بيتكوين تتراجع والنفط يعيد مخاوف التضخم
تراجعت العملات المشفرة خلال تعاملات الخميس، مع تعرض الأصول عالية المخاطر لضغوط جديدة نتيجة ارتفاع أسعار النفط واستمرار الصراع في الشرق الأوسط، في وقت يترقب فيه المستثمرون بيانات التضخم الأميركية بحثاً عن إشارات أكثر وضوحاً بشأن الخطوة المقبلة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي. وجاء الأداء الضعيف للسوق الرقمية امتداداً لحالة الحذر التي سيطرت على الأسواق العالمية، بعدما تجاوز خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل، ما أعاد المخاوف من موجة تضخمية قد تدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على سياستها النقدية المتشددة لفترة أطول.
وتتأثر الأصول الرقمية عادة بتحولات شهية المخاطرة والسيولة العالمية، ولذلك فإن ارتفاع عوائد السندات وتزايد توقعات رفع أسعار الفائدة يشكلان ضغطاً عليها. فكلما ارتفعت العوائد التي تقدمها الأصول التقليدية الأقل مخاطرة، أصبحت الاحتفاظات الاستثمارية في العملات المشفرة أقل جاذبية بالنسبة إلى بعض المستثمرين، خصوصاً المؤسسات التي تقارن العائد المتوقع بالمخاطر والتقلبات.
صدمة الطاقة
أصبح ارتفاع أسعار الخام عاملاً مؤثراً في أسواق المال العالمية، بعدما دفعت التطورات العسكرية في الشرق الأوسط برنت إلى ما فوق 100 دولار. ولا يرتبط التأثير المباشر للعملات المشفرة بتكلفة الطاقة فقط، بل بما يمكن أن يسببه النفط المرتفع من ضغوط على الأسعار العالمية، ومن ثم تغيير توقعات السياسة النقدية الأميركية.
فالارتفاع المستمر في تكاليف الوقود والنقل يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات، وهو ما قد يجعل مهمة الاحتياطي الفيدرالي في إعادة التضخم نحو مستهدفه أكثر صعوبة. وإذا ترسخت هذه الضغوط، فقد يضطر البنك المركزي الأميركي إلى مواصلة التشديد النقدي بدلاً من الاتجاه إلى خفض تكاليف الاقتراض.
ولهذا تكتسب بيانات أسعار المستهلكين الأميركية المقرر صدورها الجمعة أهمية استثنائية بالنسبة إلى سوق الأصول الرقمية. فقراءة أعلى من التوقعات ستدعم الاعتقاد بأن ضغوط الأسعار لا تزال قوية، بينما يمكن لقراءة أكثر اعتدالاً أن تخفف المخاوف وتعيد بعض الإقبال على الاستثمارات ذات المخاطر المرتفعة.
تأتي بيانات الأسعار قبل أيام قليلة من اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر في 15 و16 سبتمبر، وسط تحول ملحوظ في توقعات المتعاملين. وباتت الأسواق تضع احتمالاً مهماً لرفع سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بعدما أدى ارتفاع النفط وتجدد الضغوط التضخمية إلى تغيير الرهانات التي كانت تميل في السابق إلى بقاء السياسة النقدية دون تغيير.
وتمثل الفائدة الأميركية عاملاً رئيسياً بالنسبة إلى العملات المشفرة، لأن انخفاض تكلفة الأموال وزيادة السيولة عادة ما يدعمان الطلب على الأصول عالية المخاطر، بينما يؤدي التشديد إلى نتيجة معاكسة. كما أن ارتفاع العائد على سندات الخزانة يمنح المستثمرين بديلاً أكثر جاذبية، خصوصاً عندما تكون الأسواق في حالة توتر.
وبالتالي، فإن المرحلة المقبلة لا تتوقف فقط على اتجاه أسعار العملات الرقمية نفسها، وإنما على العلاقة بين الطاقة والتضخم والعوائد والدولار. وأي إشارة إلى أن الفيدرالي قد يواصل التشديد يمكن أن تزيد التقلبات، بينما قد تستفيد السوق من أي بيانات تقلل احتمالات رفع تكاليف الاقتراض.
