تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اليوان‭ ‬وصراع‭ ‬النفوذ‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬النقدي‭ ‬العالمي

NJK33

تُظهر‭ ‬التحليلات‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬لمسار‭ ‬تدويل‭ ‬العملة‭ ‬الصينية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬خارجياً‭ ‬عبر‭ ‬تسوية‭ ‬المبادلات‭ ‬التجارية،‭ ‬يلي‭ ‬ذلك‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬بشكل‭ ‬تدريجي،‭ ‬بما‭ ‬يسمح‭ ‬بإعادة‭ ‬تدفق‭ ‬العملة‭ ‬من‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬الصيني‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬محدوداً‭ ‬حتى‭ ‬الآن،‭ ‬فإن‭ ‬النموذج‭ ‬الذي‭ ‬تتبعه‭ ‬الصين‭ ‬يكاد‭ ‬يطابق‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية،‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬على‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬تسويات‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬والانفتاح‭ ‬التدريجي‭ ‬لحساب‭ ‬رأس‭ ‬المال‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬يبقى‭ ‬مطروحاً‭: ‬هل‭ ‬تستطيع‭ ‬الصين‭ ‬تحقيق‭ ‬نتائج‭ ‬مختلفة‭ ‬رغم‭ ‬تعثر‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية؟
وللانتقال‭ ‬من‭ ‬الطرح‭ ‬النظري‭ ‬إلى‭ ‬التحليل‭ ‬العملي،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬النظر‭ ‬أولاً‭ ‬في‭ ‬مدى‭ ‬قابلية‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬في‭ ‬تسويات‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬فإذا‭ ‬أخذنا‭ ‬هيكل‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬للصين‭ ‬نموذجاً،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬منها‭ ‬تتم‭ ‬مع‭ ‬اقتصادات‭ ‬تصدر‭ ‬عملات‭ ‬احتياطية‭ ‬قوية‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنطقة‭ ‬اليورو‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬واليابان‭. ‬وعند‭ ‬إضافة‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الإطار‭ ‬نظراً‭ ‬لاعتمادها‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬التصدير‭ ‬نحو‭ ‬الأسواق‭ ‬الغربية‭ ‬ترتفع‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬الصينية‭ ‬يرتبط‭ ‬بعملات‭ ‬قوية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬كعملة‭ ‬تسوية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المعاملات‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬مثل‭ ‬إفريقيا‭ ‬ودول‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفييتي‭ ‬السابق‭ ‬وأوقيانوسيا‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬عملات‭ ‬دولية‭ ‬رئيسية،‭ ‬فإن‭ ‬طبيعة‭ ‬تجارتها‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬والتي‭ ‬تتركز‭ ‬في‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬والموارد‭ ‬تشكل‭ ‬عائقاً‭ ‬آخر‭. ‬فهذه‭ ‬السلع‭ ‬تُسعَّر‭ ‬عادة‭ ‬بالدولار‭ ‬الأميركي‭ ‬أو‭ ‬بعملات‭ ‬قوية‭ ‬أخرى،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬إدخال‭ ‬اليوان‭ ‬في‭ ‬عمليات‭ ‬التسعير‭ ‬والتسوية‭ ‬أمراً‭ ‬معقداً‭ ‬وغير‭ ‬مفضل‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
ومن‭ ‬هنا،‭ ‬يتجه‭ ‬التحليل‭ ‬نحو‭ ‬الدوائر‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تمثل‭ ‬فرصة‭ ‬حقيقية‭ ‬لانتشار‭ ‬اليوان،‭ ‬حيث‭ ‬يبقى‭ ‬الأمل‭ ‬معقوداً‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الآسيوية،‭ ‬باستثناء‭ ‬اليابان‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬إذ‭ ‬تبدو‭ ‬فرص‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬واقعية‭. ‬فالصين‭ ‬ترتبط‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬بحجم‭ ‬تبادل‭ ‬تجاري‭ ‬كبير،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬وارداتها‭ ‬منها‭ ‬تفوق‭ ‬صادراتها‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬يخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬التجاري‭ ‬قد‭ ‬تتيح‭ ‬توسيع‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬في‭ ‬التسويات‭.‬
ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬تحديات،‭ ‬إذ‭ ‬يكشف‭ ‬تحليل‭ ‬البنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬للتجارة‭ ‬الصينية‭ ‬عن‭ ‬معضلة‭ ‬مشابهة‭ ‬لما‭ ‬واجهته‭ ‬اليابان‭ ‬سابقاً‭. ‬فالهيمنة‭ ‬التي‭ ‬تمارسها‭ ‬الشركات‭ ‬الأميركية‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمية‭ ‬مثل‭ ‬آي‭ ‬بي‭ ‬إم‭ ‬تمنحها‭ ‬نفوذاً‭ ‬واسعاً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬عملات‭ ‬التسعير‭ ‬وشروط‭ ‬التبادل‭ ‬التجاري،‭ ‬ونتيجة‭ ‬لذلك‭ ‬يصبح‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬على‭ ‬الدول،‭ ‬سواء‭ ‬اليابان‭ ‬سابقاً‭ ‬أو‭ ‬الصين‭ ‬حالياً،‭ ‬فرض‭ ‬عملتها‭ ‬الوطنية‭ ‬كوسيلة‭ ‬رئيسية‭ ‬في‭ ‬التسويات‭ ‬التجارية‭ ‬الدولية‭.‬
وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬تدويل‭ ‬اليوان‭ ‬عبر‭ ‬بوابة‭ ‬التجارة‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬قرار‭ ‬اقتصادي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬معركة‭ ‬معقدة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬موازين‭ ‬القوى‭ ‬التجارية،‭ ‬وهياكل‭ ‬السوق‭ ‬العالمية،‭ ‬ونفوذ‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات‭.‬

