تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوكمة‭ ‬الشركات‮…‬‭ ‬ركيزة‭ ‬كفاءة‭ ‬الأسواق‭ ‬وحماية‭ ‬المستثمرين

XXXX…1334

لم‭ ‬تعد‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬التنظيمية‭ ‬التي‭ ‬تضبط‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬والمساهمين،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المؤشرات‭ ‬التي‭ ‬تقيس‭ ‬جودة‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬ومدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استقطاب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتحقيق‭ ‬النمو‭ ‬المستدام‭. ‬فمع‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬للأسواق‭ ‬المالية‭ ‬وتزايد‭ ‬حجم‭ ‬الشركات‭ ‬وتشعب‭ ‬أنشطتها،‭ ‬برزت‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أطر‭ ‬مؤسسية‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬تضمن‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬والمساءلة،‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬والمخاطر‭ ‬المرتبطة‭ ‬بضعف‭ ‬الرقابة‭.‬
أثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬الشركات‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬فقط‭ ‬على‭ ‬نتائجها‭ ‬المالية‭ ‬أو‭ ‬حجم‭ ‬أصولها،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬أنظمة‭ ‬الحوكمة‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬أعمالها‭ ‬وتحفظ‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح‭. ‬ولذلك‭ ‬اتجهت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬تشريعاتها‭ ‬بصورة‭ ‬دورية،‭ ‬وتطوير‭ ‬قواعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬بما‭ ‬يتلاءم‭ ‬مع‭ ‬المتغيرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الأسواق،‭ ‬لتصبح‭ ‬الحوكمة‭ ‬أحد‭ ‬المرتكزات‭ ‬الأساسية‭ ‬لبناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬والمستثمرين،‭ ‬ووسيلة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الاستدامة‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬المؤسسي‭.‬

ألمانيا‮…‬‭ ‬إصلاحات‭ ‬كبيرة

شهدت‭ ‬ألمانيا‭ ‬تحولاً‭ ‬مهماً‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬عقب‭ ‬تعرض‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬لأزمات‭ ‬مالية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬انهيار‭ ‬شركات‭ ‬أخرى،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬نقاشاً‭ ‬واسعاً‭ ‬حول‭ ‬كفاءة‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬للشركات،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬تداعيات‭ ‬إطلاق‭ ‬العملة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الموحدة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الأسهم‭ ‬منخفضة‭ ‬القيمة‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬فرانكفورت‭.‬
واستجابة‭ ‬لهذه‭ ‬التطورات،‭ ‬تبنت‭ ‬الحكومة‭ ‬الألمانية‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التشريعية،‭ ‬كان‭ ‬أبرزها‭ ‬مشروع‭ ‬KonTraG‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬أسساً‭ ‬جديدة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الرقابة‭ ‬المؤسسية‭ ‬داخل‭ ‬الشركات،‭ ‬حيث‭ ‬تضمن‭ ‬السماح‭ ‬للشركات‭ ‬بإعادة‭ ‬شراء‭ ‬أسهمها‭ ‬ضمن‭ ‬ضوابط‭ ‬محددة،‭ ‬وإلغاء‭ ‬الأسهم‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬حقوق‭ ‬تصويت‭ ‬متعددة،‭ ‬ومنح‭ ‬المجلس‭ ‬الإشرافي‭ ‬صلاحية‭ ‬تعيين‭ ‬المراجع‭ ‬الخارجي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬نفوذ‭ ‬البنوك‭ ‬في‭ ‬التصويت‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬المساهمين‭ ‬عندما‭ ‬تتجاوز‭ ‬الأسهم‭ ‬المفوضة‭ ‬لها‭ ‬نسبة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬رأس‭ ‬المال‭.‬
كما‭ ‬أعاد‭ ‬المشروع‭ ‬تنظيم‭ ‬قواعد‭ ‬عمل‭ ‬المجلس‭ ‬الإشرافي‭ ‬ووضع‭ ‬ضوابط‭ ‬أوضح‭ ‬لمشاركة‭ ‬أعضائه‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬إدارات‭ ‬شركات‭ ‬أخرى،‭ ‬بما‭ ‬عزز‭ ‬استقلالية‭ ‬الرقابة‭ ‬ورفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬المؤسسية‭.‬
واستمرت‭ ‬عملية‭ ‬تطوير‭ ‬الإطار‭ ‬التنظيمي‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬اللاحقة،‭ ‬إذ‭ ‬شهد‭ ‬عام‭ ‬2012‭ ‬تعديلات‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬استقلالية‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬والفصل‭ ‬بين‭ ‬رئاسة‭ ‬المجلس‭ ‬الإشرافي‭ ‬ورئاسة‭ ‬لجنة‭ ‬المراجعة،‭ ‬وربط‭ ‬مكافآت‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بالأداء‭ ‬الفعلي‭ ‬للشركة‭. ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬تحديث‭ ‬المدونة‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2015،‭ ‬ورغم‭ ‬استمرار‭ ‬طابعها‭ ‬الاختياري،‭ ‬فإن‭ ‬بورصة‭ ‬ألمانيا‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬الإدراج‭ ‬الالتزام‭ ‬بمتطلبات‭ ‬إفصاح‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة،‭ ‬وإعداد‭ ‬القوائم‭ ‬المالية‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬المحاسبية‭ ‬الدولية،‭ ‬وإصدار‭ ‬تقارير‭ ‬مالية‭ ‬ربع‭ ‬سنوية‭ ‬تتضمن‭ ‬الإفصاحات‭ ‬اللازمة‭. ‬كما‭ ‬منحت‭ ‬البورصة‭ ‬صلاحية‭ ‬فرض‭ ‬عقوبات‭ ‬على‭ ‬الشركات‭ ‬المخالفة‭ ‬قد‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬شطبها‭ ‬من‭ ‬الإدراج،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬عززت‭ ‬الانضباط‭ ‬والشفافية‭ ‬داخل‭ ‬سوق‭ ‬المال‭ ‬الألماني‭.‬

