رسوم ترامب ترفع كلفة صادرات كندا
فتحت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جبهة جديدة في حربها التجارية، وهذه المرة مع كندا، أحد أكثر الاقتصادات ارتباطاً بالولايات المتحدة عبر سلاسل توريد تمتد من الطاقة والأخشاب والألمنيوم إلى السيارات والأسمدة. غير أن التصعيد الأخير يكشف أن تأثير الرسوم لا يسير في اتجاه واحد، إذ تواجه الصناعات الأمريكية نفسها تكاليف أعلى، بينما يبدو أن الضغط الخارجي يعزز التماسك السياسي الكندي بدلاً من دفع أوتاوا إلى تقديم تنازلات.
وفرضت الولايات المتحدة رسوماً جديدة تصل إلى 50 % على مجموعة من المنتجات الكندية، في حين تهدد برفع الرسوم على السيارات والشاحنات وقطع الغيار والصلب اعتباراً من مطلع 2027. وردت حكومة رئيس الوزراء مارك كارني بإجراءات انتقامية تستهدف واردات أمريكية، بعدما انهارت المفاوضات التجارية بين البلدين تحت وطأة شروط اعتبرتها أوتاوا غير مقبولة.
ضغط محدود
وعلى الرغم من حدة الخطاب السياسي، تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن الجولة الحالية من الرسوم لا تمثل حتى الآن صدمة قادرة بمفردها على زعزعة الاقتصاد الكندي. ويقدر مركز «جلوبال تريد أليرت» أن الإجراءات الأمريكية التي دخلت حيز التنفيذ رفعت متوسط الرسوم المطبقة على الصادرات الكندية إلى الولايات المتحدة بنحو 1.89 نقطة مئوية، ليصل إلى 6.27 %، بعدما شملت بضائع كندية بقيمة 17.7 مليار دولار.
وهذا لا يعني أن الخسائر غير مهمة، لكنها تظل أقل من الصورة التي توحي بها نسبة الـ50 % المعلنة، لأن الرسوم المرتفعة تستهدف جزءاً محدداً من التجارة وليس كل الصادرات الكندية. ويمنح ذلك أوتاوا قدرة أكبر على امتصاص الصدمة، خصوصاً مع استمرار قطاعات واسعة من الاقتصاد بعيداً عن نطاق المواجهة المباشرة.
وفي المقابل، تؤدي طبيعة الاقتصادين المتداخلين إلى انتقال جزء من كلفة الرسوم سريعاً إلى داخل الولايات المتحدة. فكندا مورد رئيس للطاقة والأخشاب والألمنيوم والبوتاس ومكونات صناعية تدخل في خطوط الإنتاج الأمريكية، وبالتالي فإن رفع تكلفة هذه الواردات يمكن أن يتحول إلى زيادة في تكلفة البناء والتصنيع والزراعة والسيارات داخل السوق الأمريكية.
رد كندي
سياسياً، حققت الضغوط الأمريكية نتيجة معاكسة لما قد تستهدفه سياسة الرسوم. فبدلاً من تقسيم الموقف الداخلي الكندي، ساهمت في توحيد قطاعات واسعة خلف حكومة كارني، التي رفضت شروط الاتفاق الأمريكي وأعلنت رداً مقابلاً على الواردات الأمريكية.
ومن المقرر أن تستهدف الرسوم الكندية بضائع أمريكية بقيمة تقارب 20 مليار دولار، تشمل قطاعات مثل الصلب ومنتجات الألبان والإلكترونيات وغيرها، فيما كشفت الحكومة الكندية أن اختيار بعض السلع يستهدف أيضاً ممارسة ضغط سياسي على ولايات أمريكية محددة.
وتظهر استطلاعات حديثة أن نحو 76 % من الكنديين يدعمون موقف كارني في مواجهة واشنطن، رغم التحذيرات من أن التأييد قد يتراجع إذا بدأت خسائر الوظائف وارتفاع الأسعار في الظهور بصورة أكبر خلال الأشهر المقبلة.
ويعكس الموقف المتشدد لرئيس وزراء أونتاريو دوج فورد حجم التحول السياسي. فالمقاطعة تمثل قلب صناعة السيارات الكندية وترتبط مصانعها بشكل عميق بخطوط الإنتاج الأمريكية، ما يجعلها من المناطق الأكثر تعرضاً لأي تصعيد طويل.
كلفة النمو
اقتصادياً، تتوقع «أكسفورد إيكونوميكس» أن تؤدي الرسوم الأمريكية الجديدة والرد الكندي المتناسب معها إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي الكندي بنحو 0.3 نقطة مئوية عن خط الأساس خلال 2027، مع رفع أسعار المستهلكين بنحو 0.3 نقطة مئوية أيضاً.
وتشير المؤسسة إلى أن التأثير سيكون أكثر وضوحاً على الصناعات التحويلية في أونتاريو وكيبيك ونيو برونزويك، بينما يُتوقع أن ترفع الإجراءات الانتقامية متوسط الرسوم الكندية الفعلية على الواردات الأمريكية بنحو 3.9 نقاط مئوية إلى ما يزيد قليلاً على 6 %.
