ديون الكبار تضع الأسواق أمام اختبار السداد
تخيل أنك تترأس لجنة الائتمان في أحد البنوك وأمامك ثلاثة مقترضين؛ الأول رائد أعمال ناجح انزلق إلى إنفاق جامح ويحتاج باستمرار إلى سيولة جديدة، والثاني رجل أعمال مسن ومرموق تراكمت عليه الديون لكنه يمتلك أصولاً ضخمة، أما الثالث فأرستقراطي يعيش في قصر فخم تثقل كاهله الالتزامات بينما تتضاءل قدرته على تحقيق دخل جديد.
هذه الصورة الافتراضية تلخص إلى حد بعيد الخيارات التي يواجهها المستثمرون عند تقييم الأوضاع المالية للولايات المتحدة واليابان وأوروبا. فجميعها اقتصادات ثرية ومقترضون كبار، لكنها دخلت مرحلة باتت فيها الأسواق تسأل بجدية أكبر عن استدامة الدين وقدرة الحكومات على الوفاء بالتزاماتها.
وتزداد أهمية السؤال مع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل، بعدما تجاوزت عوائد السندات لأجل 30 عاماً مستوى 4 % في اليابان و5 % في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، لتصبح خدمة الدين عبئاً متزايداً على الموازنات العامة.
خيار أميركي
تأتي الولايات المتحدة في مقدمة الحالات المثيرة للقلق، إذ يبلغ صافي الدين العام نحو 99 % من الناتج المحلي الإجمالي وفق بيانات صندوق النقد الدولي، وسط توقعات بمواصلة ارتفاعه مع استمرار العجز المالي الكبير.
ويقترب العجز من 6 % من الناتج، رغم أن الاقتصاد الأميركي لا يمر بظروف ركود تستدعي مثل هذا التوسع المالي. وتكمن المشكلة في أن واشنطن اختارت مراراً خفض الضرائب من دون إجراء تخفيضات موازية في الإنفاق، لتتحول الفجوة بين الإيرادات والمصروفات إلى مشكلة مزمنة.
لكن الولايات المتحدة تمتلك نقاط قوة لا تتوافر بالقدر نفسه لدى معظم منافسيها، وفي مقدمتها اقتصاد سريع النمو نسبياً، وأسواق مالية عميقة، والدور المحوري للدولار، إلى جانب الطلب العالمي الكبير على سندات الخزانة.
ويمنح النمو واشنطن فرصة لزيادة الإيرادات مع توسع الاقتصاد حتى دون زيادات ضريبية كبيرة، فيما تجعل المكانة الاستثنائية للسندات الأميركية تمويل العجز أكثر سهولة مقارنة بدول أخرى.
معضلة يابانية
اليابان تمثل نموذجاً مختلفاً. فالدين الحكومي الياباني ظل لسنوات حالة استثنائية بين الاقتصادات الكبرى، لكن الفجوة بينها وبين دول غنية أخرى تقلصت نسبياً عند قياس صافي المديونية.
ويتوقع صندوق النقد الدولي وصول صافي الدين إلى نحو 134 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال 2026، وهو مستوى مرتفع للغاية، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الرقم، بل في التركيبة السكانية للبلاد.
فالمجتمع الياباني يتقدم سريعاً في العمر، ما يؤدي إلى ارتفاع الإنفاق على الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد، بالتزامن مع تقلص عدد السكان في سن العمل الذين يتحملون عملياً تكلفة تمويل هذه الالتزامات.
ومع مرور الوقت، تصبح المعضلة أكثر صعوبة لأن الحكومة تحتاج إلى موارد أكبر لخدمة مجتمع مسن، بينما تتراجع قاعدة القوى العاملة التي تولد الضرائب والنمو.
فرصة التضخم
رغم ذلك، تمتلك طوكيو نافذة مهمة لتحسين أوضاعها. فعودة التضخم تساعد على خفض القيمة الحقيقية للديون التي تراكم جزء كبير منها خلال سنوات كانت فيها أسعار الفائدة قريبة من الصفر.
غير أن استمرار الإنفاق بالعجز قد يبدد هذه الفرصة، خصوصاً إذا تحولت الزيادات في المصروفات إلى سياسة دائمة في وقت تحتاج فيه المالية العامة إلى إعادة ضبط تدريجية.
وتظل إحدى أبرز نقاط القوة اليابانية امتلاك القطاع الخاص مدخرات وأصولاً ضخمة، فضلاً عن مكانة البلاد كدائن رئيسي لبقية العالم. ولذلك فإن الحكومة، رغم ثقل مديونيتها، تعمل داخل اقتصاد يمتلك ثروة مالية كبيرة.
وهذا يقلل اعتماد اليابان على التمويل الخارجي ويجعل وضعها مختلفاً عن دولة مرتفعة الدين ولا تمتلك مدخرات محلية أو أصولاً قادرة على امتصاص الصدمات.