هيمنة‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬وتحديات‭ ‬حضور‭ ‬اليوان‭ ‬عالمياً

وانتقالاً‭ ‬من‭ ‬تحليل‭ ‬أنماط‭ ‬التجارة‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬المؤسسية‭ ‬الحاكمة‭ ‬لها،‭ ‬يتبين‭ ‬بوضوح‭ ‬أن‭ ‬المؤسسات‭ ‬ذات‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬تمثل‭ ‬القوة‭ ‬المحركة‭ ‬الأساسية‭ ‬للتجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬الصينية‭. ‬فقد‭ ‬استحوذت‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬على‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬وواردات،‭ ‬كما‭ ‬شكلت‭ ‬النسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الصادرات،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬حضور‭ ‬قوي‭ ‬في‭ ‬الواردات،‭ ‬والأهم‭ ‬أنها‭ ‬تسهم‭ ‬بالحصة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الفائض‭ ‬التجاري،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬مدى‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬مسار‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الخارجي‭ ‬للصين‭.‬
وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬التوزيع‭ ‬الجغرافي‭ ‬داخل‭ ‬البلاد،‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬النفوذ‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬معين،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬مختلف‭ ‬المقاطعات‭ ‬والمناطق،‭ ‬حيث‭ ‬تتقارب‭ ‬حصص‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬مع‭ ‬متوسط‭ ‬حضورها‭ ‬في‭ ‬إجمالي‭ ‬التجارة‭ ‬الصينية‭. ‬وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬يتضح‭ ‬أن‭ ‬التجارة‭ ‬الخارجية‭ ‬للصين‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العالمية‭ ‬التي‭ ‬تقودها‭ ‬الشركات‭ ‬متعددة‭ ‬الجنسيات،‭ ‬وليست‭ ‬نشاطاً‭ ‬مستقلاً‭ ‬بالكامل‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬تنمية‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬التدرج‭ ‬في‭ ‬تخفيف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬باعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬أحد‭ ‬المسارات‭ ‬الرئيسية‭ ‬لدعم‭ ‬تدويل‭ ‬اليوان‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الصين‭ ‬لم‭ ‬تطبق‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬نموذج‭ ‬الانفتاح‭ ‬الكامل‭ ‬الذي‭ ‬شهدته‭ ‬اليابان،‭ ‬فإن‭ ‬التقييم‭ ‬الحالي‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬قراءات‭ ‬مستقبلية،‭ ‬مع‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬النماذج‭ ‬القائمة‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تُعد‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬النموذج‭ ‬الأبرز‭ ‬للأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬المقومة‭ ‬باليوان،‭ ‬نظراً‭ ‬لدورها‭ ‬المحوري‭ ‬في‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬الصيني‭ ‬والنظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭.‬
فقد‭ ‬لعبت‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬تاريخياً‭ ‬دوراً‭ ‬كقناة‭ ‬لإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬الأموال‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الصين‭ ‬فيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بآلية‭ ‬“إعادة‭ ‬الإقراض”،‭ ‬ولا‭ ‬تزال‭ ‬هذه‭ ‬الآلية‭ ‬قائمة‭ ‬ولكن‭ ‬ضمن‭ ‬نطاق‭ ‬منظم‭ ‬وتحت‭ ‬رقابة‭. ‬وتشير‭ ‬البيانات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬جزر‭ ‬فيرجن‭ ‬البريطانية،‭ ‬تستحوذان‭ ‬على‭ ‬النسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المباشرة‭ ‬الداخلة‭ ‬إلى‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬وكذلك‭ ‬الخارجة‭ ‬منها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬تشابكاً‭ ‬مالياً‭ ‬واسع‭ ‬النطاق‭ ‬عبر‭ ‬هذه‭ ‬القناة‭.‬
ومن‭ ‬ناحية‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬تتمتع‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬بسوق‭ ‬أسهم‭ ‬متقدمة‭ ‬مقارنة‭ ‬بسوق‭ ‬السندات،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬محوراً‭ ‬رئيسياً‭ ‬لتدفقات‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭. ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬ذات‭ ‬الخلفية‭ ‬الصينية‭ ‬تمثل‭ ‬نسبة‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬العدد،‭ ‬فإن‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬ثقلها‭ ‬الاقتصادي‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم‭ ‬يأتي‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الصين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبقى‭ ‬النسبة‭ ‬الأكبر‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬أموال‭ ‬خارجية‭.‬