تحول استراتيجي
وبعيداً عن تقلبات الأسعار، تشهد صناعة الأصول الرقمية تحولات في نماذج أعمال الشركات الكبرى، وفي مقدمتها «كوين بيس»، التي تراهن بصورة متزايدة على مدفوعات العملات المستقرة باعتبارها مصدراً مهماً لنمو الإيرادات، في إطار سعي أكبر بورصة أميركية للعملات المشفرة إلى تنويع أعمالها بعيداً عن الاعتماد الكبير على رسوم التداول.
وتكتسب هذه الاستراتيجية أهمية لأن إيرادات التداول تتأثر بصورة كبيرة بدورات السوق. فعندما ترتفع الأسعار ويزداد نشاط المستثمرين، تحقق المنصات إيرادات أكبر، لكن انخفاض أحجام التداول خلال فترات الركود يؤدي إلى تراجع الرسوم، ما يجعل الاعتماد على مصدر واحد للإيرادات مخاطرة مستمرة.
وتحاول «كوين بيس» توسيع حضورها في المدفوعات والخدمات المرتبطة بالعملات المستقرة، مستفيدة من تزايد استخدامها في تحويل الأموال وتسوية المعاملات. وترتبط هذه العملات عادة بأصول رسمية، وفي مقدمتها الدولار، بما يجعل تقلباتها أقل بكثير من بيتكوين وغيرها من الأصول الرقمية التقليدية.
مدفوعات عابرة
تتمثل إحدى نقاط الجذب الرئيسية للعملات المستقرة في قدرتها على نقل الأموال عبر الحدود بسرعة وبتكلفة قد تكون أقل من بعض شبكات الدفع التقليدية. ويفتح ذلك المجال أمام استخدامها في المدفوعات التجارية والتحويلات وتسوية المعاملات الدولية، وليس فقط في تداول الأصول الرقمية.
وبالنسبة إلى «كوين بيس»، يمثل التوسع في هذا المجال محاولة للتحول من منصة تعتمد أساساً على نشاط المستثمرين إلى بنية مالية رقمية تقدم خدمات يمكن استخدامها بصورة يومية. وإذا نجحت الاستراتيجية، فقد تصبح المدفوعات مصدراً أكثر استقراراً للإيرادات مقارنة برسوم التداول المرتبطة بدورات صعود وهبوط السوق.
لكن هذا التحول لا يخلو من تحديات، أبرزها المنافسة مع المؤسسات المالية وشركات التكنولوجيا المالية وشبكات المدفوعات التقليدية، إلى جانب القواعد التنظيمية المتغيرة التي تحكم إصدار العملات المستقرة واستخدامها.
اختبار التضخم يرسم الاتجاه
تجد سوق العملات المشفرة نفسها أمام معادلة مزدوجة: ضغوط قصيرة الأجل مرتبطة بالنفط والحرب والفائدة، وتحول طويل الأجل في استخدام التكنولوجيا الرقمية داخل النظام المالي. وفي الوقت الذي تضغط فيه البيئة الاقتصادية على الأسعار، تحاول شركات القطاع بناء مصادر إيرادات لا تعتمد بالكامل على المضاربات.
وتبقى بيانات أسعار المستهلكين الأميركية الاختبار الأقرب والأكثر تأثيراً. فإذا أظهرت تسارعاً يفوق التوقعات، ستتعزز رهانات رفع تكلفة الاقتراض، وقد تتعرض الأصول عالية المخاطر لمزيد من الضغوط. أما إذا جاءت أقل حدة، فقد تتراجع المخاوف من التشديد النقدي وتتحسن شهية المستثمرين.
وبينما تتحرك الأسعار وفق قرارات الفيدرالي والتوترات الجيوسياسية، يكشف رهان «كوين بيس» على العملات المستقرة أن صناعة الأصول الرقمية تبحث في الوقت نفسه عن مرحلة جديدة يكون فيها الاستخدام العملي والمدفوعات العابرة للحدود مصدراً للنمو، بدلاً من الاعتماد على تقلبات التداول وحدها.