تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسوم‭ ‬ترامب‭ ‬ترفع‭ ‬كلفة‭ ‬صادرات‭ ‬كندا

رسوم‭ ‬ترامب‭ ‬ترفع‭ ‬كلفة‭ ‬صادرات‭ ‬كندا

فتحت‭ ‬إدارة‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬جبهة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬التجارية،‭ ‬وهذه‭ ‬المرة‭ ‬مع‭ ‬كندا،‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عبر‭ ‬سلاسل‭ ‬توريد‭ ‬تمتد‭ ‬من‭ ‬الطاقة‭ ‬والأخشاب‭ ‬والألمنيوم‭ ‬إلى‭ ‬السيارات‭ ‬والأسمدة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التصعيد‭ ‬الأخير‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬الرسوم‭ ‬لا‭ ‬يسير‭ ‬في‭ ‬اتجاه‭ ‬واحد،‭ ‬إذ‭ ‬تواجه‭ ‬الصناعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬نفسها‭ ‬تكاليف‭ ‬أعلى،‭ ‬بينما‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬الخارجي‭ ‬يعزز‭ ‬التماسك‭ ‬السياسي‭ ‬الكندي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬أوتاوا‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭.‬
وفرضت‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬رسوماً‭ ‬جديدة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬50‭ % ‬على‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المنتجات‭ ‬الكندية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تهدد‭ ‬برفع‭ ‬الرسوم‭ ‬على‭ ‬السيارات‭ ‬والشاحنات‭ ‬وقطع‭ ‬الغيار‭ ‬والصلب‭ ‬اعتباراً‭ ‬من‭ ‬مطلع‭ ‬2027‭. ‬وردت‭ ‬حكومة‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬مارك‭ ‬كارني‭ ‬بإجراءات‭ ‬انتقامية‭ ‬تستهدف‭ ‬واردات‭ ‬أمريكية،‭ ‬بعدما‭ ‬انهارت‭ ‬المفاوضات‭ ‬التجارية‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬تحت‭ ‬وطأة‭ ‬شروط‭ ‬اعتبرتها‭ ‬أوتاوا‭ ‬غير‭ ‬مقبولة‭.‬

ضغط‭ ‬محدود

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬حدة‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬تشير‭ ‬التقديرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الجولة‭ ‬الحالية‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬صدمة‭ ‬قادرة‭ ‬بمفردها‭ ‬على‭ ‬زعزعة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكندي‭. ‬ويقدر‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬جلوبال‭ ‬تريد‭ ‬أليرت‮»‬‭ ‬أن‭ ‬الإجراءات‭ ‬الأمريكية‭ ‬التي‭ ‬دخلت‭ ‬حيز‭ ‬التنفيذ‭ ‬رفعت‭ ‬متوسط‭ ‬الرسوم‭ ‬المطبقة‭ ‬على‭ ‬الصادرات‭ ‬الكندية‭ ‬إلى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بنحو‭ ‬1‭.‬89‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية،‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬6‭.‬27‭ %‬،‭ ‬بعدما‭ ‬شملت‭ ‬بضائع‭ ‬كندية‭ ‬بقيمة‭ ‬17‭.‬7‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭.‬
وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الخسائر‭ ‬غير‭ ‬مهمة،‭ ‬لكنها‭ ‬تظل‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬الصورة‭ ‬التي‭ ‬توحي‭ ‬بها‭ ‬نسبة‭ ‬الـ50‭ % ‬المعلنة،‭ ‬لأن‭ ‬الرسوم‭ ‬المرتفعة‭ ‬تستهدف‭ ‬جزءاً‭ ‬محدداً‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬وليس‭ ‬كل‭ ‬الصادرات‭ ‬الكندية‭. ‬ويمنح‭ ‬ذلك‭ ‬أوتاوا‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬امتصاص‭ ‬الصدمة،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬نطاق‭ ‬المواجهة‭ ‬المباشرة‭.‬
وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤدي‭ ‬طبيعة‭ ‬الاقتصادين‭ ‬المتداخلين‭ ‬إلى‭ ‬انتقال‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كلفة‭ ‬الرسوم‭ ‬سريعاً‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬فكندا‭ ‬مورد‭ ‬رئيس‭ ‬للطاقة‭ ‬والأخشاب‭ ‬والألمنيوم‭ ‬والبوتاس‭ ‬ومكونات‭ ‬صناعية‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬خطوط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬رفع‭ ‬تكلفة‭ ‬هذه‭ ‬الواردات‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬في‭ ‬تكلفة‭ ‬البناء‭ ‬والتصنيع‭ ‬والزراعة‭ ‬والسيارات‭ ‬داخل‭ ‬السوق‭ ‬الأمريكية‭.‬

