اليوان وصراع النفوذ في النظام النقدي العالمي
تُظهر التحليلات أن أحد الركائز الأساسية لمسار تدويل العملة الصينية يتمثل في نشر استخدام اليوان خارجياً عبر تسوية المبادلات التجارية، يلي ذلك تخفيف القيود المفروضة على حساب رأس المال بشكل تدريجي، بما يسمح بإعادة تدفق العملة من الأسواق الخارجية إلى الداخل الصيني. ورغم أن حجم هذه التدفقات لا يزال محدوداً حتى الآن، فإن النموذج الذي تتبعه الصين يكاد يطابق التجربة اليابانية، التي قامت على مزيج من تسويات التجارة الخارجية والانفتاح التدريجي لحساب رأس المال. غير أن السؤال الجوهري يبقى مطروحاً: هل تستطيع الصين تحقيق نتائج مختلفة رغم تعثر التجربة اليابانية؟
وللانتقال من الطرح النظري إلى التحليل العملي، لا بد من النظر أولاً في مدى قابلية استخدام اليوان في تسويات التجارة الدولية. فإذا أخذنا هيكل التجارة الخارجية للصين نموذجاً، نجد أن نسبة كبيرة منها تتم مع اقتصادات تصدر عملات احتياطية قوية مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو والمملكة المتحدة واليابان. وعند إضافة هونغ كونغ إلى هذا الإطار نظراً لاعتمادها على إعادة التصدير نحو الأسواق الغربية ترتفع هذه النسبة بشكل ملحوظ، ما يعني أن جزءاً كبيراً من التجارة الصينية يرتبط بعملات قوية، الأمر الذي يحد من فرص استخدام اليوان كعملة تسوية في هذه المعاملات.
وفي المقابل، ورغم أن بعض المناطق مثل إفريقيا ودول الاتحاد السوفييتي السابق وأوقيانوسيا لا تعتمد على عملات دولية رئيسية، فإن طبيعة تجارتها مع الصين والتي تتركز في السلع الأساسية والموارد تشكل عائقاً آخر. فهذه السلع تُسعَّر عادة بالدولار الأميركي أو بعملات قوية أخرى، ما يجعل إدخال اليوان في عمليات التسعير والتسوية أمراً معقداً وغير مفضل في الأسواق العالمية.
ومن هنا، يتجه التحليل نحو الدوائر التي قد تمثل فرصة حقيقية لانتشار اليوان، حيث يبقى الأمل معقوداً على عدد من الدول الآسيوية، باستثناء اليابان وهونغ كونغ، إذ تبدو فرص استخدام اليوان فيها أكثر واقعية. فالصين ترتبط مع هذه الدول بحجم تبادل تجاري كبير، كما أن وارداتها منها تفوق صادراتها إليها، ما يخلق حالة من العجز التجاري قد تتيح توسيع استخدام اليوان في التسويات.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من تحديات، إذ يكشف تحليل البنية المؤسسية للتجارة الصينية عن معضلة مشابهة لما واجهته اليابان سابقاً. فالهيمنة التي تمارسها الشركات الأميركية الكبرى على سلاسل الإنتاج العالمية مثل آي بي إم تمنحها نفوذاً واسعاً في تحديد عملات التسعير وشروط التبادل التجاري، ونتيجة لذلك يصبح من الصعب على الدول، سواء اليابان سابقاً أو الصين حالياً، فرض عملتها الوطنية كوسيلة رئيسية في التسويات التجارية الدولية.
وفي ضوء ما سبق، يتضح أن تدويل اليوان عبر بوابة التجارة ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو معركة معقدة تتداخل فيها موازين القوى التجارية، وهياكل السوق العالمية، ونفوذ الشركات متعددة الجنسيات.
