تباين الأسواق المشفرة وسط ترقب بيانات التضخم
شهدت أداء العملات المشفرة تبايناً ملحوظاً خلال تعاملات يوم الثلاثاء، في ظل حالة من الحذر التي تخيم على أروقة الأسواق المالية العالمية. ويأتي هذا الأداء المتذبذب مع استمرار الشكوك حول قدرة الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران على التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع القائم ويفتح الشريان الملاحي الحساس في مضيق هرمز، بالتوازي مع حالة الترقب الشديدة التي تسيطر على المستثمرين انتظاراً لصدور بيانات التضخم الأمريكية المقرر إعلانها غداً الأربعاء، والتي ستحدد بشكل كبير اتجاه السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الاتحادي.
وحافظت عملة البيتكوين على التحرك في نطاق عرضي حول مستويات 64,000 إلى 65,000 دولار، بعد محاولات السيطرة على حركة الأسعار نتيجة لتعارض العوامل المحركة للسوق؛ حيث تتداخل قوة التدفقات المؤسسية مع ضغوط تحركات السياسة النقدية وتصاعد حدة المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. في تحرك أثار اهتمام المتابعين لأسواق الأصول الرقمية، أعلنت شركة «استراتيجيات»، التي تُعد أكبر حائز مؤسسي في العالم لعملة البيتكوين، أنها باعت ما قيمته 108.6 مليون دولار من البيتكوين خلال الأيام السبعة المنتهية في التاسع من أغسطس الجاري. وأوضحت الشركة أن هذه الخطوة جاءت بهدف تعزيز احتياطياتها النقدية وتلبية بعض الالتزامات التشغيلية، ممّا أحدث ضغوطاً بيعية مؤقتة على تحركات الأسعار.
ورغم أن عمليات البيع المؤسسية تثير عادة مخاوف قصيرة الأجل بين المتعاملين، إلا أن المحللين يرى أن هذه الخطوة تعكس إدارة استراتيجية للسيولة في ظل تقلبات الأسواق، وليست تحولاً جذرياً في النظرة المستقبلية طويلة الأجل للأصول المشفرة.
وتأتي هذه التطورات لتسلط الضوء على الحجم الضخم لحيازات المؤسسات وتأثير أي قرارات لإعادة هيكلة محافظها على التوازنات السعرية اليومية للعملات الرقمية الكبرى.
وفي المقابل، استمرت صناديق الاستثمار المتداولة للبيتكوين (ETFs) في الولايات المتحدة في إرسال إشارات إيجابية قوية حول شهية الاستثمار المؤسسي؛ حيث سجلت أعلى تدفقات نقدية أسبوعية لها منذ شهر أبريل الماضي، جاذبةً أكثر من 850 مليون دولار خلال الأسبوع المنصرم.
ويرى خبراء السوق أن هذه التدفقات القياسية تمثل خط الدفاع الأساسي الذي منع الأسعار من التعرض لانتكاسة حادة عقب مبيعات «استراتيجيات»، مما يؤكد أن المستثمرين على المدى الطويل يستغلون فترات التراجع لتجميع المزيد من الحصص.
ويؤكد التوازن بين التدفقات الوافدة لصناديق الاستثمار والمبيعات الفردية للمؤسسات وجود حالة من الانقسام حول تقييم المخاطر الحالية، لكنه يعكس في الوقت ذاته اتساع قاعدة المستثمرين المعتمدين على البيتكوين كأداة مالية رئيسية.
تبقى الأسواق الرقمية مشدودة نحو المحركات الاقتصادية والسياسية الكبرى؛ حيث يُشكل تقرير أسعار المستهلكين الأمريكيين حجر الزاوية لتوقعات أسعار الفائدة. ويُخشى أن تؤدي أي قراءة أعلى من المتوقع إلى تعزيز مخاوف استمرار تشديد السياسة النقدية، ممّا يضغط سلبياً على الأصول عالية المخاطر وفي مقدمتها العملات المشفرة.
وعلى الجانب الجيوسياسي، فإن استمرار عدم اليقين بشأن الاتفاق الأمريكي الإيراني ومستقبل الملاحة في مضيق هرمز يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، وهو ما يعزز المخاوف التضخمية عالمياً ويقلل من شهية المخاطرة لدى المتعاملين.
ويقف سوق العملات الرقمية عند مفترق طرق حاسم؛ إذ إن أي انفراجة دبلوماسية أو صدور بيانات تضخم منخفضة قد يمنح البيتكوين الزخم اللازم لاختراق مستويات المقاومة الرئيسية والتداول نحو قمم جديدة، بينما استمرار الانسداد السياسي والتضخم المرتفع قد يدفع الأسعار إلى جولة أخرى من اختبار مستويات الدعم.