بنوك الخليج تصمد… والضغوط تختبر استمرار مرونتها
أظهرت بنوك دول مجلس التعاون الخليجي قدرة على مواجهة تداعيات النزاع في إيران وارتفاع تكاليف التمويل، مستندة إلى قواعد قوية من السيولة ورأس المال وتدفقات الودائع الحكومية والمؤسسية، إلا أن استمرار هذه المرونة يواجه اختباراً مع تباطؤ النشاط الاقتصادي غير النفطي وتزايد الضغوط على نمو الإقراض وهوامش الربحية.
وبحسب تقرير وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني بشأن أبرز نقاط متابعة بنوك الأسواق الناشئة لشهر سبتمبر 2026، حافظت البنوك الخليجية على مرونة أرباحها خلال النصف الأول من العام، في وقت دفعت فيه تداعيات التوترات الإقليمية الوكالة إلى تعديل نظرتها للقطاع المصرفي في الشرق الأوسط إلى «متدهورة».
دعم الودائع
وتلقت البنوك الخليجية ودائع حكومية ومؤسسية بقيمة 77 مليار دولار خلال النصف الأول من عام 2026، تصدرتها الإمارات بنحو 27 مليار دولار، تلتها السعودية بقيمة 24 مليار دولار، بما عزز قدرة القطاع على التعامل مع ضغوط السيولة وارتفاع تكاليف الاقتراض.
وجاءت هذه التدفقات ضمن عوامل الدعم التي ساعدت البنوك على استيعاب الصدمات، إلى جانب قوة ميزانياتها العمومية ومراكزها الرأسمالية. ومع ذلك، فإن متانة الأداء الجاري لم تمنع تراجع التوقعات، في ظل المخاطر المحيطة بالنشاط الاقتصادي والطلب على الائتمان.
واستند تعديل النظرة القطاعية إلى توقعات تراجع النشاط غير النفطي وتباطؤ نمو القروض، تحت فرضية استمرار التوترات حتى الربع الأول من عام 2027، فيما تعكس النظرة المستقبلية السلبية لتصنيفات البنوك الخليجية استمرار الضغوط الائتمانية المحتملة.
إصدارات وتمويل
وبلغت إصدارات أدوات الدين الدولارية للبنوك الخليجية 59 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2026، مقابل 102 مليار دولار خلال عام 2025 بأكمله، وفقاً للتقرير.
وربطت الوكالة انخفاض وتيرة الإصدارات بارتفاع تكاليف التمويل وتراجع الحاجة إلى الاقتراض مع تباطؤ نمو القروض. وتوضح هذه المقارنة حجم الإصدارات المسجلة حتى نهاية سبتمبر قياساً بإجمالي العام السابق، مع اختلاف طول الفترتين.
وعلى مستوى الأسواق الناشئة عموماً، حافظت إصدارات الديون المصرفية على قوتها خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، مدعومة بفروق عائد ضيقة تاريخياً، رغم ارتفاع تكاليف الاقتراض العالمية وانخفاض أحجام الإصدارات من السعودية والصين وتركيا.
صمود متفاوت
وأشار التقرير إلى أن بنوك الأسواق الناشئة أظهرت مرونة أمام تباطؤ النمو العالمي وارتفاع التضخم وأسعار الطاقة، واستمرت ترقيات التصنيفات الائتمانية في التفوق على التخفيضات خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بقيادة البنوك المصنفة دون درجة الاستثمار.
وساهمت استجابات البنوك المركزية الاستباقية، وتوفير أدوات الدعم، ووجود هوامش أمان مالية لدى عدد من الدول، خصوصاً في الشرق الأوسط، في احتواء التداعيات. كما ساعدت قوة الميزانيات العمومية للبنوك منذ عام 2020 على الحد من خسائر الائتمان ودعم الأرباح خلال النصف الأول.
لكن هذه المرونة لم تتوزع بالتساوي بين الأسواق، إذ أظهرت البنوك في معظم أسواق آسيا والمحيط الهادئ والأسواق المصدرة للنفط في أفريقيا وأمريكا اللاتينية ومنطقة رابطة الدول المستقلة أداءً أفضل، بينما تعرضت قطاعات أخرى لضغوط أشد على السيولة والربحية.
قطر تحت المتابعة
وفي قطر، خفضت «فيتش» توقعاتها لنمو الائتمان خلال عام 2026 إلى 3%، مقارنة بتقديرات سابقة بلغت 6%، مع توقع ارتفاع مخصصات انخفاض القيمة نتيجة الانكشاف على قطاعي العقارات والإنشاءات.
وظل التمويل غير المحلي مرتفعاً، عند 44% من إجمالي التمويل حتى نهاية يوليو 2026، وهو ما يبقي القطاع عرضة للصدمات الخارجية.
اختبار الربحية
وفي أسواق أخرى، أدى ارتفاع تكلفة السيولة إلى الضغط على هوامش الفائدة، خصوصاً في عدد من القطاعات المصرفية بالشرق الأوسط وآسيا. كما واجهت بنوك جنوب شرق آسيا تداعيات التضخم وتراجع أسعار بعض العملات وارتفاع تكاليف التمويل.
وفي تركيا، أدى استمرار مستويات الفائدة المرتفعة وتأخر خفضها إلى إرجاء تعافي هوامش الفائدة الصافية، مع استمرار الضغط على الربحية حتى الربع الرابع من 2026.
ويضع التقرير استدامة المرونة في صدارة الملفات التي تستحق المتابعة؛ فرغم قدرة البنوك على استيعاب التداعيات حتى الآن، تظل قوة السيولة وجودة الأصول وتكلفة التمويل عوامل حاسمة في تحديد قدرتها على الحفاظ على أرباحها خلال الفترة المقبلة.