جيل زد يقلب معادلة الثروة.. من الادخار إلى المخاطرة
في عالمٍ تتغير فيه القواعد الاقتصادية بوتيرة متسارعة، لم يعد المسار التقليدي لبناء الثروة صالحاً لجيل جديد يواجه واقعاً مختلفاً جذرياً. تشير البيانات إلى أن خريجي الجامعات يدخلون سوق العمل مثقلين بديون تصل في المتوسط إلى نحو 94 ألف دولار، ما يضعهم في نقطة انطلاق أضعف مقارنة بالأجيال السابقة . هذا العبء المالي لا يأتي منفصلًا عن تحولات أعمق في سوق الإسكان، حيث ارتفعت أسعار المنازل إلى مستويات جعلت امتلاكها بعيد المنال، بعدما كانت تعادل 3.2 أضعاف دخل الأسرة في 1990 وأصبحت اليوم تصل إلى خمسة أضعاف أو أكثر .
في موازاة ذلك، لم تشهد الأجور الحقيقية تحسناً يُذكر، إذ بقيت شبه ثابتة بعد احتساب التضخم، ما يخلق فجوة متزايدة بين الدخل وتكاليف المعيشة. ومع ارتفاع معـدلات البطالة بين الشبـاب إلى نحـو 8.3 %، إضافة إلى عمل نصف الخريجين تقريباً في وظائف لا تناسب مؤهلاتهم، يتراجع الإيمان بجدوى المسار التقليدي الذي يقوم على التعليم والعمل ثم الادخار .
سلوك مالي مختلف
أمام هذا الواقع، بدأ جيل زد في تبني سلوك مالي مختلف، يعتمد بشكل متزايد على الاستثمارات عالية المخاطر. فقد أظهرت الأرقام أن 42 % من مستثمري هذا الجيل يمتلكون أصولًا رقمية، وهو ما يفوق بكثير نسبة من يمتلكون حسابات تقاعد تقليدية . كما أن نسبة ملحوظة من الشباب تعتمد بشكل كامل على العملات المشفرة، في حين تشهد أسواق التنبؤ والمراهنات نمواً متسارعاً، مدفوعاً بإقبال هذا الجيل.
هذا التحول لا يعكس مجرد نزعة للمخاطرة، بل يرتبط بما يُعرف بـ«العدمية المالية»، وهي حالة من فقدان الثقة في قدرة النظام الاقتصادي على مكافأة السلوك التقليدي. عندما يصبح امتلاك منزل هدفاً شبه مستحيل، وعندما لا يؤدي الادخار إلى تحقيق الاستقرار، فإن المخاطرة تتحول إلى خيار عقلاني، وليس تهوراً.
امتلاك الأصول الكبرى
دراسات حديثة تؤكد أن الأفراد الذين يفقدون الأمل في امتلاك الأصول الكبرى، مثل العقارات، يميلون إلى زيادة الاستهلاك والتوجه نحو استثمارات أكثر خطورة. هذا السلوك يعكس إعادة تقييم للفرص، حيث يتم استبدال المسار التقليدي بمسارات بديلة قد توفر عوائد أعلى، وإن كانت محفوفة بالمخاطر.
لكن تأثير هذا التحول لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى بنية الاقتصاد ككل. فجيل زد مرشح ليصبح أكبر شريحة سكانية عالمياً خلال العقد المقبل، مع توقعات بارتفاع دخله الإجمالي من 9 تريليونات دولار إلى 74 تريليون دولار بحلول 2040 . هذا يعني أن سلوك هذا الجيل سيؤثر بشكل مباشر على فعالية السياسات الاقتصادية، خاصة في ظل تراجع ارتباطه بالأدوات التقليدية مثل القروض العقارية والاستثمارات الكلاسيكية.
السياسات النقدية التقليدية
في هذا السياق، تفقد السياسات النقدية التقليدية جزءاً من فعاليتها، إذ إن تغيير أسعار الفائدة لن يؤثر كثيراً على أفراد لا يمتلكون رهونات عقارية أو استثمارات مرتبطة بها. وهذا يفرض تحديات جديدة على صناع القرار، الذين اعتادوا الاعتماد على نماذج اقتصادية لم تعد تعكس الواقع.
من جهة أخرى، يُطرح مفهوم «التحول الكبير للثروة» كعامل قد يعيد التوازن، مع توقع انتقال ما بين 68 و84 تريليون دولار من جيل إلى آخر خلال العقود المقبلة . إلا أن هذا التحول لن يكون متكافئًا، إذ تشير التقديرات إلى أن أغنى 10 % من الأسر سيحصلون على أكثر من نصف هذه التحويلات، بينما سيحصل النصف الأدنى على نسبة ضئيلة فقط.
هذا التفاوت يعمّق الانقسام داخل جيل زد نفسه، حيث تتمكن فئة محدودة من الاستفادة من الدعم العائلي لتكوين ثروة، بينما تبقى الأغلبية خارج هذه الدائرة. ومع ارتفاع أسعار الأصول نتيجة تدفق الأموال، تزداد صعوبة دخول السوق أمام من لا يملكون هذا الدعم.
الخلفية العائلية والتوقيت
في النهاية، يتحول النجاح المالي إلى ما يشبه اللعبة، حيث يعتمد على عوامل مثل الخلفية العائلية والتوقيت، أكثر من اعتماده على الجهد الفردي. وفي ظل غياب مسارات واضحة لبناء الثروة، تصبح المخاطرة خياراً منطقيًا لجيل يحاول التكيف مع واقع اقتصادي لم يُصمم له.
هذا الواقع يفرض ضرورة إعادة النظر في السياسات الاقتصادية، ليس فقط من خلال التثقيف المالي، بل عبر إصلاحات هيكلية تعالج جذور المشكلة، وتعيد بناء الثقة في النظـام الاقتصادي، قبل أن تتحول «المقامرة المالية» إلى القاعدة الجديدة.