مأزق أوروبي
تبدو الصورة أكثر تعقيداً في عدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى. فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي لشهر أكتوبر 2025، يبلغ صافي الدين الفرنسي نحو 108 % من الناتج، بينما يصل في إيطاليا إلى 128 %، ويتجاوز في المملكة المتحدة 94 % بقليل.
ولا تكمن المشكلة في حجم المديونية فقط، بل في استمرار العجز منذ الجائحة بالتزامن مع ضعف النمو وارتفاع الأعباء الضريبية واتساع التزامات دول الرفاه الاجتماعي.
لقد قدمت حكومات أوروبية على مدى عقود وعوداً واسعة بشأن التقاعد والصحة والمساعدات والخدمات العامة، لكن شيخوخة السكان وضعف الإنتاجية يجعلان تمويل هذه الالتزامات أكثر تكلفة.
وتواجه الحكومات لذلك خياراً سياسياً صعباً بين رفع الضرائب، وهي مرتفعة بالفعل في العديد من البلدان، أو تقليص المزايا والخدمات التي يعتبرها المواطنون حقوقاً مكتسبة.
مشكلة بريطانية
تبدو المملكة المتحدة مقيدة بصورة خاصة، إذ تواجه عجزاً مالياً مستمراً بالتزامن مع عجز في الحساب الجاري، وهو ما يزيد اعتمادها على تدفقات رؤوس الأموال الخارجية.
كما أن مساحة التصرف في الأصول الحكومية أصبحت محدودة بعد عقود من الخصخصة، بينما يحتاج القطاع العام نفسه إلى استثمارات لتحسين الخدمات والبنية التحتية.
وفرنسا وإيطاليا تواجهان بدورهما معضلات صعبة. فارتفاع الدين يتزامن مع نمو محدود، وأي إجراءات تقشفية كبيرة قد تواجه مقاومة اجتماعية وسياسية، بينما يؤدي تأجيل الإصلاح إلى استمرار تراكم الالتزامات.
وهكذا تصبح المشكلة الأوروبية مرتبطة بالإنفاق الهيكلي أكثر من كونها مجرد أزمة مؤقتة في الإيرادات. ومن دون تسارع ملموس للنمو، سيكون على الحكومات إما إعادة صياغة دولة الرفاه أو البحث عن مصادر دخل إضافية يصعب فرضها دون تكلفة اقتصادية.
رسالة الأسواق
ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل يمثل تحذيراً متزايداً للحكومات بأن مرحلة التمويل الرخيص التي سمحت بتراكم الديون دون ألم كبير انتهت أو أصبحت أقل ضماناً.
فكل نقطة إضافية في تكلفة الاقتراض تعني أن حصة أكبر من الإيرادات الحكومية ستذهب مستقبلاً إلى مدفوعات الفائدة بدلاً من الاستثمار والبنية التحتية والتعليم والصحة.
والأكثر خطورة أن ارتفاع الفوائد يمكن أن يصنع حلقة متبادلة؛ فزيادة تكلفة خدمة الدين توسع العجز، والعجز يستدعي إصدار المزيد من السندات، بينما قد يطالب المستثمرون بعائد أكبر مقابل شراء المزيد منها.
لذلك بدأت الأسواق تمارس للمرة الأولى منذ عقود ضغطاً أكثر وضوحاً على السياسات المالية للدول الغنية، بعدما كانت الحكومات قادرة طويلاً على الاقتراض بتكاليف شديدة الانخفاض.
القدرة تحدد جودة المقترض
إذا عادت لجنة الائتمان الافتراضية إلى المقارنة بين المقترضين الثلاثة، فلن يكون السؤال الحاسم من يحمل الدين الأكبر فقط، وإنما من يمتلك القدرة الواقعية على تغيير مساره.
الولايات المتحدة تعاني سلوكاً مالياً شديد التوسع، لكنها تمتلك نمواً قوياً وقدرة كبيرة على زيادة الإيرادات وطلباً عالمياً على ديونها. واليابان تحمل عبئاً ضخماً وتواجه شيخوخة صعبة، لكنها تستند إلى ثروة ومدخرات محلية كبيرة. أما بعض الاقتصادات الأوروبية فتواجه مزيجاً أكثر تعقيداً من ضعف النمو وارتفاع الضرائب والالتزامات الاجتماعية وصعوبة خفض الإنفاق.
وفي عالم ترتفع فيه تكلفة الأموال، ستصبح قدرة الحكومات على اتخاذ قرارات سياسية مؤلمة عاملاً أكثر أهمية في تقييم المستثمرين. وكما يعرف المصرفيون، فإن المقترض الذي يستطيع السداد لكنه يتردد فيه يظل أقل خطراً من مقترض يريد الوفاء بالتزاماته لكنه لم يعد يمتلك الموارد الكافية لذلك.