وتبرز‭ ‬هنا‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة؛‭ ‬إذ‭ ‬تحولت‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬إلى‭ ‬قناة‭ ‬تتدفق‭ ‬عبرها‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬الصيني‭ ‬ثم‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭ ‬مجدداً،‭ ‬في‭ ‬دورة‭ ‬مالية‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية‭. ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬يتم‭ ‬توجيه‭ ‬هذه‭ ‬التدفقات‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الحقيقي‭ ‬المحلي‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬الأميركي،‭ ‬وكذلك‭ ‬العملات‭ ‬المرتبطة‭ ‬به‭ ‬مثل‭ ‬دولار‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬في‭ ‬تسعير‭ ‬السلع‭ ‬وتنفيذ‭ ‬التسويات‭ ‬التجارية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬توسع‭ ‬استخدام‭ ‬اليوان‭ ‬ويضعه‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬محدود‭ ‬نسبياً‭ ‬ضمن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي،‭ ‬رغم‭ ‬الطموحات‭ ‬الصينية‭ ‬لتعزيز‭ ‬حضوره‭ ‬دولياً‭.‬

هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬بين‭ ‬إعادة‭ ‬تدوير‭ ‬الأموال‭ ‬وتحديات‭ ‬تدويل‭ ‬اليوان

وفي‭ ‬امتداد‭ ‬طبيعي‭ ‬لهذا‭ ‬التحليل،‭ ‬يبرز‭ ‬تساؤل‭ ‬محوري‭: ‬إذا‭ ‬تم‭ ‬رفع‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬رأس‭ ‬المال،‭ ‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬دور‭ ‬القناة‭ ‬لإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬الأموال‭ ‬كما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية؟
تشير‭ ‬المعطيات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬ممكن‭ ‬بالفعل،‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المباشرة‭ ‬وحركة‭ ‬سوق‭ ‬الأسهم‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭. ‬فبعد‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬العالمية‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬برزت‭ ‬ضغوط‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ»الأموال‭ ‬الساخنة‮»‬‭ ‬داخل‭ ‬الصين،‭ ‬وكان‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منها‭ ‬قادماً‭ ‬عبر‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬في‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭.‬
وخلال‭ ‬الفترة‭ ‬الممتدة‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬التسعينيات‭ ‬وحتى‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬اتسمت‭ ‬العلاقة‭ ‬المالية‭ ‬بين‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الإقراض‭ ‬والاقتراض،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تدفقات‭ ‬الأموال‭ ‬بين‭ ‬الصين‭ ‬وهونغ‭ ‬كونغ‭ ‬كانت‭ ‬شبه‭ ‬متعادلة،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الإقراض‭ ‬كان‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الاستدانة،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬كانت‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭.‬
غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬شهد‭ ‬تحولاً‭ ‬واضحاً‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬وتيرة‭ ‬الإقراض‭ ‬من‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬الصيني‭ ‬بصورة‭ ‬سريعة،‭ ‬ووصلت‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬للغاية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الأموال‭ ‬المتدفقة‭ ‬من‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬عادت‭ ‬لتتدفق‭ ‬إلى‭ ‬الداخل‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬
وتؤكد‭ ‬الأرقام‭ ‬هذا‭ ‬التحول؛‭ ‬إذ‭ ‬تجاوز‭ ‬حجم‭ ‬الإقراض‭ ‬من‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬إلى‭ ‬البنوك‭ ‬المحلية‭ ‬تريليونات‭ ‬من‭ ‬دولارات‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ،‭ ‬كما‭ ‬ارتفع‭ ‬الإقراض‭ ‬إلى‭ ‬المؤسسات‭ ‬غير‭ ‬المصرفية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستوياته‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2009،‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬توسعاً‭ ‬سريعاً‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬القناة‭ ‬المالية‭.‬

