تاسي يتحدى التقلبات العالمية ويستقر فوق الـ 11400 بنبرة تفاؤلية
اختتم مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية «تاسي» تعاملات الثلاثاء على نغمة تفاؤلية قوية، مسجلاً ارتفاعاً ملحوظاً يعزز من مكانة السوق المالية السعودية كواحدة من أكثر الأسواق الناشئة استقراراً وجذباً للاستثمارات. ولم يكن هذا الارتفاع مجرد تحرك سعري عابر، بل جاء تجسيداً لثقة المتداولين في المسار الاقتصادي الكلي للمملكة، خاصة في ظل بيئة عالمية تتسم بعدم اليقين المالي والجيوسياسي.
لقد استطاع «تاسي» أن يتجاوز التأثيرات الجانبية لتقلبات أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية، ليقدم نموذجاً في «امتصاص الضغوط»، حيث اتسع نطاق الصعود ليشمل الأغلبية العظمى من الشركات المدرجة، مما يعطي إشارة فنية قوية على جودة الارتفاع الحالي واستناده إلى قاعدة عريضة من الدعم القطاعي وليس مجرد تحركات مضاربية على أسهم محددة.
حركة المؤشر والسيولة المندفعة
أغلق المؤشر العام للسوق (تاسي) بنهاية الجلسة عند مستوى 11486.18 نقطة، محققاً مكاسب بلغت 59.41 نقطة، أو ما يعادل نسبة 0.52 %. وبالنظر إلى تفاصيل الجلسة، نجد أن المؤشر افتتح تداولاته عند 11427.2 نقطة، وهو ما يعكس فجوة سعرية إيجابية منذ البداية، ثم استمر في الزحف الصعودي حتى لامس أعلى نقطة له عند 11489.08 نقطة، قبل أن يستقر بالقرب من هذه القمة عند الإغلاق.
أما على صعيد «عصب السوق» أو السيولة، فقد ضخ المستثمرون نحو 6.19 مليار ريال، وهي قيمة تداول مرتفعة تعكس تدفقات نقدية ذكية تبحث عن فرص في مراكز قيادية ومتوسطة. تم تداول 279.37 مليون سهم عبر آلاف الصفقات، مما يبرهن على أن السوق لا تزال تتمتع بزخم تداول عالٍ، وقدرة كبيرة على تدوير السيولة بين القطاعات المختلفة بسلاسة.
اكتساح اللون الأخضر للقطاعات
من أبرز ملامح جلسة الثلاثاء هو «التناغم القطاعي»؛ حيث لم تكن المكاسب حكراً على قطاع دون آخر. ارتفعت أسعار أسهم 218 شركة، بينما لم تتراجع سوى 42 شركة، وبقيت 9 شركات دون تغيير يذكر. هذا التوزيع يعكس حالة من «الشهية المفتوحة» للمخاطرة المدروسة من قبل الأفراد والمؤسسات على حد سواء.
ريادة التقنية وانتعاش
المواد الأساسية
تصدر قطاع التطبيقات وخدمات التقنية المشهد بنمو لافت بلغت نسبته 4.3 %. هذا التوجه يتماشى مع «رؤية المملكة 2030» التي تضع التحول الرقمي في قلب الاقتصاد الوطني، مما جعل شركات التقنية تحت مجهر المستثمرين الباحثين عن نمو مستدام طويل الأمد.
في المقابل، قدم قطاع المواد الأساسية دعماً حيوياً للمؤشر بارتفاعه بنسبة 0.8 %. ويعد هذا القطاع المحرك الأساسي للاقتصاد غير النفطي، حيث استفاد من تحسن طفيف في أسعار السلع العالمية وتحسن الكفاءة التشغيلية للشركات البتروكيماوية والمعدنية السعودية.
القطاع المصرفي: الركيزة الثابتة
على الرغم من ضخامة القطاع المصرفي وحساسيته لأسعار الفائدة، إلا أنه سجل ارتفاعاً بنسبة 0.39 %. وتلعب البنوك السعودية دور «صمام الأمان» للمؤشر، إذ أن استقرارها يمنح المتداولين الطمأنينة للاستثمار في القطاعات الأخرى الأكثر تذبذباً.
قصص نجاح يومية
شهدت الجلسة تحركات دراماتيكية لبعض الأسهم التي خطفت الأنظار، سواء من حيث نسب الارتفاع أو أحجام التداول:
1 – سهم نسيج: حقق قفزة هائلة بنسبة 9.92 %، ليغلق عند 26.14 ريال، متصدراً قائمة الرابحين ومثبتاً قدرة الأسهم المتوسطة على تحقيق عوائد استثنائية في فترات قصيرة.
2 – سهم علم: بصفته أحد أعمدة قطاع التقنية، ارتفع بنسبة 7.04 % ليصل إلى 585.5 ريال، مستحوذاً وحده على سيولة تجاوزت 307 مليون ريال، مما يؤكد ثقة المؤسسات الكبرى في نموذج أعمال الشركة.
3 – سهم أرامكو السعودية: رغم كونه الأكثر تداولاً بقيمة 414.04 مليون ريال، إلا أنه سجل تراجعاً طفيفاً بنسبة 0.87 % ليغلق عند 27.36 ريال. هذا التراجع ضغط بشكل مباشر على قطاع الطاقة الذي كان القطاع الوحيد تقريباً في المنطقة الحمراء (بنسبة -0.85 %).