محطة‭ ‬مفصلية
واصلت‭ ‬ألمانيا‭ ‬تطوير‭ ‬منظومة‭ ‬الحوكمة‭ ‬بإطلاق‭ ‬‮«‬مبادرة‭ ‬برلين‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬قانون‭ ‬الحوكمة‭ ‬الألماني‭ ‬متضمناً‭ ‬مبادئ‭ ‬تنظم‭ ‬عمل‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬والمجالس‭ ‬الإشرافية،‭ ‬وتحمي‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين،‭ ‬وتعزز‭ ‬الإفصاح‭ ‬والشفافية،‭ ‬وتطور‭ ‬منظومة‭ ‬المراجعة‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭.‬
ورغم‭ ‬أن‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬بقي‭ ‬اختيارياً،‭ ‬فإن‭ ‬الشركات‭ ‬أصبحت‭ ‬ملزمة‭ ‬بالإفصاح‭ ‬في‭ ‬تقاريرها‭ ‬السنوية‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬التزامها‭ ‬بالتوصيات،‭ ‬مع‭ ‬توضيح‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬تطبيق‭ ‬أي‭ ‬منها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬رسخ‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الالتزام‭ ‬أو‭ ‬التفسير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬أصبح‭ ‬لاحقاً‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسس‭ ‬الحوكمة‭ ‬الحديثة‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2003‭ ‬ركزت‭ ‬التعديلات‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬لجان‭ ‬متخصصة‭ ‬داخل‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬مثل‭ ‬لجنة‭ ‬المراجعة‭ ‬ولجنة‭ ‬الترشيحات،‭ ‬مع‭ ‬تعزيز‭ ‬استقلالية‭ ‬المراجع‭ ‬الخارجي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تشهد‭ ‬المدونة‭ ‬تحديثات‭ ‬إضافية‭ ‬في‭ ‬عامي‭ ‬2012‭ ‬و2015‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬استقلالية‭ ‬أعضاء‭ ‬المجالس،‭ ‬وربط‭ ‬المكافآت‭ ‬بالأداء،‭ ‬وتشديد‭ ‬متطلبات‭ ‬الإفصاح‭ ‬وإعداد‭ ‬القوائم‭ ‬المالية‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية،‭ ‬مع‭ ‬منح‭ ‬بورصة‭ ‬ألمانيا‭ ‬صلاحيات‭ ‬رقابية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬شطب‭ ‬الشركات‭ ‬المخالفة‭.‬