تدويل‭ ‬اليوان‭: ‬بين‭ ‬الطموح‭ ‬والواقع

ومن‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمكن‭ ‬استخلاص‭ ‬درس‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬التجربة‭ ‬اليابانية،‭ ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬تدويل‭ ‬العملة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬استخدامها‭ ‬عبر‭ ‬الحدود‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬حلاً‭ ‬كافياً،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬طرحاً‭ ‬سطحياً‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يُعالج‭ ‬الاختلالات‭ ‬الهيكلية‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭.‬
فالنموذج‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الجمع‭ ‬بين‭ ‬تسوية‭ ‬المبادلات‭ ‬التجارية‭ ‬وتنمية‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬المشكلات‭ ‬البنيوية،‭ ‬بل‭ ‬ساهم‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬تعميقها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬العملة‭ ‬على‭ ‬الانتشار‭ ‬العالمي‭.‬
وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الهدف‭ ‬الحقيقي‭ ‬لتدويل‭ ‬اليوان‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الاستخدام‭ ‬العابر‭ ‬للحدود،‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬رئيسية‭ ‬ضمن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬والنقدي‭ ‬العالمي‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تحقيق‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬يواجه‭ ‬فجوات‭ ‬كبيرة،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الجيوسياسي،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬السوق‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والمالية‭ ‬الصينية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬محدودية‭ ‬نطاق‭ ‬استخدام‭ ‬العملة‭ ‬دولياً‭.‬

الهيكل‭ ‬الاقتصادي‭ ‬
وتحدي‭ ‬المستقبل

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬تحول‭ ‬اليوان‭ ‬إلى‭ ‬عملة‭ ‬احتياطية‭ ‬جوهرية‭ ‬قد‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولار‭ ‬الأميركي،‭ ‬ويمنح‭ ‬الصين‭ ‬قدراً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬المالي‭. ‬كما‭ ‬قد‭ ‬يشكل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬أحد‭ ‬الأدوات‭ ‬المهمة‭ ‬لمواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬الديموغرافية،‭ ‬وعلى‭ ‬رأسها‭ ‬شيخوخة‭ ‬السكان‭.‬
وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬ارتفاع‭ ‬ملحوظ‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬الإعالة‭ ‬بحلول‭ ‬عام‭ ‬2050،‭ ‬نتيجة‭ ‬تزايد‭ ‬أعداد‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬مع‭ ‬تفاوت‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭ ‬والنامية‭.‬
وتُعد‭ ‬أوروبا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬المناطق‭ ‬تأثراً‭ ‬بهذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬تليها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تسجل‭ ‬اليابان‭ ‬أعلى‭ ‬معدلات‭ ‬الشيخوخة‭ ‬بين‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬ثم‭ ‬ألمانيا‭. ‬أما‭ ‬الصين،‭ ‬فرغم‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬أفضل‭ ‬نسبياً،‭ ‬فإنها‭ ‬ستواجه‭ ‬ضغوطاً‭ ‬متزايدة‭ ‬مستقبلاً،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬تعزيز‭ ‬مكانة‭ ‬عملتها‭ ‬عالمياً‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬أشمل‭ ‬لمواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة‭.‬

رجوع لأعلى