رد‭ ‬كندي

سياسياً،‭ ‬حققت‭ ‬الضغوط‭ ‬الأمريكية‭ ‬نتيجة‭ ‬معاكسة‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬تستهدفه‭ ‬سياسة‭ ‬الرسوم‭. ‬فبدلاً‭ ‬من‭ ‬تقسيم‭ ‬الموقف‭ ‬الداخلي‭ ‬الكندي،‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬توحيد‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬خلف‭ ‬حكومة‭ ‬كارني،‭ ‬التي‭ ‬رفضت‭ ‬شروط‭ ‬الاتفاق‭ ‬الأمريكي‭ ‬وأعلنت‭ ‬رداً‭ ‬مقابلاً‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬الأمريكية‭.‬
ومن‭ ‬المقرر‭ ‬أن‭ ‬تستهدف‭ ‬الرسوم‭ ‬الكندية‭ ‬بضائع‭ ‬أمريكية‭ ‬بقيمة‭ ‬تقارب‭ ‬20‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬تشمل‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬الصلب‭ ‬ومنتجات‭ ‬الألبان‭ ‬والإلكترونيات‭ ‬وغيرها،‭ ‬فيما‭ ‬كشفت‭ ‬الحكومة‭ ‬الكندية‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬بعض‭ ‬السلع‭ ‬يستهدف‭ ‬أيضاً‭ ‬ممارسة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭ ‬على‭ ‬ولايات‭ ‬أمريكية‭ ‬محددة‭.‬
وتظهر‭ ‬استطلاعات‭ ‬حديثة‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬76‭ % ‬من‭ ‬الكنديين‭ ‬يدعمون‭ ‬موقف‭ ‬كارني‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واشنطن،‭ ‬رغم‭ ‬التحذيرات‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬التأييد‭ ‬قد‭ ‬يتراجع‭ ‬إذا‭ ‬بدأت‭ ‬خسائر‭ ‬الوظائف‭ ‬وارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬بصورة‭ ‬أكبر‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬المقبلة‭.‬
ويعكس‭ ‬الموقف‭ ‬المتشدد‭ ‬لرئيس‭ ‬وزراء‭ ‬أونتاريو‭ ‬دوج‭ ‬فورد‭ ‬حجم‭ ‬التحول‭ ‬السياسي‭. ‬فالمقاطعة‭ ‬تمثل‭ ‬قلب‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬الكندية‭ ‬وترتبط‭ ‬مصانعها‭ ‬بشكل‭ ‬عميق‭ ‬بخطوط‭ ‬الإنتاج‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬من‭ ‬المناطق‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضاً‭ ‬لأي‭ ‬تصعيد‭ ‬طويل‭.‬

كلفة‭ ‬النمو

اقتصادياً،‭ ‬تتوقع‭ ‬‮«‬أكسفورد‭ ‬إيكونوميكس‮»‬‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬الرسوم‭ ‬الأمريكية‭ ‬الجديدة‭ ‬والرد‭ ‬الكندي‭ ‬المتناسب‭ ‬معها‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الكندي‭ ‬بنحو‭ ‬0‭.‬3‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬عن‭ ‬خط‭ ‬الأساس‭ ‬خلال‭ ‬2027،‭ ‬مع‭ ‬رفع‭ ‬أسعار‭ ‬المستهلكين‭ ‬بنحو‭ ‬0‭.‬3‭ ‬نقطة‭ ‬مئوية‭ ‬أيضاً‭.‬
وتشير‭ ‬المؤسسة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التأثير‭ ‬سيكون‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬على‭ ‬الصناعات‭ ‬التحويلية‭ ‬في‭ ‬أونتاريو‭ ‬وكيبيك‭ ‬ونيو‭ ‬برونزويك،‭ ‬بينما‭ ‬يُتوقع‭ ‬أن‭ ‬ترفع‭ ‬الإجراءات‭ ‬الانتقامية‭ ‬متوسط‭ ‬الرسوم‭ ‬الكندية‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬الأمريكية‭ ‬بنحو‭ ‬3‭.‬9‭ ‬نقاط‭ ‬مئوية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬قليلاً‭ ‬على‭ ‬6‭ %.‬
لكن‭ ‬حجم‭ ‬التأثير‭ ‬يظل‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الصدمات‭ ‬التجارية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬يمكنها‭ ‬إحداث‭ ‬تغيير‭ ‬هيكلي‭ ‬دائم‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬خصوصاً‭ ‬أن‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات‭ ‬والاستهلاك‭ ‬المحلي‭ ‬والاستثمارات‭ ‬الحكومية‭ ‬يوفّر‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الحماية‭ ‬لكندا‭.‬
وأظهرت‭ ‬البيانات‭ ‬بالفعل‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الكندي‭ ‬نما‭ ‬بمعدل‭ ‬سنوي‭ ‬بلغ‭ ‬3‭.‬3‭ % ‬في‭ ‬الربع‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬2026،‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬الصادرات‭ ‬3‭.‬6‭ % ‬ونمو‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬النهائي‭ ‬1‭ %‬،‭ ‬رغم‭ ‬استمرار‭ ‬التوترات‭ ‬التجارية‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