هيمنة الاستثمارات الأجنبية وتحديات حضور اليوان عالمياً
وانتقالاً من تحليل أنماط التجارة إلى البنية المؤسسية الحاكمة لها، يتبين بوضوح أن المؤسسات ذات الاستثمارات الأجنبية تمثل القوة المحركة الأساسية للتجارة الخارجية الصينية. فقد استحوذت هذه المؤسسات على أكثر من نصف إجمالي التجارة الخارجية من صادرات وواردات، كما شكلت النسبة الأكبر من الصادرات، إلى جانب حضور قوي في الواردات، والأهم أنها تسهم بالحصة الأكبر من الفائض التجاري، ما يعكس مدى تأثيرها في توجيه مسار الاقتصاد الخارجي للصين.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي داخل البلاد، يظهر أن هذا النفوذ لا يقتصر على نطاق معين، بل يمتد إلى مختلف المقاطعات والمناطق، حيث تتقارب حصص هذه المؤسسات مع متوسط حضورها في إجمالي التجارة الصينية. وبعبارة أخرى، يتضح أن التجارة الخارجية للصين أصبحت جزءاً من منظومة سلاسل الإنتاج العالمية التي تقودها الشركات متعددة الجنسيات، وليست نشاطاً مستقلاً بالكامل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية تنمية الأسواق الخارجية بالتوازي مع التدرج في تخفيف القيود على حساب رأس المال، باعتبار ذلك أحد المسارات الرئيسية لدعم تدويل اليوان. ورغم أن الصين لم تطبق حتى الآن نموذج الانفتاح الكامل الذي شهدته اليابان، فإن التقييم الحالي يستند إلى قراءات مستقبلية، مع الاستفادة من النماذج القائمة.
وفي هذا الإطار، تُعد هونغ كونغ النموذج الأبرز للأسواق الخارجية المقومة باليوان، نظراً لدورها المحوري في الربط بين الداخل الصيني والنظام المالي العالمي.
فقد لعبت هونغ كونغ تاريخياً دوراً كقناة لإعادة تدوير الأموال إلى داخل الصين فيما يُعرف بآلية “إعادة الإقراض”، ولا تزال هذه الآلية قائمة ولكن ضمن نطاق منظم وتحت رقابة. وتشير البيانات إلى أن الصين، إلى جانب جزر فيرجن البريطانية، تستحوذان على النسبة الأكبر من الاستثمارات المباشرة الداخلة إلى هونغ كونغ وكذلك الخارجة منها، وهو ما يعكس تشابكاً مالياً واسع النطاق عبر هذه القناة.
ومن ناحية الأسواق المالية، تتمتع هونغ كونغ بسوق أسهم متقدمة مقارنة بسوق السندات، ما يجعلها محوراً رئيسياً لتدفقات رؤوس الأموال. ورغم أن الشركات ذات الخلفية الصينية تمثل نسبة محدودة من حيث العدد، فإن قيمتها السوقية كبيرة، ما يعكس ثقلها الاقتصادي. كما أن جزءاً من الاستثمارات في سوق الأسهم يأتي من داخل الصين، في حين تبقى النسبة الأكبر معتمدة على رؤوس أموال خارجية.
وتبرز هنا مفارقة لافتة؛ إذ تحولت هونغ كونغ إلى قناة تتدفق عبرها الأموال من الخارج إلى الداخل الصيني ثم تعود إلى الخارج مجدداً، في دورة مالية تختلف عن التجربة اليابانية. ففي ظل استمرار الرقابة على حساب رأس المال، يتم توجيه هذه التدفقات بما يخدم الاقتصاد الحقيقي المحلي.
غير أن التحدي الأكبر يكمن في استمرار الاعتماد على الدولار الأميركي، وكذلك العملات المرتبطة به مثل دولار هونغ كونغ، في تسعير السلع وتنفيذ التسويات التجارية، وهو ما يحد من توسع استخدام اليوان ويضعه في موقع محدود نسبياً ضمن النظام المالي العالمي، رغم الطموحات الصينية لتعزيز حضوره دولياً.
