بيتكوين تتماسك.. والعملات البديلة تتكبد خسائر
تراجعت أسعار العملات المشفرة خلال تعاملات الخميس، بعدما أعادت بيانات التضخم الأميركية المرتفعة المخاوف من استئناف مجلس الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة، ما دفع المستثمرين إلى تقليص انكشافهم على الأصول عالية المخاطر، وسط ضغوط متزايدة على السيولة العالمية وتنامي القلق بشأن الإنفاق الضخم لشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
وجاءت الخسائر في وقت تواجه فيه الأسواق المالية حالة من الحذر، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واستمرار الضغوط التضخمية، بالتزامن مع تساؤلات بشأن قدرة شركات الحوسبة العملاقة على تمويل توسعاتها، الأمر الذي انعكس على شهية المستثمرين تجاه العملات الرقمية، التي تتسم بحساسيتها الشديدة لتحولات السياسة النقدية وتدفقات رؤوس الأموال.
خسائر رقمية
وانخفضت عملة بيتكوين، الأكبر عالمياً من حيث القيمة السوقية، بنسبة 0.6%، لتتراجع بمقدار 490 دولاراً إلى 81207 دولارات، وفق الأسعار المسجلة عند الساعة 10:40 صباحاً بتوقيت مكة المكرمة، وسط استمرار الضغوط البيعية على سوق الأصول الرقمية.
وسجلت إيثريوم خسائر أكبر، بعدما انخفضت بنسبة 2.27 %، بما يعادل 55.23 دولاراً، لتصل إلى 2372.92 دولاراً، في أداء يعكس حساسية العملات البديلة للتقلبات التي تشهدها الأسواق العالمية.
كمــا تراجعت عملـة ريبل بنسبـة 1.32 %، فاقدة نحو 0.0175 دولار، لتصل إلى 1.307 دولار، ما يؤكد اتساع نطاق الضغوط لتشمل عدداً من أبرز العملات المشفرة، رغم تفاوت حجم الخسائر بين الأصول الرقمية المختلفة.
ويكشف التباين بين انخفاض بيتكوين بنسبة محدودة نسبياً وتراجع إيثريوم بوتيرة أسرع عن اختلاف استجابة المستثمرين للمخاطر، إذ تتعرض بعض العملات البديلة لضغوط أكبر خلال فترات انحسار السيولة وارتفاع مستويات الحذر.
وتأتي هذه التحركات في ظل ترقب المستثمرين اتجاه أسعار الفائدة الأميركية، باعتبارها أحد أبرز العوامل المؤثرة في تدفقات الأموال نحو العملات المشفرة، خصوصاً أن ارتفاع العوائد على الأدوات المالية التقليدية قد يقلص جاذبية الاحتفاظ بالأصول التي لا توفر دخلاً دورياً.
ضغوط التضخم
وأظهرت بيانات أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة تسارع التضخم خلال سبتمبر، مدفوعاً بارتفاع تكاليف البنزين، ما أثار مخاوف من استمرار الضغوط السعرية واضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً.
ووفقاً لأداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة «سي إم إي»، ارتفعت احتمالات رفع أسعار الفائدة الأميركية خلال أكتوبر إلى نحو 27 %، مقارنة بنسبة 22 % قبل صدور بيانات التضخم، في تحول يعكس إعادة تقييم المستثمرين لمسار السياسة النقدية.
وتعني هذه الزيادة أن الأسواق أصبحت تمنح احتمال التشديد النقدي وزناً أكبر، رغم أن رفع الفائدة لا يزال أقل ترجيحاً من تثبيتها وفق هذه التقديرات.
وتؤثر أسعار الفائدة المرتفعة على العملات المشفرة من خلال زيادة جاذبية السندات والودائع والأصول المدرة للعائد، فضلاً عن رفع تكلفة الاقتراض وتقليص السيولة المتاحة للمضاربة والاستثمار في الأسواق عالية المخاطر.
كما أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد يزيد الضغوط على التضخم، ما يحد من قدرة البنك المركزي الأميركي على تخفيف السياسة النقدية، ويطيل فترة عدم اليقين بشأن اتجاه السيولة العالمية.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنسبة إلى سوق العملات الرقمية، التي تعتمد بدرجة كبيرة على ثقة المستثمرين واستعدادهم لتحمل المخاطر، ما يجعلها عرضة لتحركات سريعة عند صدور بيانات اقتصادية تخالف التوقعات.
أزمة السيولة
وفي هذا السياق، حذر مات هوجان، كبير مسؤولي الاستثمار لدى شركة «بيتوايز لإدارة الأصول»، من تعرض الأوضاع المالية العالمية لضغوط قوية، نتيجة تداخل ارتفاع التضخم وأسعار الطاقة مع المخاوف المرتبطة بشركات الحوسبة العملاقة والذكاء الاصطناعي.
وأوضح هوجان، بحسب ما نقلته بلومبرغ، أن هذه العوامل تحد من السيولة النقدية المتاحة وتضغط على الأصول عالية المخاطر، وهو ما يفسر جانباً من التراجع الذي تشهده العملات المشفرة.
وتتزايد هذه المخاوف مع اعتماد عدد من شركات التكنولوجيا على تمويلات ضخمة لتطوير مراكز البيانات وشراء المعالجات المتقدمة، ما يرفع الطلب على رؤوس الأموال في وقت تتزايد فيه تكلفة الاقتراض.
وقد يؤدي استمرار هذه الظروف إلى تشديد الأوضاع المالية بصورة أوسع، الأمر الذي يدفع بعض المستثمرين إلى تقليص مراكزهم في الأصول الرقمية والاحتفاظ بسيولة أكبر لمواجهة التقلبات المحتملة.
كما أن تراجع أسهم التكنولوجيا بالتزامن مع انخفاض العملات المشفرة يعكس تأثر السوقين بعوامل مشتركة، أبرزها توقعات الفائدة والسيولة وشهية المخاطرة، رغم اختلاف طبيعة الأصول وآليات تسعيرها.
السيولة تحدد مسار العملات
وتدخل سوق العملات المشفرة مرحلة تتزايد فيها أهمية المؤشرات الاقتصادية الأميركية، خصوصاً بيانات التضخم وقرارات الاحتياطي الفيدرالي، في تحديد اتجاه الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وقد تستمر الضغوط على بيتكوين وإيثريوم والعملات البديلة إذا تعززت توقعات رفع الفائدة أو استمرت المخاوف بشأن السيولة العالمية، بينما يمكن لأي تراجع في التضخم أن يساعد على تحسين شهية المستثمرين للمخاطرة.
وفي ظل هذه المعطيات، ستظل العملات الرقمية معرضة لتقلبات واسعة، مع ترقب الأسواق قدرة بيتكوين على الحفاظ على مستوياتها الحالية، ومدى تأثر بقية العملات بتغير اتجاه التدفقات الاستثمارية، في وقت أصبح فيه مسار الفائدة الأميركية أحد أبرز العوامل التي تحدد مستقبل الأصول المشفرة.