حواجز‭ ‬داخلية

وتملك‭ ‬كندا‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬مجالاً‭ ‬لتحسين‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الضغوط‭ ‬الخارجية‭ ‬عبر‭ ‬معالجة‭ ‬قيودها‭ ‬التجارية‭ ‬الداخلية‭. ‬فحجم‭ ‬تجارة‭ ‬السلع‭ ‬والخدمات‭ ‬بين‭ ‬المقاطعات‭ ‬والأقاليم‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬527‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً،‭ ‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬قرابة‭ ‬17‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭.‬
وتشير‭ ‬تقديرات‭ ‬هيئة‭ ‬الإحصاء‭ ‬الكندية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إزالة‭ ‬الحواجز‭ ‬أمام‭ ‬التجارة‭ ‬الداخلية‭ ‬بالكامل‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تضيف‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬92‭ ‬و200‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬إلى‭ ‬الناتج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭.‬
كما‭ ‬يقدر‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬أن‭ ‬إزالة‭ ‬الحواجز‭ ‬غير‭ ‬الجغرافية‭ ‬أمام‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬المقاطعات‭ ‬قد‭ ‬ترفع‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لكندا‭ ‬بنحو‭ ‬7‭ % ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل،‭ ‬مع‭ ‬مجيء‭ ‬نحو‭ ‬90‭ % ‬من‭ ‬المكاسب‭ ‬المحتملة‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬الخدمات‭.‬
وبذلك،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬تحرير‭ ‬السوق‭ ‬الكندية‭ ‬الداخلية‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭ ‬من‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجمركية‭ ‬الأمريكية‭ ‬الحالية‭.‬

مأزق‭ ‬التضخم

المشكلة‭ ‬السياسية‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬ترامب‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الرسوم‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬فيه‭ ‬تكلفة‭ ‬المعيشة‭ ‬والأسعار‭ ‬قضية‭ ‬حساسة‭ ‬للناخب‭ ‬الأمريكي‭. ‬وكلما‭ ‬رفعت‭ ‬السياسات‭ ‬التجارية‭ ‬أسعار‭ ‬المدخلات‭ ‬والسلع‭ ‬المستوردة،‭ ‬زادت‭ ‬احتمالات‭ ‬تحميل‭ ‬الإدارة‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬مسؤولية‭ ‬التضخم‭.‬
وتظهر‭ ‬المفارقة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬اللحوم‭. ‬فقد‭ ‬أعلن‭ ‬ترامب‭ ‬أخيراً‭ ‬السماح‭ ‬بإدخال‭ ‬300‭ ‬ألف‭ ‬طن‭ ‬متري‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬اللحم‭ ‬البقري‭ ‬المستورد‭ ‬برسوم‭ ‬مخفضة‭ ‬لمدة‭ ‬90‭ ‬يوماً،‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتعزيز‭ ‬المعروض‭ ‬وخفض‭ ‬الأسعار،‭ ‬بعدما‭ ‬وصلت‭ ‬أعداد‭ ‬الماشية‭ ‬الأمريكية‭ ‬إلى‭ ‬أدنى‭ ‬مستوياتها‭ ‬منذ‭ ‬75‭ ‬عاماً‭.‬
وهنا‭ ‬تبدو‭ ‬السياسة‭ ‬التجارية‭ ‬وكأنها‭ ‬تتحرك‭ ‬في‭ ‬اتجاهين‭ ‬متعاكسين‭: ‬فرض‭ ‬حواجز‭ ‬لحماية‭ ‬المنتجين‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬ثم‭ ‬تخفيفها‭ ‬عندما‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسعار‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬تهديد‭ ‬المستهلك‭ ‬والسياسة‭.‬