اليابان‮…‬‭ ‬إصلاح‭ ‬تدريجي

بدأت‭ ‬اليابان‭ ‬خطواتها‭ ‬العملية‭ ‬نحو‭ ‬ترسيخ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬عندما‭ ‬أطلق‭ ‬منتدى‭ ‬الحوكمة‭ ‬الياباني‭ ‬أول‭ ‬مجموعة‭ ‬متكاملة‭ ‬من‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬عام‭ ‬1998‭ ‬بهدف‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬وتعزيز‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬للشركات‭ ‬اليابانية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬أعاد‭ ‬المنتدى‭ ‬مراجعة‭ ‬تلك‭ ‬المبادئ‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬برنامج‭ ‬إصلاحي‭ ‬تضمن‭ ‬مرحلتين؛‭ ‬الأولى‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬إصلاحات‭ ‬قصيرة‭ ‬الأجل،‭ ‬والثانية‭ ‬استهدفت‭ ‬إعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬منظومة‭ ‬الحوكمة‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭.‬
وشملت‭ ‬الإصلاحات‭ ‬العاجلة‭ ‬تسريع‭ ‬تطبيق‭ ‬معايير‭ ‬المحاسبة‭ ‬الدولية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬حضور‭ ‬الأعضاء‭ ‬المستقلين‭ ‬غير‭ ‬التنفيذيين‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬وتحديد‭ ‬صلاحيات‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬ومجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بصورة‭ ‬أوضح،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تعزيز‭ ‬استقلالية‭ ‬المراجعين‭ ‬الخارجيين،‭ ‬وتوسيع‭ ‬قنوات‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬المساهمين‭ ‬خلال‭ ‬الجمعيات‭ ‬العمومية‭.‬

الإصلاح‭ ‬الياباني

أما‭ ‬الإصلاحات‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى،‭ ‬فقد‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬هيكل‭ ‬الإدارة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جعل‭ ‬غالبية‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬من‭ ‬المستقلين‭ ‬غير‭ ‬التنفيذيين،‭ ‬وإنشاء‭ ‬لجان‭ ‬متخصصة‭ ‬للمراجعة‭ ‬والترشيحات‭ ‬والمكافآت‭ ‬تضم‭ ‬أغلبية‭ ‬مستقلة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬منصب‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والرئيس‭ ‬التنفيذي‭.‬
كما‭ ‬عملت‭ ‬بورصة‭ ‬طوكيو‭ ‬على‭ ‬إعداد‭ ‬دليل‭ ‬للممارسات‭ ‬المثلى‭ ‬في‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬ليكون‭ ‬مرجعاً‭ ‬للشركات‭ ‬اليابانية،‭ ‬بما‭ ‬ينسجم‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ ‬التجاري‭ ‬الياباني‭ ‬ويتوافق‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مع‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬الدولية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬التطوير‭ ‬المستمر‭ ‬لمنظومة‭ ‬الإدارة‭ ‬المؤسسية‭.‬

التجارب‭ ‬الخليجية

بعد‭ ‬النجاحات‭ ‬التي‭ ‬حققتها‭ ‬الدول‭ ‬الصناعية‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الحوكمة،‭ ‬اتجهت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬ودول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬إلى‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬مع‭ ‬مواءمتها‭ ‬لخصوصية‭ ‬أنظمتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتشريعية‭.‬
وقد‭ ‬ساعد‭ ‬هذا‭ ‬التوجه‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬لأسواق‭ ‬المال،‭ ‬وتعزيز‭ ‬مستويات‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح،‭ ‬وتحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة،‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬حماية‭ ‬المستثمرين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬بما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬بيئات‭ ‬أعمال‭ ‬أكثر‭ ‬استقراراً‭ ‬وجاذبية‭ ‬للاستثمار‭.‬