لكن حجم التأثير يظل بعيداً عن الصدمات التجارية الكبرى التي يمكنها إحداث تغيير هيكلي دائم في الاقتصاد، خصوصاً أن قطاع الخدمات والاستهلاك المحلي والاستثمارات الحكومية يوفّر قدراً من الحماية لكندا.
وأظهرت البيانات بالفعل أن الاقتصاد الكندي نما بمعدل سنوي بلغ 3.3 % في الربع الثاني من 2026، مع ارتفاع الصادرات 3.6 % ونمو الطلب المحلي النهائي 1 %، رغم استمرار التوترات التجارية مع الولايات المتحدة.
حواجز داخلية
وتملك كندا في الوقت نفسه مجالاً لتحسين قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية عبر معالجة قيودها التجارية الداخلية. فحجم تجارة السلع والخدمات بين المقاطعات والأقاليم يبلغ نحو 527 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل قرابة 17 % من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير تقديرات هيئة الإحصاء الكندية إلى أن إزالة الحواجز أمام التجارة الداخلية بالكامل يمكن أن تضيف ما بين 92 و200 مليار دولار إلى الناتج الاقتصادي بمرور الوقت.
كما يقدر صندوق النقد الدولي أن إزالة الحواجز غير الجغرافية أمام التجارة بين المقاطعات قد ترفع الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لكندا بنحو 7 % على المدى الطويل، مع مجيء نحو 90 % من المكاسب المحتملة من قطاع الخدمات.
وبذلك، قد يكون تحرير السوق الكندية الداخلية أكثر أهمية على المدى الطويل من جزء كبير من الإجراءات الجمركية الأمريكية الحالية.
مأزق التضخم
المشكلة السياسية بالنسبة إلى ترامب تتمثل في أن الرسوم تأتي في وقت ما تزال فيه تكلفة المعيشة والأسعار قضية حساسة للناخب الأمريكي. وكلما رفعت السياسات التجارية أسعار المدخلات والسلع المستوردة، زادت احتمالات تحميل الإدارة جزءاً من مسؤولية التضخم.
وتظهر المفارقة بوضوح في سوق اللحوم. فقد أعلن ترامب أخيراً السماح بإدخال 300 ألف طن متري إضافية من اللحم البقري المستورد برسوم مخفضة لمدة 90 يوماً، في محاولة لتعزيز المعروض وخفض الأسعار، بعدما وصلت أعداد الماشية الأمريكية إلى أدنى مستوياتها منذ 75 عاماً.
وهنا تبدو السياسة التجارية وكأنها تتحرك في اتجاهين متعاكسين: فرض حواجز لحماية المنتجين من الخارج، ثم تخفيفها عندما تبدأ الأسعار المحلية في تهديد المستهلك والسياسة.
درس نيكسون
وهذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها إدارة أمريكية التناقض بين الحماية التجارية والتضخم. ففي يونيو 1972، أمر الرئيس ريتشارد نيكسون بإزالة القيود على واردات اللحوم لبقية العام، بعدما ارتفعت الأسعار نتيجة عدم مواكبة الإمدادات للطلب المتزايد.
وكان الهدف المعلن آنذاك زيادة المعروض والحد من ارتفاع تكلفة الغذاء، وهي معادلة تتشابه بصورة لافتة مع التحدي الذي يواجه ترامب اليوم.
والتاريخ الاقتصادي يشير إلى أن قدرة الحكومات على حماية قطاعات بعينها بالرسوم تصبح محدودة عندما يبدأ المستهلك في دفع التكلفة في المتاجر، خصوصاً قبيل استحقاقات انتخابية حساسة.
التجارة تتكيف والرسوم تفقد قوتها
تكشف المواجهة الأمريكية الكندية أن الرسوم المرتفعة قد تولّد ضجيجاً سياسياً يفوق تأثيرها الاقتصادي المباشر، ما دامت تستهدف أجزاء محدودة من التجارة ولا تتحول إلى تفكيك شامل لاتفاقيات التجارة وسلاسل الإنتاج القائمة.
لكن المخاطر ستتغير جذرياً إذا نفذت واشنطن تهديدات يناير أو أضعفت «USMCA»، إذ ستصبح صناعات السيارات والصلب وسلاسل الإمداد العابرة للحدود أكثر عرضة للاضطراب، وسترتفع التكلفة على المنتجين الأمريكيين والكنديين معاً.
وبالنسبة لترامب، تبقى المعضلة أن كل جولة جديدة من الرسوم يفترض أن تزيد الضغط على الشريك التجاري، لكنها قد في المقابل توحد خصومه، وتدفع التجارة إلى البحث عن مسارات بديلة، وترفع الأسعار داخل الولايات المتحدة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، قد يصبح التضخم وليس حجم الإيرادات الجمركية هو العامل الذي يحدد المدى الذي تستطيع الإدارة الذهاب إليه في حربها التجارية.