درس‭ ‬نيكسون

وهذه‭ ‬ليست‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬فيها‭ ‬إدارة‭ ‬أمريكية‭ ‬التناقض‭ ‬بين‭ ‬الحماية‭ ‬التجارية‭ ‬والتضخم‭. ‬ففي‭ ‬يونيو‭ ‬1972،‭ ‬أمر‭ ‬الرئيس‭ ‬ريتشارد‭ ‬نيكسون‭ ‬بإزالة‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬اللحوم‭ ‬لبقية‭ ‬العام،‭ ‬بعدما‭ ‬ارتفعت‭ ‬الأسعار‭ ‬نتيجة‭ ‬عدم‭ ‬مواكبة‭ ‬الإمدادات‭ ‬للطلب‭ ‬المتزايد‭.‬
وكان‭ ‬الهدف‭ ‬المعلن‭ ‬آنذاك‭ ‬زيادة‭ ‬المعروض‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬الغذاء،‭ ‬وهي‭ ‬معادلة‭ ‬تتشابه‭ ‬بصورة‭ ‬لافتة‭ ‬مع‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬ترامب‭ ‬اليوم‭.‬
والتاريخ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قدرة‭ ‬الحكومات‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬قطاعات‭ ‬بعينها‭ ‬بالرسوم‭ ‬تصبح‭ ‬محدودة‭ ‬عندما‭ ‬يبدأ‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬التكلفة‭ ‬في‭ ‬المتاجر،‭ ‬خصوصاً‭ ‬قبيل‭ ‬استحقاقات‭ ‬انتخابية‭ ‬حساسة‭.‬

التجارة‭ ‬تتكيف‭ ‬والرسوم‭ ‬تفقد‭ ‬قوتها
تكشف‭ ‬المواجهة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الكندية‭ ‬أن‭ ‬الرسوم‭ ‬المرتفعة‭ ‬قد‭ ‬تولّد‭ ‬ضجيجاً‭ ‬سياسياً‭ ‬يفوق‭ ‬تأثيرها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المباشر،‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬تستهدف‭ ‬أجزاء‭ ‬محدودة‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬ولا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬تفكيك‭ ‬شامل‭ ‬لاتفاقيات‭ ‬التجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬القائمة‭.‬
لكن‭ ‬المخاطر‭ ‬ستتغير‭ ‬جذرياً‭ ‬إذا‭ ‬نفذت‭ ‬واشنطن‭ ‬تهديدات‭ ‬يناير‭ ‬أو‭ ‬أضعفت‭ ‬‮«‬USMCA‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬ستصبح‭ ‬صناعات‭ ‬السيارات‭ ‬والصلب‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاضطراب،‭ ‬وسترتفع‭ ‬التكلفة‭ ‬على‭ ‬المنتجين‭ ‬الأمريكيين‭ ‬والكنديين‭ ‬معاً‭.‬
وبالنسبة‭ ‬لترامب،‭ ‬تبقى‭ ‬المعضلة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬جولة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬الرسوم‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تزيد‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬الشريك‭ ‬التجاري،‭ ‬لكنها‭ ‬قد‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬توحد‭ ‬خصومه،‭ ‬وتدفع‭ ‬التجارة‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬مسارات‭ ‬بديلة،‭ ‬وترفع‭ ‬الأسعار‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭. ‬ومع‭ ‬اقتراب‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي،‭ ‬قد‭ ‬يصبح‭ ‬التضخم‭ ‬وليس‭ ‬حجم‭ ‬الإيرادات‭ ‬الجمركية‭ ‬هو‭ ‬العامل‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬المدى‭ ‬الذي‭ ‬تستطيع‭ ‬الإدارة‭ ‬الذهاب‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬حربها‭ ‬التجارية‭.‬

رجوع لأعلى