سلطنة‭ ‬عُمان

تعد‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التجارب‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬بعدما‭ ‬عملت‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬إطار‭ ‬مؤسسي‭ ‬متكامل‭ ‬يعزز‭ ‬الشفافية‭ ‬والرقابة‭ ‬الرشيدة،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إنشاء‭ ‬لجنة‭ ‬متخصصة‭ ‬للإشراف‭ ‬على‭ ‬تطبيق‭ ‬الحوكمة،‭ ‬وإصدار‭ ‬تشريعات‭ ‬وتنظيمات‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الإدارة‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭.‬
وشكل‭ ‬إصدار‭ ‬مدونة‭ ‬الحوكمة‭ ‬العمانية‭ ‬عام‭ ‬2002‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬مهمة،‭ ‬حيث‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الإفصاح‭ ‬المالي،‭ ‬والتزام‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭ ‬بإصدار‭ ‬تقاريرها‭ ‬المالية‭ ‬السنوية‭ ‬والربع‭ ‬سنوية‭ ‬في‭ ‬المواعيد‭ ‬المحددة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تضمين‭ ‬تقاريرها‭ ‬السنوية‭ ‬إفصاحات‭ ‬توضح‭ ‬مدى‭ ‬الالتزام‭ ‬بمبادئ‭ ‬الحوكمة‭.‬
كما‭ ‬دعمت‭ ‬المدونة‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬صلاحيات‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬وزادت‭ ‬نسبة‭ ‬الأعضاء‭ ‬المستقلين،‭ ‬ورسخت‭ ‬دور‭ ‬لجان‭ ‬المراجعة،‭ ‬ونظمت‭ ‬التعاملات‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة،‭ ‬بما‭ ‬رفع‭ ‬مستوى‭ ‬الرقابة‭ ‬والشفافية‭ ‬داخل‭ ‬الشركات‭.‬

السعودية‮…‬‭ ‬تطوير‭ ‬متواصل

تعد‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬التي‭ ‬أولت‭ ‬اهتماماً‭ ‬كبيراً‭ ‬بتطوير‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬انطلاقاً‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية،‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2014‭ ‬أصدرت‭ ‬وزارة‭ ‬التجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬دليلاً‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬وميثاقاً‭ ‬استرشادياً‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬العمل‭ ‬المؤسسي،‭ ‬ومعالجة‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬استمرارية‭ ‬الشركات‭ ‬ونموها،‭ ‬استناداً‭ ‬إلى‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬العالمية‭.‬
وأكد‭ ‬الدليل‭ ‬أهمية‭ ‬الحوكمة‭ ‬ودورها‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬وتحسين‭ ‬أساليب‭ ‬إدارتها‭ ‬وتعظيم‭ ‬عوائدها،‭ ‬موضحاً‭ ‬أن‭ ‬الحوكمة‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬داخل‭ ‬الشركة،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الإطار‭ ‬الخارجي‭ ‬المرتبط‭ ‬بالعملاء‭ ‬والجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬والبيئة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التي‭ ‬تمارس‭ ‬الشركة‭ ‬نشاطها‭ ‬ضمنها‭.‬
وعلى‭ ‬صعيد‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة،‭ ‬كانت‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬ثاني‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬بعد‭ ‬سلطنة‭ ‬عمان‭ ‬تتبنى‭ ‬أنظمة‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭. ‬وتولت‭ ‬هيئة‭ ‬السوق‭ ‬المالية‭ ‬مسؤولية‭ ‬تطوير‭ ‬هذه‭ ‬المنظومة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إصدار‭ ‬اللوائح‭ ‬وتحديثها‭ ‬بما‭ ‬يواكب‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬العالمية،‭ ‬بهدف‭ ‬تعزيز‭ ‬حماية‭ ‬المستثمرين،‭ ‬وبخاصة‭ ‬مساهمي‭ ‬الأقلية،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توفير‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬يساعدهم‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬حقوقهم‭ ‬والتصدي‭ ‬لأي‭ ‬ممارسات‭ ‬غير‭ ‬عادلة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬المساهمين‭ ‬المسيطرين‭.‬
واستمرت‭ ‬عملية‭ ‬التطوير‭ ‬في‭ ‬الأعوام‭ ‬التالية،‭ ‬حيث‭ ‬أضيفت‭ ‬أحكام‭ ‬تفصيلية‭ ‬عام‭ ‬2016‭ ‬لتنظيم‭ ‬تشكيل‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬ولجانها‭ ‬واختصاصاتها،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬قواعد‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬ومدققي‭ ‬الحسابات،‭ ‬ثم‭ ‬شهدت‭ ‬الأعوام‭ ‬اللاحقة‭ ‬تحديثات‭ ‬ركزت‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬أصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الإفصاح،‭ ‬وإلزام‭ ‬أعضاء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬بالإفصاح‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬المباشرة‭ ‬وغير‭ ‬المباشرة،‭ ‬قبل‭ ‬تحديث‭ ‬تعريف‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2020‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬أفضل‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭.‬