هونغ كونغ بين إعادة تدوير الأموال وتحديات تدويل اليوان
وفي امتداد طبيعي لهذا التحليل، يبرز تساؤل محوري: إذا تم رفع الرقابة على حساب رأس المال، هل يمكن لهونغ كونغ أن تؤدي دور القناة لإعادة تدوير الأموال كما حدث في التجربة اليابانية؟
تشير المعطيات إلى أن ذلك ممكن بالفعل، خاصة عند النظر إلى واقع الاستثمارات المباشرة وحركة سوق الأسهم في هونغ كونغ. فبعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، برزت ضغوط ما يُعرف بـ»الأموال الساخنة» داخل الصين، وكان جزء كبير منها قادماً عبر القطاع المصرفي في هونغ كونغ.
وخلال الفترة الممتدة من نهاية التسعينيات وحتى عام 2009، اتسمت العلاقة المالية بين الداخل والخارج بنوع من التوازن بين الإقراض والاقتراض، ما يعني أن تدفقات الأموال بين الصين وهونغ كونغ كانت شبه متعادلة، بل إن الإقراض كان أقل من الاستدانة، أي أن الأموال كانت تميل إلى الخروج من الداخل إلى الخارج.
غير أن هذا المشهد شهد تحولاً واضحاً منذ بداية عام 2009، حيث ارتفعت وتيرة الإقراض من هونغ كونغ إلى الداخل الصيني بصورة سريعة، ووصلت بحلول عام 2013 إلى مستويات مرتفعة للغاية، ما يعني أن الأموال المتدفقة من هونغ كونغ عادت لتتدفق إلى الداخل من جديد.
وتؤكد الأرقام هذا التحول؛ إذ تجاوز حجم الإقراض من هونغ كونغ إلى البنوك المحلية تريليونات من دولارات هونغ كونغ، كما ارتفع الإقراض إلى المؤسسات غير المصرفية بشكل كبير مقارنة بمستوياته في عام 2009، ما يعكس توسعاً سريعاً في هذه القناة المالية.
تدويل اليوان: بين الطموح والواقع
ومن خلال ما سبق، يمكن استخلاص درس مهم من التجربة اليابانية، وهو أن تعزيز تدويل العملة من خلال التوسع في استخدامها عبر الحدود لا يمثل حلاً كافياً، بل قد يكون طرحاً سطحياً إذا لم يُعالج الاختلالات الهيكلية داخل الاقتصاد.
فالنموذج القائم على الجمع بين تسوية المبادلات التجارية وتنمية الأسواق الخارجية لم ينجح في معالجة المشكلات البنيوية، بل ساهم أحياناً في تعميقها، وهو ما يحد من قدرة العملة على الانتشار العالمي.
وعليه، فإن الهدف الحقيقي لتدويل اليوان لا ينبغي أن يقتصر على الاستخدام العابر للحدود، بل يجب أن يتجه نحو تحويله إلى عملة احتياطية رئيسية ضمن النظام المالي والنقدي العالمي. غير أن تحقيق هذا الهدف يواجه فجوات كبيرة، ليس فقط على المستوى الجيوسياسي، بل أيضاً في هيكل السوق الاقتصادية والمالية الصينية، إضافة إلى محدودية نطاق استخدام العملة دولياً.
الهيكل الاقتصادي
وتحدي المستقبل
ولا شك أن تحول اليوان إلى عملة احتياطية جوهرية قد يساهم في تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي، ويمنح الصين قدراً أكبر من الاستقلال المالي. كما قد يشكل هذا التحول أحد الأدوات المهمة لمواجهة التحديات الديموغرافية، وعلى رأسها شيخوخة السكان.
وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن العالم يتجه نحو ارتفاع ملحوظ في معدلات الإعالة بحلول عام 2050، نتيجة تزايد أعداد كبار السن، مع تفاوت واضح بين الدول المتقدمة والنامية.
وتُعد أوروبا من أكثر المناطق تأثراً بهذه الظاهرة، تليها الولايات المتحدة، في حين تسجل اليابان أعلى معدلات الشيخوخة بين الاقتصادات الكبرى، ثم ألمانيا. أما الصين، فرغم أنها لا تزال في وضع أفضل نسبياً، فإنها ستواجه ضغوطاً متزايدة مستقبلاً، ما يجعل تعزيز مكانة عملتها عالمياً جزءاً من استراتيجية أشمل لمواجهة تحديات المرحلة المقبلة.