم الإمدادات نفسها.
وبحسب بيانات شركة «كبلر»، بلغ متوسط تدفقات الخام عبر مضيق هرمز نحو 16.5 مليون برميل يومياً في سبتمبـر ، أي قرابة 80 % من مستويات ما قبل الحرب. وتؤكد بيانات «رويترز» اتساع التعافي، إذ بلغ متوسط صادرات الخام من الشرق الأوسط نحو 18.5 مليون برميل يومياً في الأول من أكتوبر ، متجاوزاً مستوى ما قبل الحرب البالغ نحو 18 مليون برميل يومياً. وعند احتساب الخام والمنتجات النفطية والمواد الكيميائية وسوائل الغاز، بلغ متوسط التدفقات الأسبوعية نحو 22.4 مليون برميل يومياً. ومع ذلك، ظل خام برنت أعلى بأكثر من 40 % من مستواه قبل الحرب، فيما تقلّص عجز الإمدادات إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 4 ملايين برميل يومياً عند ذروة الاضطرابات في مايو، وفق تقديرات «إنرجي أسبكتس».
«هرمز» يعمل… لكن بتكلفة ومخاطر أعلى
منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير ، تغيرت طريقة تحرك النفط عبر المنطقة. فقد دفعت المخاطر الأمنية المنتجين والمشترين إلى إعادة ترتيب مسارات الشحن واستخدام طرق بديلة، فيما أصبحت الناقلات تعمل في رحلات أطول وأكثر تعقيداً.
ولا تزال السفن تعمل في بيئة أمنية غير مستقرة، مع بقاء مضيق هرمز محوراً للتوتر بين إيران والولايات المتحدة. لذلك، لم يؤدِّ تعافي التدفقات إلى اختفاء علاوة المخاطر، بل أبقى كلفة نقل الخام وتأمينه أعلى من مستويات ما قبل الحرب.
فاتورة الشحن تعيد تسعير النفط
وتقدم تكاليف الشحن أوضح دليل على التحول الذي طرأ على سوق النفط. فبحسب «رويترز»، تجاوزت أجور ناقلات النفط العملاقة 1.2 مليون دولار يومياً، مقارنة بنحو 30 ألف دولار فقط في يناير ، لترتفع حصة الشحن من تكلفة البرميل المسلم إلى آسيا إلى نحو 27 %، مقابل نحو 3 % قبل الحرب.
كما ارتفعت تكلفة نقل النفط بحراً من الخليج إلى شرق آسيا إلى نحو 34 دولاراً للبرميل، وهو مستوى قياسي، مقارنة بمتوسط يقارب 3 دولارات في يناير، وفق «أرغوس».
ولا تقتصر الزيادة على أجور الناقلات، إذ أدت إعادة ترتيب مسارات التجارة إلى زيادة الوقت الذي تستغرقه الشحنات ووصول آثار ارتفاع تكاليف نقل النفط من الشرق الأوسط إلى أسواق الشحن الأخرى.
وتعني هذه الزيادة أن توفر الخام لدى المنتج لا يضمن وصوله إلى المصفاة بالسعر نفسه الذي كان سائداً قبل الحرب. فالرسوم التي يدفعها المستوردون للنقل تضاف إلى سعر الخام، مما يرفع التكلفة النهائية للبرميل.
المخزونات… الوسادة التي استُنزفت
لكن ارتفاع الأسعار لا يفسره الشحن وحده. فقد استنزفت الحرب جزءاً كبيراً من المخزونات التي كانت تمثل خط الدفاع الأول أمام اضطرابات الإمدادات.
ومنذ مارس، انخفضت مخزونات النفط العالمية بأكثر من 400 مليون برميل، لتصل إلى نحو 4.3 مليار برميل، وهو أدنى مستوى في نحو خمس سنوات، وفق تحليل «بلومبرغ».
وسحبت الولايات المتحدة وحدها أكثر من 130 مليون برميل من احتياطيها الاستراتيجي منذ اندلاع الحرب، لتصل مخزونات الحكومة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1982، وفق ما أوردته «نيويورك تايمز». وقد ساعدت هذه السحوبات في سد جزء من الفجوة بين العرض والطلب، لكنها قلّصت في الوقت نفسه قدرة الحكومات على الاستجابة لصدمة جديدة.