الكويت‭.. ‬من‭ ‬الإلزام‭ ‬إلى‭ ‬المرونة

بدأت‭ ‬الكويت‭ ‬مسيرتها‭ ‬في‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬مع‭ ‬إقرار‭ ‬قانون‭ ‬هيئة‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬عام‭ ‬2010،‭ ‬ثم‭ ‬إصدار‭ ‬أول‭ ‬قواعد‭ ‬للحوكمة‭ ‬عام‭ ‬2013‭ ‬وفق‭ ‬نهج‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الإلزام‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التطبيق‭ ‬العملي‭ ‬أظهر‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬المنهج‭ ‬التنظيمي‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬مع‭ ‬مستوى‭ ‬جاهزية‭ ‬الشركات‭ ‬وثقافة‭ ‬الحوكمة‭ ‬لديها‭.‬
وفي‭ ‬عام‭ ‬2015‭ ‬أصدرت‭ ‬هيئة‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬اللائحة‭ ‬التنفيذية‭ ‬الجديدة‭ ‬للقانون‭ ‬رقم‭ (‬7‭) ‬لسنة‭ ‬2010،‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬قواعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬الواردة‭ ‬فيها‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬يونيو‭ ‬2016،‭ ‬متبنية‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الالتزام‭ ‬أو‭ ‬التفسير‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬إلزام‭ ‬الشركات‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬الأساسية،‭ ‬والسماح‭ ‬بعدم‭ ‬تطبيق‭ ‬بعض‭ ‬القواعد‭ ‬الأخرى‭ ‬شريطة‭ ‬تقديم‭ ‬مبررات‭ ‬واضحة‭.‬
وفرضت‭ ‬الهيئة‭ ‬الإلزام‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬الرئيسية،‭ ‬مثل‭ ‬استقلالية‭ ‬أعضاء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة،‭ ‬ونزاهة‭ ‬التقارير‭ ‬المالية،‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬والرقابة‭ ‬الداخلية،‭ ‬والإفصاح،‭ ‬والشفافية،‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أبقت‭ ‬بعض‭ ‬الجوانب‭ ‬الأخرى‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬المرونة‭ ‬التنظيمية،‭ ‬مثل‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤوليات،‭ ‬وكفاءة‭ ‬أعضاء‭ ‬المجالس‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬والسلوك‭ ‬المهني،‭ ‬ودور‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة،‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭.‬
كما‭ ‬تعززت‭ ‬منظومة‭ ‬الحوكمة‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬قانون‭ ‬الشركات‭ ‬رقم‭ (‬1‭) ‬لسنة‭ ‬2016‭ ‬وتعديلاته،‭ ‬الذي‭ ‬وضع‭ ‬أسساً‭ ‬تنظيمية‭ ‬لتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬الإدارة‭ ‬والمساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تحديد‭ ‬الضوابط‭ ‬الخاصة‭ ‬بأعضاء‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬المستقلين،‭ ‬فيما‭ ‬واصلت‭ ‬هيئة‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬وبنك‭ ‬الكويت‭ ‬المركزي‭ ‬تحديث‭ ‬اللوائح‭ ‬والقواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للشركات‭ ‬الخاضعة‭ ‬لرقابتهما‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬الانضباط‭ ‬المؤسسي‭ ‬والشفافية‭.‬

رجوع لأعلى