الوصول إلى القمم التاريخية
لم تكتفِ السوق بالارتفاع السعري، بل شهدت تسجيل أرقام قياسية جديدة. سهم «أنابيب الشرق» بلغ ذروته التاريخية بإغلاقه عند 190.5 ريال، كما سجلت أسهم مثل «بوبا العربية» و «سابك للمغذيات الزراعية» أعلى مستوياتها خلال عام كامل (52 أسبوعاً)، وهي مؤشرات فنية تدل على أن هذه الأسهم تمر بـ «موجة دافعة» قوية.
السوق الموازي «نمو»: حاضنة الشركات الناشئة
لم يبتعد مؤشر السوق الموازي «نمو» عن المسار الإيجابي، حيث أغلق مرتفعاً بنسبة 0.14 % عند مستوى 22964.59 نقطة. وتبرز أهمية سوق «نمو» كمنصة حيوية للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تسعى للحصول على تمويل عبر الاكتتاب، مما يوفر للمستثمرين فرصاً لتنويع محافظهم بعيداً عن الشركات التقليدية الكبرى في السوق الرئيسي.
طفرة التمويل الإسلامي
بالانتقال من أداء الشاشات اللحظي إلى الهيكل المالي الكلي للمملكة، سجل قطاع التمويل الإسلامي قفزة تاريخية غير مسبوقة بنهاية الربع الرابع من عام 2025. فقد وصلت إجمالي قيمة عقود التمويل المتوافقة مع الشريعة إلى 2.726 تريليون ريال، بنمو سنوي قدره 10.3 %.
يعكس تنوع أدوات التمويل الإسلامي نضج النظام المصرفي السعودي وقدرته على ابتكار حلول تلبي احتياجات الأفراد والشركات:
1 – تمويل المرابحة: لا يزال يسيطر على الحصة الأكبر بنسبة 50.36 % وبقيمة 1.373 تريليون ريال. هذا النوع من التمويل يفضل للشركات والمشاريع الإنشائية لسهولة هيكلته ووضوح هوامش الربح فيه.
2 – تمويل التورق: سجل أسرع وتيرة نمو بنسبة 12.4 % ليصل إلى 1.066 تريليون ريال. يعزى هذا النمو إلى الطلب المرتفع على السيولة النقدية من قبل الأفراد والمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
3 – الإيجار التمويلي: استقر عند 248.36 مليار ريال، وهو المحرك الأساسي لقطاع العقارات والسيارات والمعدات الثقيلة.
دلالات النمو التصاعدي منذ 2018
إذا نظرنا إلى الخلف قليلاً، سنجد أن حجم التمويل الإسلامي في عام 2018 كان يقارب 1.146 تريليون ريال. القفز إلى 2.726 تريليون ريال في عام 2025 يعني أن القطاع تضاعف بأكثر من مرتين في غضون سبع سنوات فقط. هذا النمو ليس مجرد أرقام، بل هو دليل على:
● تعميق القطاع المالي: نجاح برنامج تطوير القطاع المالي ضمن رؤية 2030.
● الثقة المؤسسية: زيادة رغبة البنوك في الإقراض وتوسع القاعدة الائتمانية.
● التوافق الشرعي: الميزة التنافسية للمملكة كمركز عالمي للاقتصاد الإسلامي.
استراتيجيات الاستثمار
وآفاق المستقبل
إن الارتفاع الحالي في سوق الأسهم، مدعوماً بقاعدة تمويلية صلبة، يفتح آفاقاً واعدة لعام 2026. ومع ذلك، يجب على المستثمر «الحصيف» أن يوازن بين التفاؤل والحذر. فالاستقرار الحالي يعتمد بشكل كبير على استمرارية الإنفاق الحكومي الرأسمالي، وقدرة الشركات على الحفاظ على هوامش ربحية في ظل مستويات تضخم عالمية متغيرة.
اقتصاد سعودي يغرد
خارج سرب الأزمات
في الختام، يثبت أداء سوق الأسهم السعودية وتوسع التمويل الإسلامي أن المملكة تسير بخطى واثقة نحو بناء اقتصاد متنوع ومستدام. الارتفاع بنسبة 0.52 % في جلسة واحدة قد يبدو رقماً بسيطاً، لكنه في سياقه الأوسع يمثل لبنة جديدة في جدار الاستقرار المالي السعودي. إن السيولة المليارية والنمو الائتماني الملياري هما المحركان اللذان سيقودان «تاسي» نحو مستويات جديدة فوق حاجز الـ 11500 نقطة في المدى المنظور، شريطة استقرار العوامل الخارجية.
وعلى المستثمرين دائماً أن يتذكروا أن السوق المالية هي «مرآة للاقتصاد»، وبما أن الاقتصاد السعودي يمر بمرحلة تحول تاريخية كبرى، فإن الفرص ستظل متاحة لمن يملك الرؤية الطويلة والقدرة على قراءة ما بين سطور الأرقام والبيانات الصادرة عن الجهات التنظيمية والمالية في المملكة.