وفي محاولة لتخفيف الضغوط على سوق الوقود، أعلنت دول «مجموعة السبع» إطلاق ما يصل إلى 100 مليون برميل من النفط والوقود من المخزونات الطارئة، مع التركيز في البداية على الديزل. لكن هذا النوع من التدخل يظل مؤقتاً؛ فهو يضيف براميل إلى السوق، لكنه لا يعيد فتح ممرات الشحن القديمة، ولا يخفض أقساط التأمين، ولا يصلح خطوط الأنابيب المتضررة، ولا يعيد المصافي التي خرجت من الخدمة.
ومع استمرار السحب من الاحتياطيات، يتقلص أيضاً هامش الأمان المتاح أمام أزمة جديدة. فإذا تعرضت منشآت الطاقة لمزيد من الهجمات أو أصبحت الملاحة أكثر خطورة، فلن تكون الكميات المتاحة من المخزونات بالقدر نفسه الذي كانت عليه في بداية الحرب.
ولهذا لا تنظر السوق إلى ارتفاع التدفقات الحالية باعتباره عودة كاملة إلى الوضع السابق، إذ يسعّر المتعاملون أيضاً قدرة السوق على الحفاظ على الإمدادات إذا تجددت الاضطرابات.
السعر الفوري يكشف ضيق السوق
وتظهر حساسية السوق بصورة أوضح عند مقارنة أسعار العقود الآجلة بسعر النفط المتاح للتسليم الفوري. ففي الأول من أكتوبر، كان خام برنت يُتداوَل عند نحو 98 دولاراً للبرميل، بينما بلغ سعر الخام المتاح للتسليم الفوري قرابة 121 دولاراً، وفق ما نقلته «نيويورك تايمز» عن «أرغوس».
ويعكس هذا الفارق قيمة إضافية يدفعها المشترون للحصول على البرميل في أقرب وقت، في سوق أصبحت فيها المخزونات أقل قدرة على تلبية الطلب الفوري. ولا يشمل السعر الفوري تكلفة نقل الخام إلى وجهته، وهي تكلفة ارتفعت بدورها بصورة حادة خلال الحرب.
التكرير… الحلقة الأضعف
لكن أزمة النفط لا تنتهي عند وصول الخام إلى الموانئ. فالأسواق تواجه أيضاً نقصاً في طاقة التكرير، ولا سيما في روسيا وأجزاء من الشرق الأوسط، مما أدى إلى زيادة الضغوط على سوق المنتجات النفطية، وفي مقدمتها الديزل.
وقد تعرضت عشرات المصافي الروسية لأضرار نتيجة هجمات الطائرات المسيَّرة الأوكرانية، بينما تراجعت طاقة التكرير في أجزاء من الشرق الأوسط بسبب الحرب والهجمات على منشآت الطاقة. وفي ظل هذه الاضطرابات، لا تكفي زيادة إمدادات الخام وحدها لتعويض النقص في الوقود الجاهز.
وتزداد الضغوط في سوق الديزل لأن المصافي لا تحتاج إلى أي خام فحسب، بل تبحث عن درجات محددة، خصوصاً الخامات المتوسطة والكبريتية، التي تحقق عائداً أعلى من الديزل. وتتركز نسبة كبيرة من هذه الخامات في الشرق الأوسط وروسيا، مما أدى إلى زيادة المنافسة عليها ورفع قيمتها.
وينشأ بذلك ضغط متبادل في السوق: نقص طاقة التكرير يحد من إنتاج الديزل ويرفع أسعاره، فيما تزيد قيمة الخامات القادرة على إنتاجه، فتشتد المنافسة عليها، بما يدعم أسعار الخام نفسه.
وتبرز حدة الأزمة في سوق الديزل، الذي يدخل في تشغيل النقل والشاحنات والزراعة والصناعة، مما يجعل ارتفاع أسعاره سريع الانتقال إلى تكاليف السلع والخدمات. وقد بلغ سعر الديزل في الولايات المتحدة 6.41 دولار للغالون، بزيادة تجاوزت 70 % منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، مقابل ارتفاع أسعار النفط بنحو 35 % خلال الفترة نفسها، وفق «نيويورك تايمز».
ولهذا، فإن زيادة صادرات الخام وحدها لا تكفي لإعادة سوق المنتجات النفطية إلى مستويات ما قبل الحرب؛ فالمشكلة باتت تتعلق أيضاً بقدرة المصافي على تحويل البراميل المتاحة إلى الوقود الذي يحتاجه الاقتصاد.